
الذهب … معركة السيادة التي لا تقل خطورة عن الحرب
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*تكشف التجارب التاريخية للدول أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يقود بالضرورة إلى بناء القوة الاقتصادية أو تحقيق الاستقرار الوطني، إذ ظل التاريخ الحديث حافلاً بنماذج لدول امتلكت ثروات هائلة لكنها عجزت عن تحويلها إلى أدوات تنمية واستقرار ونفوذ بسبب ضعف مؤسساتها، أو اختلال سياساتها، أو فشلها في فرض سيادتها الكاملة على إدارة مواردها الاستراتيجية. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ملف الذهب في السودان بوصفه واحداً من أكثر الملفات التي تكشف حجم الخلل البنيوي الذي أصاب الدولة السودانية خلال العقود الأخيرة، باعتبار الذهب أحد الموارد السيادية التي يفترض أن تشكل ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الاقتصادي والقدرة الوطنية على إدارة الدولة بكفاءة واستقلال.
*فالسودان يُصنف ضمن كبار منتجي الذهب في القارة الإفريقية، وتُشير تقديرات عديدة إلى إنتاج سنوي يضعه في مرتبة متقدمة بين الدول المنتجة، وهي ثروة كان يفترض وفق المنطق الاقتصادي الطبيعي أن تنعكس بصورة مباشرة على احتياطات النقد الأجنبي، واستقرار سعر العملة الوطنية، وتمويل الواردات الاستراتيجية، ودعم الموازنة العامة، وتوفير موارد تساعد الدولة على بناء البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة وتخفيف الضغوط الاقتصادية المتراكمة على حياة المواطنين. غير أن الواقع الذي تشكل خلال السنوات الماضية كشف صورة مختلفة تماماً، إذ لم يتحول الذهب إلى مصدر قوة اقتصادية كما كان متوقعاً، بل أصبح تدريجياً جزءاً من منظومة نزيف معقدة تتداخل فيها عمليات التهريب الواسعة، وضعف الرقابة الحكومية، وشبكات المصالح الداخلية، وتقاطعات النفوذ الإقليمي والدولي، حتى فقدت الدولة بدرجات متفاوتة قدرتها الفعلية على التحكم الكامل في واحد من أهم مواردها السيادية.
*غير أن قراءة أزمة الذهب في السودان لم تعد اليوم مسألة مرتبطة فقط بحجم الإنتاج أو نسب التهريب أو مقدار الإيرادات التي تخسرها الدولة سنوياً، لأن الذهب لم يعد مجرد سلعة تصديرية ضمن قائمة الصادرات التقليدية، بل أصبح عملياً أحد العناصر المركزية في المعادلة الاقتصادية اليومية للدولة نفسها. فالدول التي تعاني اختلالاً في موارد النقد الأجنبي تصبح قدرتها على استيراد السلع الاستراتيجية المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين ـ وعلى رأسها الوقود والدواء والقمح ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي خاصة الأسمدةـ مرتبطة بصورة مباشرة بمدى قدرتها على إدارة مواردها السيادية القابلة للتحول إلى عملات صعبة، وهو ما يجعل الذهب في الحالة السودانية جزءاً أصيلاً من معركة الاستقرار الاقتصادي الداخلي، ولم يعد مجرد مورد تجاري منفصل كما كانت تنظر إليه المقاربات التقليدية السابقة.
*وتكشف التطورات الاقتصادية الأخيرة في السودان أن الذهب أصبح أحد أهم الأدوات التي تحاول الدولة من خلالها معالجة أزمة النقد الأجنبي وتمويل احتياجات البلاد من الواردات الأساسية، غير أن المشكلة الجوهرية لا تبدو مرتبطة بنقص الموارد وحده بقدر ما ترتبط بطريقة إدارة هذه الموارد نفسها.. فالسياسات الاقتصادية المتغيرة، وتعدد مراكز اتخاذ القرار، وغياب التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية بإدارة ملفات الذهب والسياسة النقدية والطاقة والاستيراد، كلها عوامل تخلق حالة مستمرة من الارتباك داخل السوق، وتضعف الثقة في قدرة المؤسسات الاقتصادية على إنتاج سياسات مستقرة، وهو ما يدفع السوق تدريجياً إلى البحث عن آلياته الخاصة خارج سلطة الدولة، فتتوسع المضاربات، وتنشط الأسواق الموازية، وتزداد معدلات التهريب كلما تراجعت قدرة الدولة على إنتاج قرار اقتصادي واضح ومتسق ومستقر.
*وهنا تكمن واحدة من أكثر الإشكالات تعقيداً في الحالة السودانية، فالتحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بامتلاك الموارد، وإنما بقدرة الدولة على إدارة هذه الموارد ضمن منظومة مؤسسية متماسكة.. فالتجارب الاقتصادية المعاصرة تؤكد أن الأسواق لا تستجيب فقط لحجم الموارد المتاحة، وإنما تتفاعل بدرجة أكبر مع وضوح السياسات واستقرارها وقدرة المؤسسات على تنفيذها بصورة منسجمة. وعندما تصبح المؤسسات نفسها عاجزة عن إنتاج سياسة اقتصادية مستقرة، يبدأ السوق تدريجياً في إنتاج قواعده الخاصة خارج الإطار الرسمي، وتتحول بعض القرارات ـ رغم حسن النوايا ـ إلى عوامل إضافية تعمق الأزمة بدلاً من معالجتها، لأن الاقتصاد بطبيعته يعاقب حالة عدم اليقين أكثر مما يعاقب نقص الموارد ذاته.
*ومن هذه الزاوية لا يعود تهريب الذهب مجرد مخالفة اقتصادية تقليدية أو جريمة مرتبطة بفقدان بعض الإيرادات الحكومية، وإنما يتحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي نفسه، لأن الدولة التي تفقد السيطرة على مواردها الاستراتيجية تفقد تدريجياً قدرتها على تمويل احتياجاتها الأساسية، وحماية سعر صرف عملتها الوطنية، وضبط الأسواق الداخلية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، وهو ما ينعكس بدوره على الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة بأكملها. وتزداد خطورة هذه المسألة عندما ندرك أن الذهب خلال سنوات الحرب أصبح جزءاً من اقتصاد الصراع ذاته، حيث تعتمد شبكات عديدة داخلية وخارجية على الموارد الطبيعية في تمويل أنشطتها بعيداً عن سلطة الدولة الوطنية، الأمر الذي يجعل ملف الذهب مرتبطاً اليوم مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية بنفس الدرجة التي يرتبط بها بالاقتصاد.
لكن إدراك خطورة الأزمة لا يعني أن المعالجة تكمن في إيقاف التعدين بصورة شاملة أو اللجوء إلى سياسات احتكارية متعجلة، لأن التعدين الأهلي وحده يمثل مصدر دخل مباشر وغير مباشر لمئات الآلاف من السودانيين، كما أن القرارات غير المدروسة قد تدفع النشاط التعديني نفسه إلى مزيد من العمل غير الرسمي وتوسع دوائر التهريب بعيداً عن رقابة الدولة. ولذلك فإن جوهر المعالجة الحقيقية ينبغي أن ينصرف إلى استعادة الدولة سيطرتها الكاملة على دورة الذهب باعتباره ملفاً سيادياً يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي الوطني، وذلك عبر تأمين مناطق الإنتاج، وبناء منظومة رقابية دقيقة لحركة الذهب منذ لحظة استخراجه وحتى التصدير، وإنشاء آليات شراء وطنية قادرة على المنافسة بأسعار السوق الحقيقية بما يقلل دوافع التهريب، إلى جانب مراجعة السياسات النقدية المرتبطة بشراء الذهب، وتوحيد مركز القرار الاقتصادي، وإنهاء حالة التضارب بين المؤسسات المختلفة، لأن استقرار الأسواق لا يتحقق فقط بامتلاك الموارد، وإنما بوجود سياسات مستقرة يمكن للمجتمع الاقتصادي الوثوق بها
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه السودان اليوم لا يتعلق بحجم ما ننتجه من الذهب سنوياً بقدر ما يتعلق بسؤال أكثر عمقاً يتصل بطبيعة الدولة نفسها.
*كيف يمكن لدولة تملك واحدة من أكبر الثروات المعدنية في القارة الإفريقية أن تواجه في الوقت نفسه أزمات مزمنة في النقد الأجنبي، واستيراد الوقود، وتمويل الدواء، واستقرار سعر الصرف، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين؟.
*وتكشف هذه المعادلة بوضوح أن أزمة الذهب في السودان لم تكن في يوم من الأيام أزمة إنتاج بالمعنى الاقتصادي المباشر، وإنما ظلت في جوهرها أزمة سيادة وإدارة دولة، لأن المشكلة الحقيقية لا ترتبط بندرة الموارد، وإنما بعجز الدولة عن بناء منظومة وطنية قادرة على حماية هذه الثروات من التهريب، ومن اقتصاد الحرب، ومن اضطراب القرار الاقتصادي الذي يسمح بتسربها بعيداً عن أهداف التنمية والاستقرار.
*وتؤكد التجارب الحديثة حقيقة أن تآكل الدولة يبدأ في كثير من الأحيان من داخل بنيتها الاقتصادية نفسها، حين تعجز عن فرض سيادتها الكاملة على مواردها الاستراتيجية وتفقد القدرة على توجيه ثرواتها الوطنية لخدمة الاستقرار والتنمية، فتتحول هذه الموارد تدريجياً إلى عناصر إضافية تعمق هشاشتها وتضعف قدرتها على البقاء.. ومن هنا تصبح استعادة السيطرة الكاملة على الذهب السوداني جزءاً أصيلاً من معركة استعادة الدولة ذاتها، لأن بقاء الدول لا تحكمه فقط موازين القوة العسكرية، وإنما تحدده أيضاً قدرتها على حماية مواردها الاستراتيجية وتوجيهها لخدمة مشروعها الوطني.