آخر الأخبار

قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (1-7)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*تمر الأمم بمحطات استثنائية تعيد تشكيل مسارها لعقود طويلة، ويكون للقادة فيها أثر يتجاوز حدود الزمن الذي حكموا فيه.. وتتعاظم قيمة القيادة حين تدرك أن مثل هذه اللحظات لا تتكرر، وأن بعض الرجال لا يمنحهم القدر سوى فرصة واحدة ليكتبوا أسماءهم في سجل الخالدين.. وفي مثل هذه اللحظات لا تقتصر المسؤولية على إدارة الوقائع، وإنما تمتد إلى صناعة المستقبل، لأن القرارات التي تُتخذ خلالها قد ترسم ملامح الوطن لأجيال كاملة.

*والسودان يقف اليوم أمام واحدة من تلك المحطات؛ فقد أنهكت الحرب أرضه، وأثقلت كاهل مواطنيه، واستنزفت مؤسسات دولته، غير أنها لم تنجح في كسر إرادة شعبه ولا في إطفاء إيمانه بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

*لقد صبر المواطن السوداني ما لم يصبره شعب آخر؛ تحمل فقد الأمن، وضيق المعيشة، والنزوح، وتعطل الخدمات، وتراجع فرص التعليم والعلاج والعمل، وهو ينتظر أن يرى دولة تستعيد عافيتها، لا مجرد حكومة تدير أزماتها.

*إن التحدي الحقيقي تجاوز حدود الانتصار في ميدان القتال، وأصبح مرتبطاً بالقدرة على بناء الدولة. فاستقرار الأوطان يرتكز على قوة المؤسسات، وعدالة القانون، وكفاءة الإدارة، والثقة التي يشعر بها المواطن تجاه دولته.

*واليوم يحتاج السودان إلى حكومة قوية بالأداء لا بكثرة المناصب، وإلى جهاز تنفيذي رشيق، تُقاس فيه المسؤولية بالإنجاز، وتصبح المحاسبة قاعدة لا استثناء، وتترسخ الشفافية والنزاهة باعتبارهما أساس الثقة بين الدولة والمجتمع.. فليس من المقبول أن تبقى مؤسسات الدولة أسيرة الترهل والبطء في مرحلة تحتاج إلى سرعة القرار وحسن التنفيذ.

*كما أن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق مشروع شامل لإصلاح مؤسسات الدولة المدنية، وتطوير الخدمة العامة، وبناء جهاز إداري حديث يعتمد الكفاءة والخبرة والرقمنة، بالتوازي مع استمرار تطوير المؤسسات النظامية، وفي مقدمتها القوات المسلحة، باعتبارها صمام أمان الدولة وحامية سيادتها ووحدتها.

*إن الأمن القومي لا يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ من الاقتصاد، والتعليم، والمياه، والغذاء، والطاقة، والمعلومات، والتماسك المجتمعي. ويأتي أمن البحر الأحمر في مقدمة ركائز الأمن القومي السوداني، بما يمثله من عمق استراتيجي ومصدر قوة اقتصادية وجيوسياسية ينبغي أن يُدار برؤية وطنية بعيدة المدى تحفظ مصالح السودان وتوازن علاقاته الإقليمية والدولية.

*وفي السياسة، يحتاج السودان إلى بناء جبهة داخلية متماسكة تقوم على الحوار الوطني، وإلى سياسة خارجية متوازنة تنطلق من المصالح الوطنية، فلا تدخل في محاور، ولا تعادي أحداً، ولا تسمح في الوقت نفسه بالمساس بسيادة البلاد أو التدخل في شؤونها.

*أما الاقتصاد، فهو الميدان الذي سيقاس عليه نجاح الدولة بعد الحرب.. ولن يتحقق التعافي إلا بإطلاق نهضة حقيقية في الزراعة والصناعة والتجارة، وتشجيع الاستثمار، واستعادة الثقة في العملة الوطنية، ومحاربة الفساد، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، حتى يشعر الناس بأن السلام قد انعكس على موائدهم قبل أن ينعكس في البيانات الرسمية.

 

*ولا تقل الخدمات العامة أهمية عن أي معركة أخرى؛ فالتعليم هو مصنع المستقبل، والصحة هي أساس كرامة الإنسان، وكلاهما يحتاج إلى استعادة عاجلة، حتى لا تدفع الأجيال القادمة ثمن سنوات الحرب مرتين.

*كما أن العدالة تظل حجر الزاوية في أي استقرار دائم؛ عدالة تُحاسب من أجرم، وتنصف المظلوم، وتؤسس لمصالحة وطنية تقوم على الحقيقة وسيادة القانون، بعيداً عن الانتقام أو الإفلات من العقاب.

 

*ولا يمكن بناء السودان الجديد من دون تمكين شبابه، ورعاية أطفاله، وتعزيز دور المرأة، ومعالجة أوضاع النازحين واللاجئين والمهاجرين، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من عملية إعادة البناء، لا مجرد ملفات إنسانية مؤقتة.

*إن وقف الحرب يظل أولوية وطنية، لكن السلام الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الثقة، وإعمار ما دمرته الحرب، وإصلاح النظم الإدارية والاجتماعية، وتفعيل دور الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية والثقافية، ومنظمات المجتمع، حتى تستعيد الدولة توازنها ويستعيد المجتمع تماسكه.

السيد الرئيس:

*إن التاريخ لا يتذكر عدد السنوات التي حكم فيها القادة، وإنما يتذكر ما الذي تركوه لأوطانهم. والفرصة ما زالت قائمة أمامكم لتقودوا السودان من زمن الحرب إلى زمن الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، فتجمعوا بين شرف الانتصار العسكري وفضل البناء السياسي، ويكتب التاريخ أن قائداً عسكرياً انتصر في الحرب، ثم انتصر للوطن ببناء الدولة، فأعاد إلى السودان مؤسساته، وفتح أمامه أبواب المستقبل.

وأحسب أن الطريق إلى ذلك يبدأ بحكومة كفؤة، وتعضده مؤسسات قوية، وتحميه عدالة مستقلة، ويغذيه اقتصاد منتج، وتسنده سياسة متوازنة، ويصونه جيش محترف، وتديره إدارة شفافة، ويكتمل بسلام عادل، ويجمعه مشروع وطني يلتف حوله السودانيون جميعاً

*فإذا نجح السودان في بناء هذه الدولة، فلن يكون المنتصر فرداً أو حكومة، وإنما سيكون المنتصر هو الوطن نفسه، وتلك صفحة إذا كُتبت، فستكون من أنصع صفحات تاريخ السودان الحديث، وأغلى إرث يمكن أن يُترك للأجيال القادمة.ر