
الحوار من داخل السودان… بين رسوخ التأسيس وهشاشة الهدنة
(قراءة في خطاب عيد الاضحى للرئيس البرهان)
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
جاءت كلمة السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بمناسبة عيد الأضحى المبارك في لحظةٍ استثنائية ومهمة في تاريخ السودان؛ لحظةٍ تتقاطع فيها وقائع الميدان مع أسئلة السياسة، وتتجاور فيها مشاعر العيد مع أعباء الحرب، بينما تقف البلاد عند عتبةٍ دقيقة بين استكمال معركة البقاء الوطني، والبحث عن معادلةٍ تؤسس لما بعدها.
ولذلك لم تكن الكلمة—في بعض مضامينها—مجرد خطاب معايدة أو رسالة تعبئة معنوية، بقدر ما حملت إشاراتٍ سياسية تستحق الوقوف عندها، خاصة الجزء المتعلق بالدعوة إلى «حوار سياسي شامل» يُعقد داخل السودان، ويشارك فيه من وصفهم الخطاب بـ«أصحاب الوجعة»، مع رفضٍ واضح لفرض الحلول من الخارج أو الارتهان لمؤتمرات العواصم.
وتتضاعف دلالة هذه الإشارة لأنها جاءت بعد أيام قليلة من مؤتمر القوى المدنية في نيروبي، وما أثاره من جدلٍ واسع حول مستقبل العملية السياسية، وطبيعة الأطراف المؤهلة للتحدث باسم السودان، وحدود الدور الخارجي في رسم ملامح التسوية القادمة. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بمؤتمرٍ بعينه، بقدر ما يرتبط بالصراع الأعمق حول من يملك حق تعريف الطريق إلى الدولة السودانية المقبلة.
لقد أظهرت سنوات الحرب والتجارب السابقة أن الأزمة السودانية تجاوزت كونها مجرد خلافٍ على السلطة أو تنافسٍ بين نخبٍ متنازعة؛ فهي أزمة ثقة عميقة بين الداخل والخارج، وبين المركز والهامش، وبين السلاح والسياسة، بل وحتى بين المجتمع ومؤسساته السياسية. وفي مثل هذه الأزمات، لا يصبح الحوار ترفًا سياسيًا، وإنما ضرورة وجودية لتجنب إعادة إنتاج الحرب بأدواتٍ أخرى.
غير أن الدعوة إلى الحوار، مهما كانت نواياها، لا تكتسب مشروعيتها من الإعلان عنها وحده، وإنما من طبيعة البيئة التي تُطرح فيها، ومن تعريف أطرافها، وضمانات عدالتها، ومقدار ما توفره من ثقةٍ بأن العملية السياسية ليست مجرد إعادة ترتيب لموازين القوة تحت لافتة جديدة.
وهنا تبرز أهمية ما ورد في خطاب البرهان من تأكيد أن الحوار سيتم داخل السودان، وأن الحكومة ستوفر ما يلزم لإنجاحه وتنفيذ مخرجاته. فهذه إشارة ذات دلالة؛ لأن كثيرًا من الحوارات خلال العقود الأخيرة تحولت—بفعل ضعف الإرادة الوطنية أو تضارب المصالح—إلى منصاتٍ تُدار خارج المجال الوطني أكثر مما تُدار داخله، حتى بدا أحيانًا وكأن السودانيين يتلقون وصفات الحل أكثر مما يصنعونها.
لكن رفض «حوارات العواصم» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رفضًا للعالم أو إغلاقًا للأبواب أمام المجتمعين الإقليمي والدولي. فالسودان ليس جزيرةً معزولة، والحروب الحديثة لا تُدار داخل الحدود فقط، كما أن إعادة الإعمار والاستقرار والسلام تحتاج إلى شراكاتٍ ودعمٍ ومساندة. الفارق الجوهري ليس بين الداخل والخارج، وإنما بين الدعم الذي يساند القرار الوطني، والتدخل الذي يصادره.
والحقيقة التي ينبغي عدم تجاوزها أن أي حوار وطني حقيقي لن ينجح إذا تأسس على منطق الإقصاء الواسع أو محاولة إنتاج غالبٍ سياسي مطلق تحت تأثير الغلبة العسكرية أو الاصطفاف الأيديولوجي. فالحروب قد تحسم مواقع ميدانية، لكنها لا تبني وحدها عقدًا وطنيًا دائمًا، والتاريخ السوداني يقدم شواهد متكررة على أن التسويات التي تُبنى على الاستبعاد، سرعان ما تعود لتفتح أبواب أزمة جديدة.
وهنا تصبح عبارة «أصحاب الوجعة» التي وردت في الخطاب عبارةً تستحق تدقيقًا سياسيًا لا لغويًا. فمن يحمل وجعة السودان ليس فقط من يوافق السلطة أو يساند المسار القائم، وإنما كل من يحمل همّ الوطن—مع الاختلاف السياسي المشروع—ما دام غير متورطٍ في الدم أو العدوان على الدولة والمجتمع. فالتعريف الضيق قد يحوّل الحوار إلى اجتماعٍ سياسي محدود، بينما التعريف الوطني الواسع وحده هو ما يمنحه فرصة التحول إلى مسارٍ تأسيسي مختلف.
الفكرة المحورية هنا أن السودان لا يحتاج إلى «حوار انتصار»، بل إلى «حوار تأسيس». وهو فرقٌ بالغ الأهمية؛ لأن حوار الانتصار يسعى غالبًا إلى تثبيت موازين القوة بعد الحرب، بينما حوار التأسيس يسعى إلى إعادة بناء الدولة على قواعد تمنع الحرب التالية.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو الدعوة إلى الحوار مجرد خطوةٍ في إدارة المشهد السياسي الآني، بل مشروعًا يتصل ببناء الشرعية الوطنية نفسها. فالثقة العامة لا تُصنع بالشعارات ولا بإعلانات النوايا، وإنما بوضوح المعايير، وشفافية المسار، والالتزام المسبق باحترام النتائج، والاطمئنان إلى أن العملية السياسية ليست مجرد إعادة ترتيب لموازين القوة أو توزيعٍ جديد للأدوار تحت لافتات مختلفة.
وفي الوقت نفسه، تبدو ضرورة الفصل بين المعركة العسكرية ضد التمرد وبين إدارة المجال السياسي الوطني مسألةً لا غنى عنها؛ فالحروب قد تفرض إيقاعها على الدولة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى اللغة الوحيدة التي تُدار بها السياسة. فنجاح الجيش في أداء واجبه الأمني لا يُغني عن الحاجة إلى عملية سياسية رشيدة، كما أن السياسة نفسها تفقد قدرتها على البناء حين تُدار بمنطق التعبئة العسكرية أو اصطفافات الحرب.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن تُعطى الأولوية لتخفيف معاناة الناس وإعادة الخدمات وإسناد الاستقرار المحلي، وأن تظل معاناة المواطنين في قلب أي مسارٍ سياسي قادم؛ لأن المواطن الذي أثقلته الحرب والجوع والنزوح وضيق المعاش لا يقيس الخطابات ببلاغتها بقدر ما يقيسها بقدرتها على ملامسة حياته اليومية، وبما تمنحه له من إشاراتٍ تعيد إليه الإحساس بأن الدولة ما تزال معنية بحمايته وخدمته.
أما الحقيقة الأهم، وربما الأكثر إلحاحًا، فهي أن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة الدولة لا شجاعة المواقع؛ فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بالقدرة على الحسم، بل كذلك بالقدرة على الانتقال من ضرورات الحرب إلى مقتضيات البناء، ومن لغة التعبئة إلى لغة الدولة.
لقد جاءت كلمة العيد حاملةً أكثر من رسالة، لكن أكثر ما سيبقى منها في ذاكرة السياسة السودانية ليس عبارات التهنئة أو التعبئة، وإنما ذلك الباب الذي فُتح باسم الحوار. فالعبرة ليست في إعلان الدعوة بحد ذاته، وإنما في الكيفية التي ستُصاغ بها، ومدى قدرتها على أن تتحول إلى طريقٍ يقود إلى وطنٍ أقل انقسامًا وأكثر عدالةً واستقرارًا.
فالسودان، بعد هذه الحرب الطويلة، لا يحتاج فقط إلى وقف النزيف… بل إلى اتفاقٍ عميق على شكل وملامح الجسد الذي ينبغي أن ينهض بعده. ذلك أن وقف الحرب قد يصنع هدنة، أما الاتفاق على الدولة فهو وحده ما يصنع المستقبل.
الخميس 28 مايو 2026م