كيف تحولت المنطقة العربية وإفريقيا إلى مسرح لصراعات النفوذ؟
- حزام النار من المتوسط إلى المحيط الهندي
- 16 صراعًا مسلحًا.. ثروات استراتيجية..ممرات بحرية.. وحروب بالوكالة تعيد رسم خريطة المنطقة
عمرو خان:

*تمثل المنطقة الممتدة من شمال إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، مرورًا بالقرن الإفريقي وشرق القارة الإفريقية، وصولًا إلى سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، واحدة من أكثر المناطق حساسية في النظام الدولي المعاصر.
فهي تجمع بين:
– أكبر الممرات البحرية والتجارية العالمية.
-احتياطات ضخمة من الطاقة والمعادن.
-مصادر مائية استراتيجية مثل نهر النيل.
-موقع جغرافي يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا.
*إلا أن هذه الأهمية الجيوسياسية جعلتها أيضًا ساحة لتراكم أزمات سياسية وأمنية واقتصادية وتنموية، وتنافس بين قوى إقليمية ودولية على النفوذ والثروات والموانئ والممرات البحرية.
*ويعيش ملايين السكان في هذه المنطقة تحت تأثير صراعات مسلحة متشابكة، دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى النزوح والهجرة واللجوء، نتيجة حروب داخلية، أو تدخلات خارجية، أو صراعات ذات طابع غير مباشر تعرف بـ(الحروب بالوكالة)، حيث تتحول الجماعات المسلحة والميليشيات إلى أدوات في صراعات أكبر تتجاوز حدود الدول.
*خريطة الصراعات الرئيسية في المنطقة:
أولًا: شمال إفريقيا:
1- ليبيا: تُظهر طبيعة الصراع الليبي أنه صراع سياسي ـ عسكري يدور حول شكل الدولة والسيطرة على مؤسساتها، وتتمثل الأطراف الرئيسية فيه في حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والسلطات في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، إلى جانب عدد من التشكيلات المسلحة المحلية.
*وانطلقت الشرارة الأولى للصراع الليبي عقب التظاهرات التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس وعدد من المدن والمحافظات عام 2011، بعد سقوط نظام معمر القذافي، حيث خلفت تلك الأحداث حالة من الفراغ السياسي والأمني، تفاقمت بشكل أكبر بحلول عام 2014، مع بداية الانقسام المؤسسي واندلاع مراحل من الصراع المسلح والحرب الأهلية.
*وتتمثل أبرز أسباب الصراع الليبي في انهيار مؤسسات الدولة، والتنافس على الموارد النفطية والموانئ، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية التي أسهمت في تعقيد المشهد السياسي والأمني.
*أما الوضع في عام 2026، فيمكن وصفه بأنه لم يعد يشهد حرباً شاملة كما حدث خلال السنوات السابقة، إلا أن الانقسام السياسي ما زال قائماً، في ظل استمرار التعثر في مسار إجراء الانتخابات، وصعوبة الوصول إلى توافق بشأن توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية في البلاد.
*ثانيًا: وادي النيل والقرن الإفريقي
2- السودان:
طبيعة الصراع السوداني: تُعد الحرب السودانية صراعاً داخلياً مسلحاً ذا امتدادات إقليمية ودولية، اندلع بين طرفين رئيسيين هما القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وسط خلافات عميقة حول مستقبل الدولة السودانية، وشكل النظام السياسي، وترتيبات المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام عمر البشير.
*بدأت الحرب في 15 أبريل 2023، عقب تصاعد التوترات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، خاصة حول قضية دمج قوات الدعم السريع داخل المؤسسة العسكرية، والجدول الزمني المقترح لعملية الدمج، إضافة إلى الخلافات المتعلقة بترتيبات الانتقال السياسي وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
*وترتبط جذور الصراع بتعقيدات المرحلة التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير عام 2019، حيث برزت خلافات حول توزيع النفوذ بين المكونات العسكرية والسياسية، وطبيعة الدور الذي ستضطلع به القوات المسلحة والقوى العسكرية الأخرى خلال المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى اندلاع المواجهات المسلحة التي تحولت إلى حرب واسعة النطاق.
وتتركز أبرز مناطق القتال في العاصمة الخرطوم، التي شهدت مواجهات عنيفة أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية ونزوح أعداد كبيرة من السكان، إضافة إلى إقليم دارفور الذي شهد تصعيداً أمنياً كبيراً، فضلاً عن مناطق كردفان وولاية الجزيرة وعدد من المناطق الحدودية ذات الأهمية الاستراتيجية.
*ولم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري فقط، بل امتدت لتشمل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، حيث أدت المواجهات إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وتعطّل الخدمات الأساسية، وتفاقم أزمة الغذاء والصحة، إلى جانب موجات واسعة من النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار.
*أما الوضع في عام 2026، فما زالت الأزمة السودانية مستمرة في ظل غياب تسوية سياسية شاملة، مع استمرار المعارك في عدد من الجبهات، وتواصل الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى الوصول إلى حل سياسي ووقف إطلاق النار.
*ويواجه السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع وجود ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وتزايد الاحتياجات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية. وفي الوقت نفسه، تستمر المساعي الدبلوماسية من أطراف إقليمية ودولية مختلفة بهدف إنهاء الحرب وتهيئة الظروف لمرحلة سياسية جديدة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
3- إثيوبيا:
*حرب تيجراي: صراع داخلي في إثيوبيا بين المركز والإقليم
تُعد حرب تيجراي واحدة من أبرز النزاعات الداخلية التي شهدتها إثيوبيا خلال العقد الأخير، حيث اتخذت شكل صراع مسلح بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، في إطار خلافات سياسية عميقة حول طبيعة إدارة الدولة الفيدرالية وحدود العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم.
*اندلعت الحرب في نوفمبر 2020، عقب تصاعد التوتر بين الحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيجراي، التي كانت تسيطر على الإقليم وتمثل أحد أبرز القوى السياسية والعسكرية في البلاد. وبدأت المواجهات بعد أزمة سياسية متفاقمة بين الطرفين، تحولت سريعاً إلى حرب واسعة خلفت خسائر بشرية كبيرة وأزمة إنسانية حادة.
*وترتبط جذور الصراع بالخلاف حول شكل النظام الفيدرالي الإثيوبي، وطبيعة توزيع السلطات بين الحكومة المركزية والأقاليم، إضافة إلى التوترات السياسية التي نشأت بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وما تبع ذلك من تغييرات في المشهد السياسي، اعتبرتها جبهة تحرير شعب تيجراي تهديداً لنفوذها ودورها داخل الدولة.
*كما ساهمت الخلافات حول إدارة إقليم تيجراي، وإجراء الانتخابات الإقليمية رغم قرار الحكومة الفيدرالية تأجيل الانتخابات العامة بسبب جائحة كورونا، في زيادة حدة التوتر وصولاً إلى المواجهة العسكرية.
*وشهدت الحرب تدخلات إقليمية وتعقيدات أمنية، كما أدت إلى أزمة إنسانية واسعة نتيجة النزوح الكبير، وتضرر البنية التحتية، وصعوبة وصول المساعدات إلى المناطق المتأثرة بالقتال.
*وفي نوفمبر 2022، تم التوصل إلى اتفاق بريتوريا للسلام بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وهو الاتفاق الذي أنهى العمليات العسكرية الكبرى وفتح الباب أمام مسار سياسي لاستعادة الاستقرار وإعادة دمج الإقليم ضمن مؤسسات الدولة.
*ورغم انتهاء الحرب الشاملة، لا تزال إثيوبيا تواجه تحديات أمنية وسياسية، حيث تستمر التوترات في مناطق أخرى، خاصة إقليمي أمهرة وأوروميا، وسط خلافات مرتبطة بالهوية السياسية، وتقاسم السلطة، وقضايا الأمن الداخلي.
*أما الوضع في عام 2026، فيمكن وصفه بأنه مرحلة ما بعد الحرب في تيجراي، مع استمرار جهود تثبيت السلام وإعادة الإعمار، في وقت تسعى فيه الحكومة الإثيوبية إلى معالجة تداعيات الصراع والحفاظ على وحدة الدولة وسط تحديات داخلية معقدة.
4- الصومال:
*الصراع في الصومال: مواجهة ممتدة مع الإرهاب المسلح وتحديات بناء الدولة يمثل الصراع الصومالي أحد أطول النزاعات في إفريقيا، إذ يدور أساساً بين الحكومة الصومالية وحركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، بمشاركة قوات إفريقية ودولية. وتعود جذور الأزمة إلى انهيار الدولة المركزية عام 1991، وما أعقبه من فراغ سياسي وأمني وانتشار الفصائل المسلحة. ومنذ تصاعد نفوذ حركة الشباب عام 2006، تحولت البلاد إلى ساحة لعمليات مسلحة وهجمات إرهابية استهدفت مؤسسات الدولة والمدنيين والمنشآت العسكرية. وتغذي الأزمة عوامل عدة، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة، والفقر، والبطالة، وغياب التنمية، إلى جانب الفراغ الأمني.. كما يضيف الموقع الاستراتيجي للصومال على المحيط الهندي وقربه من خليج عدن بُعداً إقليمياً ودولياً للصراع. وفي 2026، تستمر المواجهات رغم التقدم العسكري في بعض المناطق، بينما تبقى الحركة تهديداً رئيسياً، ويرتبط الاستقرار بقدرة الدولة على تعزيز مؤسساتها وتحقيق التنمية ودعم الجهود الدولية.
*ثالثًا: الجزيرة العربية والبحر الأحمر
5- اليمن:
يُعد الصراع اليمني من أكثر النزاعات تعقيداً في الشرق الأوسط، إذ يجمع بين صراع داخلي على السلطة وضعف مؤسسات الدولة، وتنافس إقليمي انعكس على مسار الحرب. بدأت المرحلة الحالية عام 2014 مع سيطرة الحوثيين على صنعاء، قبل أن يتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية عسكرياً عام 2015 دعماً للحكومة اليمنية. وتتمثل أبرز أسباب الصراع في التنافس على السلطة، وتراجع قدرة الدولة على فرض نفوذها، إلى جانب التنافس السعودي الإيراني. وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية واسعة، شملت سقوط ضحايا ونزوح ملايين اليمنيين وتدهور الخدمات والاقتصاد والبنية التحتية. ورغم جهود الوساطة والهدن، لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة. وفي 2026، لا تزال اليمن تواجه عدم استقرار سياسي وأمني، فيما تستمر التوترات في البحر الأحمر، بما يؤثر في أمن الملاحة والتجارة الدولية. ويبقى تحقيق السلام وإعادة الإعمار مرتبطاً بتسوية سياسية شاملة.
6- البحر الأحمر:
*يمثل البحر الأحمر أحد أهم ممرات الملاحة العالمية، وتدور التوترات فيه حول أمن التجارة والطاقة والسيطرة على المواقع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب وخليج عدن والسواحل المطلة على البحر الأحمر، ومنها الساحل السوداني. وتتداخل في المشهد جماعة الحوثيين، والتحالفات البحرية الدولية، ودول المنطقة، في ظل ارتباط البحر الأحمر بالصراعات الإقليمية، خاصة الحرب اليمنية. وتكمن أهمية المنطقة في مرور حركة واسعة من السفن التجارية وناقلات الطاقة بين آسيا وأوروبا. وفي عام 2026، لا تزال التوترات البحرية تهدد حركة الملاحة، وقد تؤدي إلى تغيير مسارات السفن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأخير وصول البضائع. لذلك تحول أمن البحر الأحمر إلى قضية دولية تتجاوز حدود المنطقة، وترتبط مباشرة بالتجارة العالمية وأمن الطاقة والاستقرار الجيوسياسي.
*رابعًا: المشرق العربي:
7- سوريا:
يُعد الصراع السوري من أكثر النزاعات تعقيداً في الشرق الأوسط، إذ بدأ عام 2011 باحتجاجات سياسية تحولت إلى حرب متعددة الأطراف، شاركت فيها الحكومة السورية، وفصائل المعارضة، وقوات سوريا الديمقراطية، وتنظيمات متطرفة، إلى جانب قوى إقليمية ودولية.
*وتداخلت في الصراع عوامل سياسية وأمنية واجتماعية، أبرزها ضعف التوافق السياسي وتعدد القوى العسكرية، فضلاً عن التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ، ما أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية.
*وخلف النزاع خسائر بشرية وإنسانية هائلة، شملت نزوح ملايين السوريين وتدمير البنية التحتية وتدهور الاقتصاد والخدمات الأساسية.. وفي عام 2026، تراجعت العمليات العسكرية الكبرى مقارنة بالسنوات السابقة، لكن الانقسام السياسي والعسكري لا يزال قائماً، مع استمرار تعدد مناطق النفوذ. وتبقى قضايا اللاجئين والنازحين وإعادة الإعمار والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة أبرز تحديات المرحلة المقبلة.
8- القضية الفلسطينية ـ والكيان الصهيوني:
نزاع ممتد حول الأرض والهوية ومستقبل الدولة: يُعد الصراع الفلسطيني ـ ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي واحداً من أطول وأكثر الصراعات تعقيداً في الشرق الأوسط، إذ يرتبط بشكل أساسي بقضايا الأرض والهوية والسيادة والحدود، إلى جانب قضايا القدس واللاجئين وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم.
*وتعود المرحلة التاريخية الأبرز في الصراع إلى عام 1948، مع محاولة قيام دولة صهيونية وما أعقب ذلك من حرب وتهجير واسع للفلسطينيين، في سياق أدى إلى نشوء واحدة من أكثر الأزمات السياسية والإنسانية استمراراً في المنطقة. ومنذ ذلك الوقت، توالت الحروب والمواجهات والانتفاضات، بينما ظل النزاع حول الأرض والحقوق السياسية والأمنية دون تسوية نهائية.
*وتتمثل الأطراف الرئيسية في الصراع في إسرائيل، والفصائل الفلسطينية المسلحة، والسلطة الفلسطينية، إلى جانب أطراف إقليمية ودولية لعبت أدواراً مختلفة في مسار الصراع ومحاولات التفاوض والوساطة.
*وتتركز أبرز أسباب النزاع حول استمرار الاحتلال والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، ووضع مدينة القدس، والخلافات المتعلقة بالحدود، فضلاً عن مستقبل الدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية. كما تمثل قضايا المستوطنات واللاجئين والأمن من الملفات الرئيسية التي تعرقل الوصول إلى اتفاق شامل.
وشهد الصراع تصعيداً واسعاً في 7 أكتوبر 2023، عندما اندلعت مواجهة كبيرة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، أعقبها هجوم إسرائيلي واسع على قطاع غزة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح واسع للسكان، ودمار كبير في البنية التحتية والمنشآت المدنية.
*كما امتدت تداعيات الحرب إلى مناطق أخرى، وأثرت على المشهد الإقليمي والدولي، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بأمن المنطقة، وطرق الملاحة، وتزايد الضغوط الدولية المطالبة بوقف القتال وحماية المدنيين.
*أما الوضع في عام 2026، فما زالت تداعيات حرب غزة تلقي بظلالها على المشهد الفلسطيني، مع استمرار الأزمة الإنسانية وتفاقم الاحتياجات المتعلقة بالغذاء والصحة والإيواء وإعادة الإعمار.
*وفي الوقت نفسه، لا تزال التسوية السياسية النهائية غائبة، وسط جهود وساطة تمكنت من وقف إطلاق النار، مع استمرار الخلافات حول قضايا الحدود والقدس والأمن ومستقبل الدولة الفلسطينية.
*ولذلك يظل الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، بينما يرتبط تحقيق الاستقرار الدائم بقدرة الأطراف على التوصل إلى حل سياسي يعالج جذور النزاع ويضمن الحقوق الأساسية لجميع الأطراف.
*خامسًا: الساحل الإفريقي:
9- مالي والنيجر وبوركينا فاسو:
تمدد الجماعات المسلحة وتغير التحالفات في الساحل الأفريقي
يمثل الصراع في مالي والنيجر وبوركينا فاسو أحد أبرز التحديات الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تتوسع الجماعات المسلحة في ظل ضعف قدرة الدولة على السيطرة على المناطق الحدودية والريفية.
*وتضم أطراف الصراع حكومات عسكرية في الدول الثلاث، إلى جانب جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، تستفيد من الحدود المفتوحة، وانتشار السلاح، وهشاشة الرقابة الأمنية. وبدأت المرحلة الأبرز من الأزمة عام 2012 في مالي، قبل أن يمتد نشاط الجماعات المسلحة إلى مناطق واسعة من الساحل.
*وتغذي الصراع عوامل عدة، أبرزها الفقر والبطالة والتهميش وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب التوترات المحلية والعرقية والاجتماعية. كما أدى النشاط العابر للحدود إلى تعقيد جهود المواجهة الأمنية.
*وفي عام 2026، لا تزال الجماعات المسلحة تمثل تهديداً رئيسياً، بينما تعيد دول الساحل تشكيل تحالفاتها الدولية بحثاً عن دعم أمني وعسكري جديد. ويبقى تحقيق الاستقرار مرتبطاً بالجمع بين الحلول الأمنية ومعالجة جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا تكفي المواجهة العسكرية وحدها لإنهاء صراع عابر للحدود.
*الخلاصة الجيوسياسية: أزمات مترابطة في فضاء إقليمي واحد
تكشف قراءة المشهد الإقليمي الممتد من الساحل الأفريقي إلى البحر الأحمر والخليج العربي والبحر المتوسط أن الأزمات القائمة لا تمثل صراعات منفصلة، رغم اختلاف أطرافها وأسبابها ومساراتها. فهذه المنطقة تشكل فضاءً جيوسياسياً متصلاً، تتداخل فيه الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتنتقل تأثيراتها من دولة إلى أخرى عبر الحدود والممرات البحرية وشبكات المصالح الإقليمية والدولية ويظهر هذا الترابط في أن الصراع في منطقة الساحل الأفريقي، على سبيل المثال، لا ينفصل عن قضايا الإرهاب وانتشار السلاح وضعف الدولة، بينما تتقاطع أزمات البحر الأحمر وخليج عدن مع الصراعات في اليمن والقرن الأفريقي، في الوقت الذي ترتبط فيه أزمات شمال أفريقيا والبحر المتوسط بملفات الهجرة والطاقة والتنافس على النفوذ.
*وتتكرر في معظم هذه الأزمات خمسة عوامل رئيسية تشكل الإطار العام للمشهد الجيوسياسي:
– أولاً: صراع النفوذ الدولي، حيث تتنافس قوى دولية وإقليمية على توسيع حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي، مستفيدة من الأزمات الداخلية لإعادة بناء تحالفاتها وترسيخ مواقعها الاستراتيجية.
– ثانياً: ضعف مؤسسات الدولة، وهو عامل مشترك في عدد من مناطق الصراع، إذ يؤدي تراجع قدرة الدولة على فرض الأمن وتقديم الخدمات وإدارة الموارد إلى اتساع نفوذ الجماعات المسلحة والقوى غير الرسمية.
– ثالثاً: الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز والذهب والمعادن، التي تجعل مناطق النزاع محط اهتمام دولي وإقليمي، وتحوّل الموارد أحياناً إلى مصدر للصراع بدلاً من أن تكون أداة للتنمية والاستقرار.
– رابعاً: الممرات البحرية، مثل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، التي تمنح المنطقة أهمية تتجاوز حدود دولها، بسبب ارتباطها بالتجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
– خامساً: الحروب بالوكالة، حيث تتحول الصراعات المحلية إلى ساحات تنافس بين قوى خارجية تدعم أطرافاً مختلفة سياسياً أو عسكرياً، ما يطيل أمد النزاعات ويعقد فرص الوصول إلى تسويات مستقرة.
*وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد. فالأمن في الساحل يرتبط بأمن شمال أفريقيا، وأمن البحر الأحمر يرتبط باستقرار القرن الأفريقي واليمن، بينما تؤثر صراعات الشرق الأوسط في حركة التجارة والطاقة والأمن الدولي.
*ومن هنا، فإن الخلاصة الجيوسياسية الأهم تتمثل في أن المنطقة تواجه أزمة إقليمية مركبة ومترابطة، تتداخل فيها الجغرافيا مع الموارد والنفوذ والممرات الاستراتيجية. ولذلك فإن تحقيق الاستقرار لا يتطلب فقط تسويات داخلية لكل صراع، بل يحتاج أيضاً إلى مقاربة إقليمية أوسع تعالج جذور الأزمات وتحد من التدخلات الخارجية وتدعم بناء مؤسسات الدولة.