النسخة التي نجت مني
ماريا آل عبيدان – السعودية:
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.. المدينة خلف النافذة تبدو كأنها أطفأت نصف أنوارها، وتركت النصف الآخر يتلعثم فوق الإسفلت المبلل. جلستُ وحدي في الغرفة، والضوء الأصفر المنبعث من المصباح الصغير يرسم دائرة ضيقة حولي، بينما بقيت بقية الأشياء غارقة في العتمة. على الطاولة أمامي كوب قهوة بارد. لم أشربه. كنت أنظر إليه كما لو أنني أنتظر منه جوابًا.
ثم سمعت صوتًا خافتًا في آخر الغرفة. التفتُّ.. لا أحد. فقط المرآة
اقتربتُ منها ببطء. كان وجهي هناك، لكنه بدا غريبًا قليلًا. تأملتُ عينيّ طويلًا، ثم قلت دون أن أعرف لمن أتحدث: أين ذهبتُ؟ لم يجبني أحد. وضعت يدي على الزجاج، وفجأة لم أرَ وجهي. رأيت امرأةً أخرى.
كانت تجلس على الأرض في غرفة قديمة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتحدق في بابٍ مغلق. عرفتها. كانت أنا.. أنا التي كنت أظن أنني نسيتها. كانت أصغر مني بكثير، رغم أن ملامحها كانت تحمل تعبًا أكبر من عمرها.. نظرت إليّ من خلف الزجاج وقالت: هل عدتِ؟
لم أعرف ماذا أجيب. قلت: «جئتُ لأراكِ. ابتسمت بسخرية صغيرة وقالت: بعد كل هذا الوقت؟ خفضتُ عيني. كان بيننا كل ما لم أقله لنفسي طوال السنوات الماضية. قلت: كنت أظنكِ ضعيفة. ضحكت وقالت: وأنا كنت أظنكِ ستبقين مثلي
ساد الصمت. في الخارج مرّت سيارة، وانعكس ضوؤها للحظة على جدران الغرفة، ثم اختفى. سألتها: لماذا كنتِ تخافين كل هذا؟ قالت: لأنني كنت أظن أن الرحيل يعني أنني لم أكن كافية.
توقفتُ.. كانت الجملة مألوفة إلى حدّ الألم. قالت: كنت أظن أن عليّ أن أكون أكثر لطفًا، أكثر صبرًا، أكثر احتمالًا… كي لا يذهب أحد
اقتربتُ من المرآة وقلت: وماذا حدث؟ رفعت رأسها وقالت: ذهبوا ثم أضافت بهدوء: لكنّكِ ذهبتِ معهم.
لم أعرف لماذا شعرتُ بوخزة في صدري. ربما لأنني أدركت، للمرة الأولى، أنني لم أفقد أشخاصًا فقط. كنت أفقد أجزاء مني كل مرة أحاول فيها الاحتفاظ بأحد. كل تنازل كان يأخذ شيئًا، وكل صمت كان يأخذ شيئًا، وكل مرة قلت فيها: «لا بأس» بينما كان في داخلي شيء يصرخ، كانت نسخة مني تختفي قليلًا
حتى جاء ذلك اليوم. اليوم الذي لم أعد فيه أملك شيئًا لأخسره.
تذكرتُه. كنت واقفة أمام بابٍ مغلق، يدي على المقبض، ووراء الباب حياة كاملة لم تعد تشبهني. وللمرة الأولى… لم أطرق.
استدرتُ ومشيت
لم يكن في المشهد موسيقى، ولا بكاء، ولا وداع كبير. فقط صوت خطواتي في الممر الطويل. خطوة، ثم أخرى. وفي نهاية الممر كانت هناك نافذة مفتوحة، دخل منها هواء بارد. وقفت أمامها، تنفست، وشعرت بشيء غريب يحدث داخلي، كأنني كنت أخرج من غرفة ضيقة منذ سنوات، ولم أنتبه أنها كانت سجني.
عدتُ إلى المرآة.. كانت المرأة القديمة لا تزال هناك
قلت لها: أنا آسفة
سألت: على ماذا؟
قلت: لأنني تركتكِ وحدكِ كل هذا الوقت.
هزّت رأسها وقالت: لم تتركيني.. ثم ابتسمت وأضافت: أنا التي تركتكِ… كي تنجي
ارتبكت.. وقبل أن أسألها، بدأت صورتها تتلاشى. مددت يدي نحوها وقلت: انتظري
قالت: لا تنظري إلى الخلف كثيرًا
سألت: لماذا؟
قالت: لأنكِ ستظنين أنكِ خسرتِ كل شيء.. ثم صمتت لحظة وقالت: بينما الحقيقة أنكِ خسرتِ فقط الأشياء التي لم يكن ينبغي أن تبقى
اختفت
وبقي وجهي. وجهي وحده
لكن شيئًا فيه كان مختلفًا
أطفأتُ المصباح وذهبت إلى النافذة. كانت المدينة لا تزال هناك؛ بنفس شوارعها، بنفس أضوائها المتعبة، بنفس الليل الطويل. لكنني لم أعد المرأة التي كانت تنظر إليها من خلف الزجاج.
وضعت يدي على حافة النافذة. كان الهواء باردًا.. ابتسمت.
لأول مرة، لم أشعر أنني أنتظر أحدًا. لا عودة، ولا اعتذارًا، ولا تفسيرًا متأخرًا. فقط كنت أقف هناك… أنا
النسخة التي بقيت
النسخة التي لم تكن الأقوى، ولا الأكثر قسوة، بل الوحيدة التي، بعد أن خسرت الجميع تقريبًا، عرفت أخيرًا كيف لا تخسر نفسها.