آخر الأخبار

حين يصبح ضوء الشمس قضية أمن قومي

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في الدول التي تمر بالحروب والأزمات الاقتصادية، لا يعود الحديث عن الطاقة مجرد نقاش فني بين المهندسين، وإنما يتحول إلى قضية أمن قومي، وأحد أهم مفاتيح الاستقرار والإنتاج وإعادة الإعمار.. والسودان اليوم يقف أمام هذه الحقيقة بوضوح؛ فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة عامة، بل أصبحت عصب الحياة الذي تتوقف عليه الزراعة والصناعة والمياه والمستشفيات والتعليم والاتصالات.

*لقد دخلت البلاد خلال السنوات السبع الماضية في واحدة من أصعب الأزمات التي واجهها قطاع الكهرباء منذ عقود، حتى أصبحت ساعات الإظلام الطويلة جزءاً من الحياة اليومية، وتوقفت آلاف المشاريع الزراعية والإنتاجية، وتكبد الاقتصاد الوطني خسائر هائلة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وضعف البنية التحتية للطاقة.

*هذه الأزمة ليست وليدة سبب واحد، وإنما هي نتيجة تراكمات معقدة ومتداخلة. فمنذ عام 2019م  شهد قطاع الكهرباء، شأنه شأن قطاعات الدولة الأخرى، تغيرات إدارية واسعة رافقت قرارات تجريف لجنة إزالة التمكين، و إنهاء خدمة أعداد كبيرة من العاملين والمهندسين والفنيين. ويرى كثيرون أن هذه الإجراءات أثرت في الخبرات المؤسسية والقدرات التشغيلية داخل القطاع، وأسهمت في إضعاف منظومة الإدارة والصيانة في مرحلة كانت تحتاج إلى المحافظة على الكفاءات واستمرار العمل المؤسسي ثم جاءت الحرب لتضاعف حجم الكارثة.. فقد تعرضت منشآت كهربائية ومحطات توليد وتحويل وخطوط نقل، إضافة إلى مرافق حيوية للطاقة، لأضرار كبيرة نتيجة العمليات العسكرية،وتدمير ممنهج  لمحطات توليد الكهرباء واستهدف سد مروى والمحطات التوليد الحراري بشكل مباشر ومقصود وممبرمج وهو ما انعكس بصورة مباشرة على استقرار الإمداد الكهربائي في أنحاء واسعة من البلاد، وأصبحت عملية إعادة تشغيل الشبكة أكثر تعقيداً وكلفة. حيث شهدت الشبكة تدمير وسرقات للكوابل والاسلاك والمحاولات وغيرها.

*أما العامل الثالث، فقد تمثل في الحصار الاقتصادي والظروف الاستثنائية التي عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وما صاحبها من صعوبات في استيراد المعدات وقطع الغيار والمحولات والكابلات والأنظمة الإلكترونية اللازمة للصيانة والتحديث، الأمر الذي أدى إلى تراجع كفاءة الشبكة الكهربائية وتأخر عمليات الإصلاح والإحلال وأمام هذه الوقائع، لم تعد الطاقة الشمسية مجرد خيار بيئي أو تقنية حديثة، وإنما أصبحت ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالسودان يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، ويستطيع أن يحول هذه الميزة الطبيعية إلى مصدر مستدام للطاقة يخدم المدن والقرى والمزارع والمصانع والمؤسسات الصحية والتعليمية.

*فالطاقة الشمسية اليوم قادرة على تشغيل مشاريع الري الزراعي، وتوفير المياه في المناطق الريفية، وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية، وإنارة المدارس والجامعات، وتخفيف الضغط على الشبكة القومية، وخفض فاتورة الوقود، وتقليل الانبعاثات البيئية، وجذب استثمارات جديدة في مجالات الصناعة والطاقة النظيفة.

*وقد أحسنت حكومة الأمل برئاسة البروفيسور كامل إدريس عندما اتخذت قراراً بإعفاء أنظمة الطاقة الشمسية ومدخلاتها من الرسوم الجمركية والضرائب، باعتبارها مدخلاً استراتيجياً لمعالجة أزمة الكهرباء وتحفيز الاستثمار في الطاقة المتجددة. وقد استقبل المواطنون والقطاع الخاص هذا القرار بارتياح كبير، وبدأت بالفعل حركة ملحوظة لاستيراد الألواح الشمسية والبطاريات والملحقات المختلفة.

*غير أن ما حدث بعد ذلك أثار كثيراً من علامات الاستفهام، إذ برزت قرارات ورسوم جديدة على استخدام بعض أنظمة الطاقة الشمسية، وهو ما اعتبره كثيرون متعارضاً مع الهدف الذي صدر من أجله قرار الإعفاء. والنتيجة أن المواطن ظل هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن تضارب السياسات، بينما تحتاج البلاد إلى تشجيع استخدام الطاقة الشمسية لا إلى زيادة الأعباء عليها.

*إن نجاح أي سياسة عامة لا يقاس بإصدار القرار وحده، وإنما بمدى انسجام جميع مؤسسات الدولة في تنفيذه.. فإذا كانت الدولة قد قررت تشجيع الطاقة الشمسية، فإن المطلوب أن تتكامل السياسات المالية والاقتصادية والفنية والتنظيمية لتحقيق هذا الهدف، لا أن تتناقض فيما بينها فتفقد القرارات أثرها العملي

ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لعقد جلسة مشتركة تضم مجلس السيادة ومجلس الوزراء والجهات المختصة بالطاقة والمالية والاستثمار والزراعة، لوضع سياسة وطنية موحدة للطاقة الشمسية، تتجاوز الحلول الجزئية إلى رؤية استراتيجية شاملة.

*هذه الرؤية ينبغي أن تشمل مراجعة جميع القوانين واللوائح المنظمة للطاقة المتجددة، وضمان استقرار السياسات الاستثمارية، وتبسيط إجراءات الاستيراد، وتوحيد الرسوم، وتشجيع التصنيع المحلي لمكونات الطاقة الشمسية، وتقديم حوافز للمشروعات الزراعية والصناعية، وتوسيع التمويل المصرفي الميسر للأفراد والشركات الراغبة في الاستثمار في هذا القطاع.

*كما ينبغي إطلاق برنامج قومي للطاقة الشمسية يضع أولوياته في تشغيل مشاريع الري الزراعي، خصوصاً بعد أن تضررت مساحات واسعة بسبب انقطاع الكهرباء، وهو ما انعكس على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والدخل القومي. فكل مشروع زراعي يعود للإنتاج يعني فرص عمل جديدة، وزيادة في الصادرات، وتحسيناً في مستوى معيشة المواطنين

إن العالم كله يتجه اليوم نحو الطاقة النظيفة، ليس فقط لأسباب بيئية، وإنما لأنها أصبحت الخيار الاقتصادي الأكثر جدوى على المدى الطويل. والسودان يمتلك من الشمس ما يكفي ليصبح من أكبر منتجي الطاقة الشمسية في إفريقيا إذا أحسن التخطيط، ووضع السياسات الصحيحة، وتهيأت البيئة القانونية والاستثمارية المناسبة.

*إن المرحلة الراهنة تتطلب قرارات استثنائية بحجم الأزمة، وتحتاج إلى إرادة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لأن استمرار أزمة الكهرباء يعني استمرار تعثر الزراعة والصناعة والخدمات، بينما يمثل التوسع في الطاقة الشمسية بداية حقيقية لاستعادة دورة الإنتاج والتنمية.

*لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض بالشعارات، وإنما بالرؤى الواضحة والسياسات المتسقة والقرارات التي تجد طريقها إلى التنفيذ. والسودان اليوم يملك فرصة تاريخية لتحويل أزمة الكهرباء إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر استدامة وأكثر اعتماداً على موارده الطبيعية.

*فالطاقة الشمسية لم تعد رفاهية، ولم تعد مشروعاً مؤجلاً للمستقبل، بل أصبحت ضرورة تفرضها ظروف الحرب وإعادة الإعمار ومتطلبات التنمية.. وإذا كان الماضي قد كشف حجم الخسائر التي لحقت بقطاع الكهرباء، فإن المستقبل يجب أن يكون عنوانه الاستثمار الجاد في الشمس، فهي الثروة التي لا تنضب، والطاقة التي لا تخضع لحصار، ولا تتوقف عند حدود الحرب.

*ولعل الرسالة الأهم اليوم هي أن  دعوه المجلس السيادي ومجلس الوزراء لعقد جلسه مشتركة لبحث ملف تنفيذ مشروعات الكهرباء في البلاد وتنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية بصورة أكبر واكبر لتعويض الفاقد في الكهرباء العامة بالتركيز على القطاعين الزراعي والصحي ممثلا في المستشفيات والمراكز الصحية والعلاجيه ولإنقاذ السودان من  النفق المظلم وذلك  توحيد القرار، وتنسيق السياسات، والإسراع في تنفيذ برنامج وطني شامل للطاقة الشمسية، لأن ضوء الشمس لم يعد مجرد نعمة طبيعية، بل أصبح مفتاحاً لإنقاذ الاقتصاد، وإحياء الزراعة، وإعادة بناء الوطن.