آخر الأخبار

قصة قصيرة من قاع الوديان

 

حمد موسى كامل

قاص من جيبوتي

أفاق عمّ حسن من نومه .. في أحد ليالي مغيب القمر والظلام حالك.. إذ يمد الليل أطرافه الأكثر سوادا وحلكة في نهايته ويكون الظلام شديد السواد قبل أن يسرقه الفجر بأنفاسه الضوئية وبخطوات متسلل محترف.
استيقظ، ليؤدي فريضة الفجر
قام من حصيرته مادا رجله اليسرى، وبيديه المرتعشتان يتكئ إلى عصاه التي صنعها وصاغها من شجر الخيزران ..
احتكّت مفاصله ببعضها مصدرة قعقعة وتكتكة، والجوفي “xalca” باردٌ جدا وقارسٌ كل أشهر السنة، وصرير ركبته تصاعد إلى أذنه.
قصد عم حسن الوادي حتى يُفرغ مثانته مما احتبس فيها من ماء المكدّرة والعكرة، التي تلوّن لونها، ويكاد يغطي صدرها بالوشاح الأخضر.
يجلس متخذا من العصا كرسيا، ومن الحجر مسندا يُسند ظهره الأحدب إليه وبه، يمد يده رافعا معوزه وكاشفا فخذه ..
أحس بوخز يشبه وخز إبرة، فظنها شوكة سدر تمازح جلده المعطوب والجاف .. تجاهل.. كشف عن ركبته الثانية وعدّل جلوسه، فاستعصى البول عليه، تسرّبت آلام الوخز إلى مفاصله المجهَدة، ما أبقاه الزمن من قوىً بدأت تتهاوى .. فزاد الألم شدة.
يحاول أن يضيء بمصباحه اليدوي موقع قدمه ليتبيّن، إبهامه تآمر عليه وأخطأ مفتاح الإنارة، فأعاد المحاولة وأخطأ ثانية، وفي الثالثة خانه جسده وخارت قواه، عجز إبهامه من سحب المفتاح.
استوعب (عم حسن) ما جري له وبدأت تتكشف له ماهية الوخزة والألم الشديد الذي احتل جسمه المنهك، والذي أضاف الوهن والضعف أضعافا إلى ما كان عليه، وقال: قتلتني كما قتلتْه.
(2)
سمع (حيسمة) صراخا آت من قاع الوادي، الصرخة الآتية من الوادي لم يتبيّن له مصدرها … انتظر أخاه فتمدد الوقت ولم يرجع عم حسن من الخلاء، بدأت الشك يتسرب إلى عقله وخفقان قلبه تزاد وتيرتها، أنفاسه المتسارعة حاصرت حلقه فأعجزته عن النداء ح ..ح ..سن، وأعاد المحاولة والثانية وفي كل محاولة تنكسر الحروف ح ..ح.. ح .. سسن
حيسمة
ستيني يعاني العمى من الطفولة المبكرة، حرم من نعمة البصر ، وهو يعتمد على أخيه (حســــــن)، عينه الذي يبصر بها ورجلاه التي تحملانه، ويداه التي يأكل بها.
جرت دمعة في محجر عينيه .. ودب القلق في روحه
حسن .. حسن، حســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن … لا يستجيب لندائه
استعان بكل أحباله الصوتية .. لا يرد
ما الذي حدث لأخي؟
هل وقع في حفرة؟
أيمكن أن هاجمته الضباع؟
الصراخ …؟ .. لم لا يرد حسن!
يستحيل أن يكون بوعيه ويسكت عني ولا يجيب على نداء؛ لم يتأخر طيلة خمسين عاما عني وعن طلباتي، داهمته الأسئلة بحجم الخوف الجاثم على قلبه وصدره، وبحجم خوفه على مصير أخيه وبمصيره.
حسن، حــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
وثب على قدميه واقفا (حيسمة) .. وظل واقفا ، أين أذهب (سائلا نفسه) ويجيب : لا أعلم؛ وأنا الضرير، ويواصل متحاورا مع ذاته:
لابد أن بحث عنه مهما كان الثمن، وأعثر عليه، خمسون عاما لم يتخلى عني ولم يضجر أو يملّ .. لن يواجه مصيره وحيدا، الصرخة التي سمعته من الوادي من المؤكد أتت منه ليستغيث بي ولم يجدني.
بحث عن عصاه بحث وبحث حتى أعياه البحث .. فقرر
بدأ (حيسما) يخطو خطواته صوب الوادي، حيث أتته النداء، تعثر بحجر ووقع، قام ونفض من جسده ما تعلق من الأتربة ونازعا أشواكا التصقت بجلده. استمر في طريقه إلى أنْ صادفته حفرةً، وزلّتْ قدمه والتوى كاحله الأيمن؛ وصرخ من ألمٍ ألمّ به، فتحامل على ألمه ووثب واقفا على يسراه.
غير مساره متوجها نحو اليسار قليلا .. خطى خطوات قليلة، خمس باليسار وثلاثة باليمنى قبل أن تهو به رجله في الربعة من الجرف العال .. مُحْدِثا صوتا مُدوّيا تبعه صراخ أحدث صدى جبليا.
(3)
استعاد عم (حسن) وعيه والشمس بخيوطها الذهبية تداعب الأفق للشروق وأسراب الطيور تحلق وتعوم في زرقة السماء، وأحسّ بصداع شديد في رأسه وغشاوة في عينيه، وكأن نار تلتهم مفاصله، والوجع في صدره أضعاف ما أحسه قبل أن يفقد وعيه.
تذكر أخوه .. استعجل بالقيام دون أن يعدل من هيئة جسمه وتوازنه (وقع)؛ فعدّل جسمه وامتدّ على ظهره ومكث فترة ونظره معلق بالسماء.
لا يقدر أخي على الحياة ومصاعبها منفردا فهو كبير في السن وأعمى، حاجته إليّ أكبر من حاجتي إلى نفسي فلا تحرمه من وجودي.. (يناجي الله في سره).
أغمض عيناه برهةً وعاود القيام متكئا على عصاه، وكل إخفاق يعقبها بمحاولة حتى وقف على أرجله الثلاث. أجبر أقدامه الثلاثة في الحركة، وفي كل خطوة يشتد إحساسه بالألم والعجز .
في المفاصل .. الرأس … الأطراف
يزداد الإحساس بالوجعـ فيقاوم. متى ما أرادت نفسه أن تستسلم للألم يقاوم أكثر… يتراء له من بعيد هيئة إنسان على الأرض وتحت جرف عالٍ، يحاول بكل قواه أن يسرع ويستعجل الخطى لكن لا تستجيب أرجله، بينما نفسه تهرول أرجله تبطئه جدا جدا.
القلق زاد .. والألم أكثر
الصورة تنكشف أكثر أمامه كلما اقترب نحو الجسد المرمي تحت الجرف، يتبين أنها إنسان، ويسرع الخطى المتثاقلة، تتسارع نبضات قلبه ويضيق نفسه. تأكد .. وتضعف قوته وتخور، يسقط مغشيا.