آخر الأخبار

الخرطوم.. شهادات من قلب العاصمة

الخرطوم – زلال الحسين:

للخرطوم بعد الحرب وجهٌ لا تُدركه الكاميرات ولا تختزله الأرقام (أصداء سودانية ) رصدت وجهٌ يُروى على لسان من اختار البقاء، ويُلمَح في طمأنينة طفلٍ يعبر شارعاً كان بالأمس مسرحاً للفزع.

قصدتها مؤخراً، وفي القلب أسئلةٌ تثقل كاهل كلِّ من نأى كيف حال الناس؟

ما شأن المعيشة وغلاء الأسعار؟

وهل ما زالت الحميات والبعوض تنهش في عافية المدينة؟

التقيتُ أسرةً في قلب العاصمة، تجاذبنا الحديث في فناء منزلٍ نجا من القصف، فجاءت إجاباتهم على غير ما توقعت في الوقت الذي اني ارى فيه الاسعار باهظة..

قالتها الأم عوضيه عباس (يا ابنتي، الخرطوم باتت أكثر هدوءاً.. الشوارع رحبةٌ غير مزدحمة، لا ضجيج ولا صخب..  كنا في الماضي نركض لاهثين، أما اليوم فنسير على مهلٍ، نتأمل جمالاً كان مطموراً تحت غبار العجلة).

وأكمل ربُّ الأسرة مشيراً نحو الطريق

الخراب موجود، ولا ننكره.. لكن المدينة اكتست سكينةً لم نعهدها.. كأنها تنفست الصعداء بعد اختناق.

عن الغلاء والمعيشة توازنٌ لا يشعر معه المرء بالشح ..سألتهم عن السوق وارتفاع الأسعار الذي يُفزعنا من بعيد. ابتسم الابن الأكبر وقال الأسعار مرتفعة، هذا حق.. غير أن العجيب أننا لا نشعر بالعوز.. كل شيء متوفر الطعام، والشراب، وكل ما يحتاجه البيت تجده.. ودخلُ المرء، بشكلٍ ما، بات يوازي منصرفه ويكفي متطلباته . لعل السبب أن الحياة عادت إلى جوهرها؛ لا إنفاق على الكماليات، ولا مجاملاتٍ مرهقة..  وأضاف لقد أزال الهدوء عن المدينة دوشتها وزحامها، وملأها رحمةً واتساعاً.. كان الازدحام يخنقنا، أما السكون اليوم ففيه راحة، وفيه متسعٌ في الطرقات ومتسعٌ في العقول.

وماذا عن الحميات والبعوض؟ سألتُ و أجابت الأم: البعوض اختفى بنسبة ثمانين في المائة.. كنا طوال الوقت نصرفه عن وجوهنا، أما اليوم فبالكاد نلمحه.. والماء قد ينقطع قليلا،  زال خوفنا الأول، وصرنا أقوى من المرض ومن ذكرى الحرب معاً

صمتت هنيهة، ثم رفعت بصرها قالت (أتعلمين.. هذا البلد لا نسكنه فحسب، بل هو الذي يسكننا أولاً.. يجري في دمائنا لذلك، ورغم كل ندوب، ما زلنا نراه جميلاً.. فالجمال ليس في جدارٍ قائم، بل في روحٍ تُعمِّر.

غادرتهم والشمس تميل للغروب خلف مبانٍ أثخنتها الجراح، لكن الضوء كان يشق طريقه من بين الشقوق، كأنما الحياة تصرُّ على البقاء.

الخرطوم اليوم ليست كأمسها.. سلبتها الحرب زحامها وصخبها، ومنحتها بالمقابل هدوءاً علّم الناس التأمل.. الأسعار مرتفعة أجل، لكن الوفرة الحقيقية ليست في امتلاء الجيوب، بل في امتلاء الأرواح بالطمأنينة.. والبعوض قد انحسر، لكن الأهم أن الخوف قد انحسر معه.

هنا، أدرك الناس أن الجمال لا يشترط الكمال، وأن الوطن، وإن كان مجروحاً، يظل قادراً على أن يضم أبناءه وأن (السعة) ليست في تكدس المتاع، بل في رحابة الراحة، ورحابة المكان، ورحابة الصدر.

هذه هي الخرطوم التي رأيت  متعبةٌ لكنها قائمة.. مثخنةٌ لكنها نبيلة وأهلها، رغم كل شيء، ما زالوا يتذوقونها.. لأنها سكنتهم قبل أن يسكنوها.