آخر الأخبار

  ليمون بارا.. وتحرير بارا

قبل المغيب

عبدالملك النعيم أحمد

 

*حفلت أشعار الأغنيات السودانية بالتركيز على مدح وتمجيد مدن السودان وريفه وحضره بذكر المميزات الإقتصادية والإجتماعية فضلا عن وصف جمال الطبيعة والمنتجات والثروات في باطن الأرض مما يعد توثيقاً شاملاً لما تذخر به مناطق السودان المختلفة كما لم تغفل الأشعار السودانية عن ضروب الحماسة والمدح  لخصال ولطباع أهل السودان والتي نأمل ألا تكون قد ضاعت أوتلاشت أو ضعفت بسبب هذه الحرب اللعينة التي كشفت عن المزيد من الثغرات في التعريف الذي كان سائداً ومعروفاً عن أهل السودان وبالطبع لا يمكن التعميم في مثل هذه الأحكام إلا أن ما ظهر خلال هذه الحرب من ممارسات قد أحدث إختلالاً بيناً في سلوك بعض اهل السودان.

*تغني الفنان خليل اسماعيل لجبل مرة (ولوزرت مرة جبل مرة) وتغني زيدان إبراهيم للقاش (فراش القاش) وتغني كابلي لمروي وعبدالقادر سالم للأبيض ولبارا (ليمون بارا) وعبدالرحمن عبدالله لكردفان وجمالها (شقيش قول لي يا مروح) وزكي عبدالكريم من (قلب الجزيرة ومن أرض المحنة) وتغني سيد خليفة بكلمات الشاعر المصري إبراهيم رجب (للخرطوم العندي جمالك..جنة رضوان )..والقائمة تطول.

*مناسبة حديث اليوم هو انتصار القوات المسلحة والمشتركة والمستنفرين وجهاز المخابرات العامة في محور شمال كردفان بالدخول لعدد من المدن الهامة وتحريرها من قبضة التمرد بدءاً بمدينة بارا الاستراتيجية،أم سيالة، ام قرفة، وجبرة الشيخ بالإضافة لمناطق أخرى محيطة ببارا مثل جريجخ، جبل المقنص، ام بركات، المليسة وأم حجاب فمهما صغر حجم تلك المناطق الا أنها ستحدث أثرا كبيرا في تمدد القوات المسلحة في الولاية وتفتح الطريق واسعاً أمام تحرير مدينة النهود وبعض المناطق التي مازالت في قبضة التمرد.

*فهناك أهمية استراتيجية عسكرية وأمنية وإقتصادية وسياسية لتحرير مدينة بارا لما تتميز به من موقع جغرافي هام يفتح على الوسط وأم درمان من جانب ثم إلى إقليم دارفور غرباً وجنوباً لربط شمال كردفان بجنوبها وانسياب الحركة عبر طريق بارا الأبيض ثم تحرير طريق الصادرات الأبيض ام درمان.

*فتحرير بارا وما جاورها من مناطق قد قطع الطريق على أي تمويل للتمرد يمكن أن يأت من الغرب الأقصي لذلك يظل الحفاظ على هذا الانتصار مرحلة ربما أهم من التحرير نفسه لأن تجارب الكر والفر التي تعود عليها التمرد قد أصبحت جزءاً من استراتيجيته العسكرية ليس بغرض السيطرة الدائمة على الموقع الذي احتله لأنه يعلم ان ذلك غير ممكن فهدفه الأول هو تشتيت جهود القوات المسلحة وتوزيع قواتها على عدد من الجبهات وجعلها دوما في حالة دخول وخروج من مدن وقري ولايات الغرب عامة.

*إن انتصارات الجيش بكل مكوناته العسكرية لم تكن وليد الصدفة بقدر ما إنها تخطيط محكم لسياسة (الحفر بالإبرة) والتي تحدثنا عنها كثيراً لما صاحبها من بطء في تحرير اقليم دارفور وبعض أجزاء كردفان ولكن بالقطع ان سياسة الجيش وخططه العسكرية هو أدرى بها من غيره كما أن هذا الانتصار في محور شمال كردفان قد جاء استناداً على تعهدات الفريق أول ركن ياسر العطا رئيس هيئة الأركان منذ تعيينه في المنصب وكرره أخيراً لدى لقائه بقادة وضباط وضباط صف وجنود سلاح المدرعات وحديث الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان الجمعة الماضية أمام المصلين بمسجد شمبات والذي أكد فيه بأن المعركة مستمرة والكلمة الفصل عند المقاتلين في الميدان وتحرير كل شبر من أرض الوطن هو السقف الأدني لهذه الحرب المفروضة على الشعب وأن دماء الشهداء لن تروح هدراً..كما أكد أن إنهاء التمرد واخراجه من كل منطقة  يعتبر هدفاُ استراتيجياً اما الحديث عن هدنة مسعد بولس وشروطه فإن خالفت مايريده شعب السودان فلا تعد ان تكون حديثاً سياسياً لكسب الوقت تدرك القوات المسلحة أبعاده ومراميه وتعرف جيداً كيف تتعامل معه.

*إن تحرير بارا وعدد من مدن شمال كردفان تزامن مع انتصارات كثيرة حققها الجيش على ارض المعركة في نيالا ومحلية كتم وجنوب كردفان وانقسامات داخل التمرد بطرد عدد من قياداته الميدانية وخروج بعض قياداته وآخرهم إستسلام (280) من مقاتليه باكثر من عشرين عربة مسلحة للقوات المسلحة في ام درمان…فكل ذلك يدل على إنهيار التمرد ورؤية داعميه لمسيرته الفاشلة سواء أكان ذلك من دولة الامارات أو اثيوبيا وتشاد او دولة جنوب السودان ويوغندا وكينيا والتي بدأت جميعها في مراجعة حساباتها في دعم التمرد على حساب أمنها القومي قبل أن يكون دعماً ومساندة للسودان…فهل بتحرير بارا يمكن أن نقول أن مسيرة زحف جديدة قد بدأت؟  وأن تحرير دارفور بكاملها أصبحت مسألة وقت.