آخر الأخبار

قرارات مجلس الوزراء…. كلام الليل يمحوه النهار

قبل المغيب

عبدالملك النعيم أحمد

 

*كتبنا قبل اليوم في هذه الزاوية عن الكثير من قرارات مجلس الوزراء والتي غالباً ما يتم إتخاذها من غير تأني أو دراسة حقيقية مما يضطر رئيس مجلس الوزراء أن يعدلها أو يلغيها بالكامل وقد حدث ذلك للأسف في عدد من القرارات علاوة على ذلك القرارات التي هي من صميم عمل مجلس الوزراء ولكن يتم إتخاذها بواسطة رئيس مجلس السيادة ربما مضطراً وهناك عدة أمثلة…ففي الحالتين  يظل التعجل في إتخاذ القرارات أو انعدام المؤسسية مما من شأنه  أن يضعف الثقة في الحكومة ويباعد بينها وبين المواطن الذي ظل ينتظر منها الكثير دون جدوى.. فالقرارات التي تم إتخاذها من غير دراسة في حكومة الأمل كثيرة للأسف وهذا مما لا نريده ولا كنا نتمناه أن يحدث وذلك للحرص الشديد على نجاح الحكومة وقيامها بواجبها كما ينبغي ولكن ما نيل المطالب بالتمني وليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

*فمن قرارات مجلس الوزراء التي تم إلغاؤها قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به قرار حظر إستيراد (48) سلعة، قرار شركة العسجد مع بنك السودان، قرار وقف الإجازات بدون مرتب للعاملين بالخدمة المدنية، قرار تعيين السفير إدريس محمد علي وكيلاُ لوزارة الخارجية وقرار خاص بالعاملين بالخدمة العامة والذي تبادل فيه ادوار النفي والتبرؤ منه كل من مكتب رئيس مجلس الوزراء من جانب ووزير الرعاية الإجتماعية والموارد البشرية والخاص بتصنيف العاملين بالخدمة المدنية بين المعاشيين ومن هم مازالوا بالخدمة ومحاولة الاستغناء عن الكثيرين منهم بحجح مختلفة ثم أخيرا قرار ايقاف إستيراد الفول المصري الذي تم التراجع عنه نتيجة لعدم الدراسة الكافية وعدم مراعاة إحتياج المواطن وقد كتبنا عن خطأ القرار في حينه قبل أن يتم إلغائه وفتح الإستيراد لكل السلع التي تم حظرها سابقاً بل تم إعفاء بعضها من الجمارك مثل الدقيق والأرز والفول المصري نفسه والخضروات والفواكه.

*أما حديث اليوم فهو بمناسبة قرار رئيس مجلس الوزراء أمس والذي نشرته الوكالة الرسمية للبلاد (سونا) وهو السماح بإستمرار المراكز الخارجية للجامعات لمزاولة نشاطها وعملها إلى حين توفيق أوضاعها…هكذا جاء القرار..          هناك جملة ملاحظات على هذا القرار الذي يدل فعلا على أن قرار إغلاق المراكز الخارجية للجامعات وإيقاف الدراسة أونلاين لم يكن سليماُ ولم يستند على دراسة حقيقية للواقع بقدر ما أنه كان قراراً سياسياً بالدرجة الأولى لم يراع ظروف الطلاب والأسر ولا ظروف الأساتذة أنفسهم ولا وضع الجامعات وبيئتها التي تعرضت للدمار الكبير بسبب الحرب وقد إنتقدنا القرار في حينه بل وقدم كاتب هذه السطور مقترحات عملية بحكم الخبرة والتجربة والعمل في مؤسسات التعليم العالي لسنوات طويلة فضلاً عن الحرص على إستمرار العملية التعليمية مع توفر الجودة المطلوبة وذلك بأن تكون الدراسة هجين بين الحضور الفعلي لمن يستطيع والدراسة اونلاين لمن هم بالخارج ولا تسمح لهم ظروفهم بالعودة مع الإبقاء على المراكز الخارجية طالما هي تحت إشراف أمانات الشؤون العلمية وإدارات الجامعات والتي هي أكثر حرصاً على جودة التعليم لطلابها وخريجيها…ولكن من بيدهم القلم ومن يتخذون القرارات لم يستبينو ا النصح إلا ضحى الغد..وليتهم.

*فمن الملاحظات الجديرة بالإهتمام والتساؤلات التي يجب آثارتها حول تراجع رئيس الوزراء عن قرار إغلاق المراكز الخارجية وتوجيهه لوزارة التعليم العالي باستمرارها الآن هو توقيت التراجع نفسه حيث أن كل الجامعات كانت قد أغلقت مراكزها الخارجية وألغت عقود الإيجارات وهذا كلف بعضها الكثير من الخسائر لأن القرار كان فوقياً ومفاجئاً كما أن الطلاب وأولياء الأمور قد رجعوا مجبرين وعلى لسان وزارة التعليم العالي أن أكثر من 90% من الطلاب قد عادوا إلى مقار جامعاتهم بالسودان وأنها ستعالج مشاكل كل الطلاب الذين لم تمكنهم ظروفهم من العودة فما جدوى هذا القرار إذن؟ فالأفضل كان أن يسمح رئيس الوزراء للجامعات التي تحتاج لبعض الوقت لتوفيق اوضاع مراكزها بالخارج دون الإضطرار للتراجع عن القرار.. أما الحديث عن السماح بإستمرار المراكز وهي أصلا تم إغلاقها بالقرار بل ربطت الوزارة رفد الجامعات بالطلاب الجدد بإغلاق المراكز..فالحديث عن إستمرار المراكز لا يعدو كونه حديث خارج سياقه تماما.

*من الأسئلة التي تحتاج للإجابة هي سبب ومبررات إصدار القرار باستمرار المراكز..فهل ظروف الجامعات وبيئها؟ أم الظروف الأمنية؟ أم الخدمات؟ أم مراعاة لحالة بعض الطلاب وأسرهم؟ وإن كانت هذه هي الأسباب.. ألم تكن معروفة بالضرورة لحظة إتخاذ قرار الأغلاق؟ أم أن السياسة قد غلبت وتجاوزت المنطق والواقع؟

*يحتاج هذا القرار إن قصد به متخذ القرار فعلاً المراجعة أن تلحقه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بقرار آخر بإستمرار الدراسة الهجين حضوريا واونلاين وتقوية منصات التعليم الإلكتروني مع التأكيد على التدريب العملي للكليات التطبيقية وتلك هي كانت المقترحات التي سبق أن قدمناها وفي توقيتها المناسب ونجددها اليوم بعد إستدرك مجلس الوزراء عدم سلامة القراروتراجع عنه ووجه الوزارة بالتنفيذ.

*ختاما نقول أن الحكومة بحاجة الآن وبأكثر من أي وقت مضى للتأني في إتخاذ القرارات ودراسة آثارها السالبة المتوقعة قبل إتخاذها حتى تكسب ثقة المواطن ومؤسسات الدولة وحتى لا تضطر للتراجع كما أن عليها الإستماع للناقدين والناصحين ذلك أفضل من التجاهل والإهمال فالمصلحة العامة تقتضي الإستماع بل الإهتمام بكل ما ينشر ويقال.