تشكل الموت داخل رواية (رائحة الموت) للأديبة ليلى مهيدرة
د . ياسين بن ايعيش – المغرب:
تكشف الرواية عن تلك المحاولة الجادة الرامية إلى إعادة تشكيل العالم بواسطة اللغة؛ أي إن الكاتب يتغيا من خلال عمله الأدبي الفني خلق عالم خاص به قائم على اللغة (التراكيب والجمل والكلمات…)؛ هذا العالم هو ما يسمى بـ (عالم الرواية*، ذلك العالم الذي تختلف قدرات الكتاب والأدباء وغيرهم في تشكيله وإعادة هندسته، وتبعا لهذا الاختلاف المُنْتِج تطورَ الأدبُ في مستويات عدة، كما تطورت النظريات الأدبية أيضا منذ أفلاطون الذي اعتبر الأدب محاكاة للواقع المحسوس، ومرورا بالرمزية والتجريد والواقعية، وكذا النظريات الحديثة وما بعدها. بيد أن الثابت في كل هذا وذاك كون تلك المكونات والنظريات بمثابة جزء أساس من حركة الحياة، التي يعيشها الإنسان.
يصادفنا مفهوم (الموت) كمعادل فني للحياة، في أول عتبة من عتبات رواية (رائحة الموت)، أي انطلاقا من العنوان، كما أنه يتردد أيضا في إهداء الروائية ليلى مهيدرة، وتكاد لا تخلو صفحة من صفحات الرواية، سواء بشكل أو بآخر، من ذكره أو لنقل من رائحته، وهذا ما دفعنا إلى الوقوف عند هذا المفهوم، باعتباره موضوعة بارزة في هذا العمل، وذلك من خلال محاولة البحث عن تشكله داخل رواية رائحة الموت، دون أن نغفل مفهوم الحياة، فهما معا يشكلان ثنائية شغلت متن هذه الرواية، وهي ثنائية لازمت هذا العمل منذ أول سطر خطته الكاتبة في روايتها رائحة الموت، ولا نستبعد أنها ظلت تلازمها حتى بعد الانتهاء منها. وفي هذا السياق لنا أن نتساءل:
ما ماهية التشكل الذي هندست به الروائية ليلى مهيدرة العالم الموازي في روايتها (رائحة الموت)؟
وهل تصورها للموت هو التصور نفسه عند العامة، أم أنها جعلت له تجليا أو تجليات أخرى خاصة؟
تفصح الكاتبة عن تصورها للموت ابتداء من مفتتح روايتها، أي ابتداء من الإهداء، حيث أنها أبت إلا أن تهدي عملها إلى الموت قائلة: للموت الذي تفوح منا رائحته حتى في اللحظات الأكثر حياة؛ ما يفيد أنها تنظر إلى الموت بمنظار يجعله جزءا لا يتجزأ من الحياة؛ فحتى في أبهى اللحظات حياةً يفرض الموت حضوره إلى جانبها، وذلك اعتبارا لكونهما ينضويان تحت الثنائية نفسها، ويشكلان هاجسا مؤرقا دفع شخصيات الرواية إلى بسط تساؤلات جمة؛ فالموت إلى حد ما هو وجه ثان للحياة ولصيق بها، ونستشف هذا انطلاقا مما ورد على لسان أحد السراد: “حين يطل من شرفة بيته على الممر الطويل المؤدي إلى المقبرتين المسنتين حيث يرصد منه الموت دائما، ويحسه ملتصقا بالحياة ومتربصا بها، كل هذا يغرقه في عمق السؤال عن هذه الثنائية”، بل إنه يمثل الحياة بعينها بالنسبة إلى الشخصية المنتحرة، أو لنقل المنشطرة في الرواية، وقد ورد في الرواية ما يشير إلى ذلك، تقول الكاتبة: “ارحل عني إذن. ودعني لحياتي كما اخترتها، أترك ميتتي التي اخترتها وخذ لك ما تصوره من حياة، وعد لعالم الأحياء، فالموت ها هنا يفيد التحرر من قبضة حياة متوهمة، ومن ثمة فقد تولد سعي هذه الشخصية إلى الانعتاق منها بغية تلمس حياة أفضل بطعم الاختلاف، وفي الصفحة نفسها ورد ما يلي: لا تستهزئ بهذا الحوار بيننا، وثق أننا نحتاج كثيرا لأن نتحرر من عقدنا وحياتنا المملة ونختلق عالما نراه أكثر جمالا وإنْ من صلب هذا الألم الذي نبتكره، وخيالك الجامح هو الجزء الجميل فينا، فتمردك وشغبك كثيرا ما يمنحني لذة العيش
داخل هذه الثنائية الضدية –الحياة والموت- تتجلى قيمة الأشياء؛ ولأن الشيء بضده يعرف –كما يقال- فقيمة الحياة إذن تدرك انطلاقا من الموت الذي يفرض وجوده في تشكل الحياة، غير أن هذا التشكل يختلف في تمظهراته من نص إلى آخر، ومن أديب إلى أديب آخر… وهكذا.
إن رواية (رائحة الموت) عبارة عن موازاة فاعلة –أي موازاة إبداعيّة فنيّة تخيلية للواقع والتاريخ– مثلها في ذلك مثل مجموعة من الأعمال الروائية المتميزة التي تبتعد عن النقل الواقعي التسجيلي للأحداث، وتنزع -إضافة إلى ذلك- إلى إعطاء العمل نوعا من الإيحائية والرمزية التي تمنحه جمالية ترتقي به إبداعا، وتُخوِّلُه تميزا فنيا، فهذه الرواية تجسيد حي للرمزية التي تَنْشُدها الأعمال التي تضع نصب أعينها تعدد آفاق التأويل لدى القراء.
يمكن للقارئ المتأني أن يستشف بأن الموت في هذه الرواية ليس مجرد كلمة تتكرر، ويراد منها ملء دفتي الرواية، بل إنه شخصية محورية من شخصيات العالم الروائي للكاتبة ليلى مهيدرة، وبؤرة علامة الاستفهام التي شغلت متن هذه الرواية وفق الثنائية المشار إليها سلفاً، حيث إن كل شخصيات هذه الرواية تدخل في علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع الموت، هذا الأخير الذي يتشكل لدى الأديبة بطرق مختلفة؛ فهو ممتد في مجموع أجزاء الرواية، كما أنه يتشكل بصور مباشرة شخصيةً، زمانًا ومكانًا، وأحداثا، وترميزا.
من هنا لا غرابة أن تتيه باقي الشخصيات في دوامة من الأسئلة التي تترجم بها قلقها، كما جاء في المقطع الآتي: “كثيرا ما يشعر بالضياع وأن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي الموت. لكن السؤال المحير دوما هو: ما الحدود الفاصلة بينهما؟ وهو مدرك تماما أن الموت متلبس بكل ما يحيط به، صمته موت، عزلته المختارة موت، غربته والمدينة التي ترفض أن تحتضنه موت، فكيف له أن يجيب على السؤال حول الحدود بين الحياة والموت بداخله؟ ما سبيله ليتحرر من كل هذه الحيرة؟.
إذن فالموت ها هنا يخالف ذلك الوهم المشاع أو التشكل كما تراه الكاتبة ليلى مهيدرة، وهذا ما يتجلى لنا عبر متابعة أسئلتها، تقول: لِمَ يوهموننا أن الموت يأتي بعد أن تضع الحياة نقطة نهايتها، فهل الموت نقيض للحياة أم يتماهى معها؟ وهل نموت مرة واحدة؟ أم الموت يرافقنا منذ أول صرخة لنا ومع أول جرعة هواء تخترق رئتينا، أو لعلها تكون قبل ذلك ونحن نطفة في أرحام أمهاتنا؟ وهل الموت هو نقطة النهاية؟، أسئلة استنكارية تختزن في طياتها إجابات توحي بأن الموت من المنطلق الفني هو الفاصل لتحويل الموت إلى حياة، موت وجد فيه المنتحر انتصارا ونجاحا، ولهذا فقد كان شغله الشاغل هو التفكير بطريقة تضمن له ذاك النجاح الذي لم يحققه وهو حي ميت، كما يتضح من خلال كلام أحد شخصيات الرواية: “أحسني عازفا، عليه أن يجيد اختيار معزوفته الأخيرة على مسرح الحياة، وأن لا يترك شيئا للصدفة. كل التفاصيل مهمة: لباس مناسب، بذلة سوداء وقميص أبيض عقدت أزراره زرا زرا بعناية كاملة، ربطة عنق زاوجت بين الأبيض والأسود ، وفي السياق نفسه ورد أيضا ما يلي: يقولون إن انطباع النظرة الأولى يعلق بالذاكرة دوما، وأنا أقول إن النظرة الأخيرة تعلق أكثر. لذا علي أن أتقن رقصتي الأخيرة.
إن الموت بهذه التشكلات المختلفة يعد معادلا موضوعيا لزيف الواقع، واضمحلالاً للقيم النبيلة، لتحل محلها قيم بالية تؤدي إلى الظلم والاضطهاد والجرم… لهذا لا غرابة في أن يلبس الموت ثيابًا عدة، فقد يصادف أن يرتبط حتى بالكلمات التي قد يرى فيها الناس طعم الحياة، فــربطة العنق -على سبيل المثال- في الرواية تخرج عن حدود وظيفتها الاعتيادية المحددة في ضمان الأناقة، وعلو المكانة، لتفيد وظيفة مغايرة وهي الانتحار، ورد في الرواية: معلق من رقبتي بنفس ربطة العنق التي تعبت من تسويتها، كما ورد في السياق نفسه: يا لسوء حظك أيها المعتز بربطة عنقك حتى الموت المعتنق لقضيتك حتى النهاية
والأمر نفسه ينطبق على (الرقص)؛ فإن كان هذا الأخير يحيل على الابتهاج والسرور وفق ما هو متعارف عليه في أبجديات الحياة، فحال الأمر داخل الرواية يرى عكس ذلك؛ فليس كل رقص طربا، وكما يقول المتنبي:
لاَ تَحْسَبُوا رَقْصِي بَيْنَكُم طَرَبًا
فَالطَّيْرُ يَرْقُصُ مَذْبُوحًا مِنَ الْأَلَمِ
وقد ترجمت الكاتبة التصور نفسه بصدد الرقص بقولها: هل أدرك والده أن حفل الزفاف ذاك ورقصات العرس المهيجة للأجساد كانت تستدرجه لرقصة الموت”، وقولها أيضا: “لكن ما لم تحكه شهرزاد وما يقره المنطق هو أن الرقص على سطح لزج قد يؤدي إلى السقوط المميت.
بناء على ما سلف، يتضح لنا أن الموت بوصفه فكرة وجودية قد تعددت تجلياته، وتشكله داخل رواية “رائحة الموت”، ولعل ما ذكرناه آنفا لا يمثل سوى نزر يسير من التشكلات الكثيرة التي عكست من خلالها الكاتبة تصورها الخاص للموت، وهو تصور استندت فيه على قدرتها التخيلية لتنبش في مختلف تجليات هذه الفكرة الغامضة (الموت)، وتبحث في حياة ما بعد الموت.
وعلى سبيل الختم نبسط جملة من الأسئلة، ما دام السؤال هو محور زاوية كل قراءة، وهي أسئلة لا نبتغي تحصيل إجابات لها أكثر مما نرمي من خلالها استفزاز أذهان القراء بغية الوقوف عند هذه الرواية، ومحاولة قراءتها بعيون متعددة، ومن زوايا مختلفة، ونذكر من بين هذه الأسئلة على سبيل المثال لا الحصر:
لماذا اختارت الأديبة أن تتحدث عن الموت بصوت ذكوري، في حين أن الصورة التي يتضمنها الغلاف تحيل على أنثى !فهل الموت أنثى؟
وما معنى أن يظل صوت بلقايد قائما حتى بعد موته، وهو الظالم والمتجبر، ويطال الموت سبطه النكرة، الذي عاش بهوية جده؟
وما الداعي إلى اعتماد الكاتبة ليلة مهيدرة أسلوب تداخل الروايات وتعدد الأصوات حتى على مستوى السرد؟.