
خبز الوطن في كف السياسة.. السودان ومعركة الغذاء
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تتخندق الأزمات الكبرى في عمر الأمم غالباً خلف جبهات متداخلة، لا تقتصر على دوي المدافع وتحركات الميدان العسكري فحسب، بل تمتد لتغور في تفاصيل المعاش اليومي للإنسان، وتلامس رغيف خبزه وقطرة دواءه.. وفي قلب المشهد السوداني الراهن، تبرز معركة من نوع آخر؛ معركة تتنازع فيها الحقائق الإنسانية على الأرض مع الأجندات السياسية والدبلوماسية العابرة للحدود.. وحين تخرج البيانات الرسمية لتؤكد أن الواقع الغذائي للبلاد يظل في دائرة الاطمئنان، وأن شريان الإنتاج الزراعي والمخزون الاستراتيجي يواصلان النبض رغم قسوة الظروف، فإن ذلك لا يعكس مجرد تطمينات رقمية، بل يعبر عن إرادة صلبة تواجه محاولات دؤوبة لتحويل لقمة العيش إلى سلاح ضغط وابتزاز سياسي.
*لقد تعرضت البنى التحتية الأساسية، ومقدرات الإنتاج الزراعي، والمخزونات الاستراتيجية في البلاد لهزات عنيفة وتخريب ممنهج، فضلاً عن موجات النزوح القسري التي أبعدت المزارع عن أرضه وساحات عطائه.. ورغم قتامة هذه اللوحة وما خلّفته من تحديات جمّة، تفيد القراءات الرسمية والتقييمات الميدانية بأن شبكة الأمان الغذائي المحلي ظلت صامدة، مدعومة بموسم زراعي وجهود متواصلة لتأمين الاحتياجات الأساسية إلى جانب ذلك، تواجه المنظومة البيئية والزراعية تحديات طبيعية ومناخية إضافية متمثلة في تداعيات ظاهرة النينو، والتغير المناخي، وشح الأمطار في بعض الجيوب الجغرافية، وهي معطيات تعاملت معها الجهات الرسمية عبر تقييمات موضوعية وتدابير استباقية سريعة لسد الفجوات، دون إبطاء أو تراخٍ، ودون الحاجة لتضخيم الأزمات بغرض الاستثمار السياسي فيها.
*غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في سعي بعض الدوائر الإقليمية والدولية إلى تغليف الأهداف السياسية بغطاء إنساني براق.. إن توظيف الملف الغذائي، ورفع راية (المجاعة) واختلاق سردياتها، لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون محاولة مكشوفة لتجيير مآسي المدنيين خدمة لأجندات استراتيجية ضيقة.. ومما يزيد المشهد تعقيداً أن بعض المشاريع السياسية الغربية تعمد إلى استخدام الورقة الإنسانية أداة لفرض تسويات مجحفة، تهدف بمجملها إلى إنقاذ الفصائل المسلحة المتمردة من دائرة الهزائم الميدانية المتتالية التي تكبدتها مؤخراً.. إن السعي لفرض هدن إنسانية بشروط مصممة خصيصاً لمنح المجموعات المسلحة طوق نجاة، وإعادة ترتيب صفوفها وتسليحها وانتشارها، إنما يشكل تشجيعاً ضمنياً على ارتكاب المزيد من الفظائع والانتهاكات الجسيمة بحق الأبرياء في المدن والمناطق المختلفة، على غرار ما شهدته مدن ومناطق سابقة عانت الأمرين من بطش الميليشيات.
*إن أي محاولة لفرض مفاوضات سياسية بالقوة بينما تستمر الميليشيات في احتلال الأراضي، والسيطرة على المنشآت المدنية، وتهديد وحدة البلاد وأمنها القومي، تمثل خرقاً صارخاً للمرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها (إعلان جدة) الذي ارتقى إليه التزام الحكومة السودانية كأساس حقيقي ومقبول لوقف نزيف الدم وتهيئة الأجواء للحلول السلمية.. وإن الترحيب الدائم بالدعم الإنساني النزيه الذي يقدمه المانحون والمنظمات الدولية الجادة، يجب ألا يتحول إلى نافذة لتمرير مشاريع الوصاية أو تسييس الاحتياجات الأساسية للشعب السوداني.. فالسيادة الوطنية وحماية تراب الوطن وأمنه القومي واستقرار مجتمعاته تظل خطوطاً حمراء لا تقبل المساومة ولا المقايضة على مائدة التفاوض.
*ختاماً، إن السودان اليوم لا يحتاج إلى وصاية تُدار من بعيد ولا إلى مساعدات مشروطة بإملاءات سياسية تُعيد إنتاج الأزمات وتطيل أمد العذاب، بل يحتاج إلى دعم حقيقي يحترم سيادته، ويعترف بمؤسساته الدستورية في حماية مواطنيها واغاثتهم.. وإن وعي المجتمع السوداني وصلابة مجتمعاته المحلية في مختلف الأطراف والجهات، إلى جانب تمسك الدولة بأداء واجبها السيادي والدستوري، يظلان الحصن الأمني المتين في وجه كل محاولات الابتزاز السياسي، لتظل الكفة الراجحة دائماً هي كفة الوطن واستقراره وكرامة أبنائه.