الصحراء الكبرى …مقابر الشباب الحالم بالهجرة إلى أوروبا
- 500 سوداني لقوا مصرعهم بالصحراء عطشا
- مثلث الموت.. نقطة التجمع الرئيسية لمهربي البشر بصحراء الكفرة الليبية
- هياكل عظمية لسودانيين تتناثر وسط الصحراء الليبية بمنطقتي ام جوابي والكفرة
- مهربو البشر يحتجزون الشباب السوداني داخل حظائر الأبقار والمزارع المهجورة النائية
تحقيق ــ التاج عثمان:
أرقام وإحصاءات ومعلومات مُفزعة تحصلت عليها (أصداء سودانية) تكشف مصرع 500 سوداني لقوا مصرعهم عطشا بالصحراء الكبرى خلال الست سنوات الماضية معظمهم من الشباب الحالمون بالهجرة إلى أوروبا عبر ليبيا.. وتشير المعلومات ان الهلال الأحمر الليبي فرع الكفرة إنتشل 31 جثة في يونيو 2023 و11 جثة في غسطس 2024 معظمهم من الشباب السوداني ومنهم للأسف عدد من الأطفال.. التحقيق التالي يكشف المزيد من الحقائق والمشاهد القاسية التي يتعرض لها الشباب الهارب من الحرب إلى أوروبا عبر ليبيا ثم البحر الأبيض المتوسط.
مثلث الموت:
عذرا.. هذا التحقيق يحوي معلومات خطيرة ومشاهد مؤلمة عن شباب سوداني وقعوا ضحية لمهربي البشر الذين يزينون لهم سهولة الوصول إلى بعض الدول الأوربية بعد إجتيازهم للطريق الذي يشق أخطر منطقة تهريب للبشر في العالم وهي الصحراء الكبرى، والتي تحولت لمقابر جماعية مفتوحة لمئات الشباب السوداني من الذين كانوا يتوقون للحُلم الأوربي، فيلقون حتفهم كما ذكرنا عطشا وجوعا، او تصفيتهم جزاءا لهم لعدم إرسال أسرهم للفدية.. نشير ان هناك 4 مناطق او طرق رئيسية تعد الأخطر التي يقود لها مهربو البشر الشباب السوداني عبرها وصولا إلى ليبيا، وهي:
ــ مثلث الموت: يقصد به الطريق الذي يشق صحراء الكفرة الليبية، ويعد نقطة التجمع الرئيسية لمهربي البشر.. تم العثور فيه على 31 جثة في يونيو 2023، و11 جثة في أغسطس 2024 لشباب من السودانيين.
ــ طريق الأربعين بالمثلث الحدودي: وهو طريق (السودان ــ مصر ــ ليبيا) القديم، طوله حوالى 1200 كلم، ولا تتوافر فيه آبار للمياه ولا شبكة إتصالات، وهو يمتلئ بهياكل عظمية متحللة (عظام) لسودانيين، شباب ونساء وأطفال صغار ورضع.. وتحديدا تتناثر الهياكل البشرية السودانية وسط الصحراء خاصة بمنطقتي (أُم الجوابي)، و(الكفرة) الليبية.
ــ طريق صحراء (الجغبوب)، على الحدود المصرية ــ الليبية، ويعتبر نقطة عبور للشباب السوداني المتجه إلى البحر الأبيض المتوسط عبر ليبيا ومنها إلى إيطاليا او اليونان عبر القوارب المطاطية او اللنشات الخطرة، حيث يقوم مهربو البشر بإنزال الشباب بمنطقة الجغبوب، وسبق ان وثقت السلطات الليبية مقابر جماعية بتلك المنطقة مشيرة انها لسودانيين باعمار شبابية مختلفة.
ــ طريق سبها وغات جنوب ليبيا، وفيه مراكز إحتجاز وإبتزاز حيث يفرض مهربو البشر اتاوات على الشباب ومن لا ينصاع لهم يتركه المهربون بالصحراء بدون ماء او طعام فيلقون مصرعهم عطشا بعد أيام قلائل.. وكما أشار بعض السودانيين من الذين نجحوا بإعجوبة الهرب من قبضة عصابات التهريب، أنهم إحتجزوا داخل سجون سرية بالمنطقتين المذكورتين، ويقومون بالإتصال بعائلات الأسرى بواسطة أجهزة إتصال خاصة ليطلبوا منهم إرسال الفدية المطلوبة نظير إطلاق سراحهم، وإذا لم يستجب أهل الأسرى بدفع الفدية يتم ترحيلهم لقلب الصحراء وتركهم هناك ليموتوا بعد أيام قلائل جراء العطش والجوع وإرتفاع درجة حرارة الصحراء نهارا.
إنتشال الجثامين:
من الذي يقوم بإنتشال الجثامين المنتشرة وسط الصحراء الليبية للسودانيين او غيرهم من الجنسيات الأفريقية الأخرى؟.. وما مصير هذه الجثامين؟.. حسب الهلال الأحمر الليبي فرع الكفرة، فإنهم يقومون بإنتشال الجثامين التي يعثرون عليها في قلب الصحراء الليبية، وتصويرها للأرشيف الجنائي حتى يتعرف عليها أهل المتوفي، وتقوم بنشر تقارير شهرية بأعداد الجثامين التي قاموا بإنتشالها من الصحراء ولكن بدون صور.. بعدها يقومون بدفن الموتى في مقابر جماعية مرقمة في الصحراء، ولديهم سجلات بالأسماء، في حالة العثور على هويات مع المتوفين، وتواريخ واماكن الدفن.. اما المنظمة الدولية للهجرة فرع ليبيا لديها قاعدة بيانات تحوي اوصاف الأشخاص المتوفين الذين يعثرون عليهم في الصحراء.. وللسفارة السودانية بالعاصمة الليبية طرابلس دور مهم في هذا الجانب، حيث لديها (غرفة طوارئ) تقوم بإستلام صور الجثامين من السلطات الليبية لمطابقتها مع بلاغات أهل المفقودين والتي تحوي أوصافهم، ولديهم مشروع لتوثيق أماكن الدفن بالإحداثيات ولكن بدون صور للضحايا.
وتتركز المقابر الجماعية للسودانيين الذين يعثر عليه موتى وسط الصحراء الكبرى بمناطق: (الكفرة ــ الجغبوب ــ سبها)، كل قبر لديه رقم وإحداثيات، والتعرف على الجثامين يتم عبر السفارة السودانية بطرابلس بمطابقة البيانات والبصمة الوراثية حيث يحظر نشر صور الجثامين.. وأشاربيان للسفارة السودانية بطرابلس صادر في يونيو 2024، في هذا الخصوص: (تلقينا خلال عام 2024 بلاغات عن وفاة 87 سوداني تم إنتشال جثامينهم من الصحراء، والسفارة تعمل بالتنسيق مع السلطات الليبية، ومنظمة المفقودين والهجرة لترحيل الجثامين ومطابقة البصمة الوراثية).
من جانبها كشفت أطباء بلا حدود (إم إس إف): الناجين الذين نستقبلهم في سبها والكفرة يحكون عن تركهم في الصحراء بواسطة المهربين لايام بدون ماء كوسيلة ضغط وإبتزاز لأهلهم حتى ينصاعوا ويستيجيبون لهم بدفع الأتاوات التي يفرضها المهربون مقابل إطلاق سراح أبنائهم.
مهربو البشر:
سؤال ظل يتردد في أذهان الكثيرين: من هم الذين يقومون بتهريب شبابنا السوداني عبر الصحراء الكبرى إلى ليبيا؟.. ما هي جنسياتهم؟ وهل منهم سودانيين؟.. حسب متابعتي لهذه القضية، للأسف هناك سودانيين متورطين في جريمة تهريب البشر، وهم عبارة عن سماسرة لكبار المهربين من الجنسيات الأخرى، يتواجدون خاصة بدارفور، وشمال كردفان، وامدرمان، مهمتهم إغراء وتجميع الشباب السوادني الحالم باللجؤ لأوربا، وإستلام أجرة التهريب، والتي تتراوح بين (1500 ــ 4000) دولار لتهريب الفرد الواحد.. وهناك عدد من المهربين من جنسيات ليبية، وتشادية، ونيجيرية، وهم أصحاب عربات التهريب وبعضهم يعمل كمرشدين لدرايتهم بمسالك ودروب الصحراء، وهم يسيطرون على طرق التهريب بمناطق الكفرة وسبها والجغبوب، ومنطقة المثلث الحدودي.. وعصابات تهريب البشر يعملون في شكل خلايا فليس لهم رئيس معروف.
ومن المعلومات الخطيرة ان عصابات التهريب تقوم بإحتجاز الشباب السوداني داخل حظائر أشبه بحظائر الأبقار، او داخل مخازن ومزارع مهجورة نائية تقع بجنوب ليبيا بالكفرة وسبها وغات..وحسب بعض الناجين من قبضة المهربين انهم يقومون بإيقاف القوافل لأيام وسط الصحراء بدون ماء للضغط على أهلهم إرسال الفدية المالية التي يطلبونها مقابل إطلاق سراحهم.. وهناك توثيق لإحدى المنظمات بعثورها على 30 موقع إحتجاز لعصابات التهريب جنوب ليبيا.
قصص صادمة:

وحسب شهادات بعض الناجين من قبضة تجار البشر، فإنهم يعاملون الشباب السوداني معاملة قاسية بإحتجازهم وضربهم وتعطيشهم وتجويعهم، وتركهم وسط الصحراء في حالة رفض أهلهم إرسال الفدية.. وتقارير حماية المهاجرين تحوي تفاصيل وقصص (صادمة) على لسان الناجين من الصحراء ومن المهربين منها على سبيل المثال الحكاية التالية:
في صيف 2023 أي بعد إندلاع الحرب توجه عدد من الشباب السوداني من مدن سودانية مختلفة إلى ليبيا بواسطة عصابات تهريب البشر، وكانوا يحلمون الوصول لاوروبا، لكن حلمهم تحول إلى هياكل عظمية وسط الصحراء، حيث عثر الهلال الأحمر الليبي على 31 جثة متحللة في قلب صحراء الكفرة الليبية جميعهم من الشباب السوداني، حيث تعطلت عربتهم في قلب الصحراء ، وفي اليوم الثالث لوجودهم في قلب الصحراء تحت درجة حرارة فوق الخمسين درجة نفذ منهم الماء وظلوا أياما بدون شرب جرعة ماء واحدة حتى توفوا جميعا ليعثر عليهم جثثا متحللة، ليتحول الحُلم الأوربي للشباب السوداني إلى جثث ملقاة في رمال الصحراء الكبرى، او في مقابر جماعية لا تحمل أسماء بل أرقاما!. وهناك العشرات من الشباب السوداني لم يتم العثور على جثثهم وذلك لكبرمساحة الصحراء ما يتعذر على فرق الإنقاذ الليبية إرتيادها كلها.. ومن يعثر على جثامينهم، حسب تصريح رئيس الهلال الأحمر الليبي فرع الكفرة لوكالة الأنباء الليبية، يتم دفنهم في مقابر جماعية بالصحراء تحمل أرقاما، ويتم الإحتفاظ بسجلات لبياناتهم للتعرف عليهم لاحقا بواسطة أهلهم.
أخيرا:
رسالة إلى الأسر التي إنقطعت أخبار أبنائهم الذين توجهوا إلى ليبيا عبر التهريب، ننصحهم في مثل هذا الحالة إبلاغ السفارة السودانية بليبيا عبر وزارة الخارجية السودانية ببعض المعلومات عن الشخص المفقود تتمثل في: إسم وصورة المفقود، تاريخ الخروج من السودان، آخر مكان شوهد فيه.. وعلى ضؤ هذه المعلومات تقوم السفارة بمراجعة سجلات المقابر الجماعية لمجهولي الهوية مع الهلال الأحمر الليبي، والتي تحوى أرقاما لا صورا للجثامين.