
ورقة ال (90 ) يوماً.. كيف تحاول واشنطن خلخلة موقف الجيش السوداني من التفاوض؟
عمرو خان
*تبدو التحركات الأمريكية الأخيرة بشأن الحرب في السودان أبعد من مجرد محاولة جديدة لفرض هدنة إنسانية أو وقف مؤقت لإطلاق النار.. فالمقترحات التي حملها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إلى الجانب السوداني بشأن ترتيبات لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تكشف عن انخراط أمريكي مباشر في إعادة صياغة شروط التفاوض، وربما في محاولة لإعادة ترتيب معادلة القوة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
*فبحسب مصادر رسمية سودانية، تحفظت الخرطوم على مقترحات أمريكية جديدة، وتمسكت بموقفها السابق بشأن ضرورة انسحاب قوات الدعم السريع من المواقع التي تنتشر فيها في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وفق مراحل محددة، مع تجميعها في نقاط يتم الاتفاق عليها.. في المقابل، تتجه المقترحات الأمريكية إلى صيغة مختلفة تقوم على انسحاب محدود وإعادة انتشار للقوات، مع إعطاء الأولوية في المرحلة الأولى لشمال دارفور وشمال كردفان وهنا تحديداً تكمن طبيعة الخلاف الحقيقية.
*واشنطن تدخل إلى التفاصيل العسكرية: لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع الأزمة السودانية من خلال الدعوة العامة إلى وقف الحرب أو إطلاق عملية سياسية، بل باتت تدخل في التفاصيل الدقيقة المتعلقة بحركة القوات وانتشارها وانسحابها ..فطرح هدنة تمتد 90 يوماً، مقرونة بترتيبات عسكرية تتعلق بالانسحاب وإعادة الانتشار، يعني أن واشنطن تحاول التأثير مباشرة في شكل الواقع الميداني الذي سيلي وقف إطلاق النار.. وهذه نقطة بالغة الحساسية بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية السودانية، التي ترى أن أي هدنة لا تؤدي إلى معالجة وجود قوات الدعم السريع وانتشارها قد تتحول إلى مجرد تجميد للواقع العسكري القائم.
*ومن هذه الزاوية، فإن الخلاف بين الخرطوم وواشنطن لا يتعلق فقط بمدة الهدنة، وإنما بالترتيب الذي ينبغي أن تسير وفقه العملية: هل يأتي الانسحاب الكامل والواضح لقوات الدعم السريع أولاً، ثم يبدأ التفاوض؟ أم يتم إعلان الهدنة، ثم تنفيذ انسحابات محدودة وإعادة انتشار، مع ترك التفاصيل الأكبر لمرحلة لاحقة؟.
*الخلاف حول معنى الانسحاب: الموقف السوداني، وفق المعلومات المتداولة، يقوم على انسحاب قوات الدعم السريع من المواقع التي تنتشر فيها في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، على ثلاث مراحل، مع تجميع القوات في نقاط محددة.. أما التصور الأمريكي فيبدو أكثر محدودية، إذ يركز على انسحابات مرحلية وإعادة انتشار، مع إعطاء الأولوية لمناطق محددة، بينها شمال دارفور وشمال كردفان.
*وقد يبدو الفارق بين الصيغتين تقنياً، لكنه في الواقع يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية عميقة.. فالانسحاب الكامل من المواقع التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع يختلف جذرياً عن إعادة الانتشار أو الانسحاب المحدود. ففي الحالة الأولى، يتم تفكيك واقع السيطرة العسكرية القائم تمهيداً لتسوية سياسية لاحقة.. أما في الحالة الثانية، فقد تبقى القوات المسلحة غير النظامية محتفظة بجزء من نفوذها وقدرتها على التأثير في مستقبل العملية السياسية.. وهنا تبرز المخاوف السودانية من أن تتحول الهدنة إلى وسيلة لتثبيت خطوط التماس بدلاً من إنهاء أسباب الحرب.
*الضغط الأمريكي على موقف الجيش: يبدو أن واشنطن تدرك أن الجيش السوداني لا يرغب في الدخول في تفاوض سياسي مباشر مع قوات الدعم السريع قبل تحقيق شروط ميدانية واضحة، وفي مقدمتها انسحاب القوات من المدن والمواقع التي تسيطر عليها.. ولذلك، فإن الضغط الأمريكي قد يتجه إلى تغيير هذه المعادلة تدريجياً. فبدلاً من مطالبة الجيش بتقديم تنازل مباشر في مسألة التفاوض، تأتي الضغوط من خلال طرح هدنة طويلة نسبياً، وإدخال ترتيبات للانسحاب وإعادة الانتشار، ثم الدفع نحو عملية تفاوضية يمكن أن تبدأ قبل حسم الملف العسكري بصورة كاملة.. وبذلك تصبح الهدنة نفسها أداة ضغط سياسية.. فالقبول بها قد يعني، عملياً، قبولاً ببدء مسار تفاوضي في ظل بقاء جزء من التوازن العسكري القائم، وهو ما قد يراه الجيش السوداني مدخلاً لإعادة إنتاج قوات الدعم السريع باعتبارها طرفاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاوزه.
*ورقة جديدة بعد تحفظ الخرطوم: المؤشر اللافت في التحرك الأمريكي هو أن واشنطن لم تتراجع بعد تحفظ الخرطوم على مقترحاتها السابقة، بل عادت بورقة جديدة تحمل تعديلات على التصور السابق فقد سبق لقاء بين وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم ومسعد بولس في القاهرة في 20 يونيو، قبل أن تشير المعلومات إلى زيارة غير معلنة لوزير الخارجية السوداني إلى القاهرة وتسلمه ورقة أمريكية جديدة وتكشف هذه التحركات عن إصرار أمريكي على إبقاء قناة التفاوض مفتوحة، ومحاولة تعديل المقترحات بما يكفي لتجاوز التحفظات السودانية، دون التخلي عن جوهر التصور الأمريكي بشأن الهدنة والانسحاب وإعادة الانتشار.
*وهنا يمكن قراءة التحرك باعتباره ضغطاً متدرجاً لا يقوم على المواجهة المباشرة مع الخرطوم، وإنما على إعادة طرح المقترحات بصيغ مختلفة، أملاً في الوصول إلى نقطة يصبح فيها قبول الجيش بالتفاوض هو الخيار الأقل كلفة سياسياً
*لقاء التفاوض والضغط: تكتسب القاهرة أهمية خاصة في هذا المسار، باعتبارها نقطة للاتصالات الأمريكية السودانية، فضلاً عن علاقاتها الوثيقة بالدولة السودانية والمؤسسة العسكرية..والادارة الامريكية ومن خلال هذه القناة، تستطيع واشنطن إجراء اتصالات مباشرة مع الخرطوم بعيداً عن المسارات الدولية الأوسع، بينما يحتفظ السودان بمساحة للتفاوض مع طرف أمريكي مباشر، بدلاً من التعامل مع مبادرات متعددة الأطراف قد يرى أنها لا تراعي بالقدر الكافي تعقيدات المشهد السوداني.
*لكن السؤال الأهم يبقى: هل تهدف واشنطن إلى إنهاء الحرب فعلاً، أم إلى الوصول إلى تسوية سريعة حتى لو أبقت جزءاً من موازين القوة الحالية؟
*الهدنة.. نهاية للحرب أم تجميد للصراع؟ المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول هدنة مدتها 90 يوماً، بل حول ما سيحدث في اليوم التالي فإذا لم ترتبط الهدنة بترتيبات واضحة وملزمة بشأن انسحاب قوات الدعم السريع، فقد تتحول إلى آلية لتجميد الوضع العسكري، ومنح الأطراف فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، ثم العودة إلى التفاوض من موقع قوة.
*ومن هنا يمكن فهم التحفظ السوداني على بعض المقترحات الأمريكية. فالمسألة بالنسبة إلى الخرطوم ليست رفضاً مبدئياً للهدنة أو التفاوض، وإنما تتعلق بالترتيب الذي ينبغي أن يسبق العملية السياسية.. وبينما تسعى واشنطن إلى دفع الجيش السوداني نحو قبول مسار تفاوضي أكثر مرونة، يتمسك الجيش بأن أي تسوية لا تبدأ بإعادة ضبط الواقع العسكري قد تنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها لذلك، فإن ورقة الـ90 يوماً ليست مجرد مقترح لوقف إطلاق النار، بل اختبار جديد لموازين الضغط والتفاوض في السودان. والسؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تقبل الخرطوم الهدنة؟ وإنما: هل تنجح واشنطن في دفع الجيش السوداني إلى التفاوض قبل أن تتحقق الشروط التي يراها ضرورية لإنهاء الحرب؟.
*كاتب صحفي مصري