آخر الأخبار

مصطفى ابوالعزائم يكتب.. ماذا لو تمسك الفريق (عبود) بالحكم والرئاسة ؟

بُعْدٌ .. و .. مسَافَة..  مصطفى ابوالعزائم يكتب..

*قبل أيام وبعد نشر مقالنا عن سنوات حكم الفريق إبراهيم عبود الست، وما تم فيها من إنجازات، سألني أحد أبنائنا الشباب هنا في القاهرة، ما الذي كان سيحدث إذا تمسك الفريق إبراهيم عبود بالسلطة ولم يتنازل عن الحكم ؟

*قلت لذلك الإبن المهتم بمعرفة الأحداث السياسية في السودان، أنني لم أعش تفاصيل ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م، إذ كنت وقتها طفلاً غريراً لم يبلغ الثامنة من عمره بعد، لكن حالة التغيير في حركة الشارع والتظاهرات المستمرة ما زالت صورتها راسخة في الذاكرة … وزاد تلك الصورة رسوخاً أن البيئة التي عشتها كانت تُحتّم علي أن أنفعل مع الأحداث الكبرى في البلاد ، وأن تظل تلك الثورة الشعبية أعظم حدث سياسي أقابله حتى تلك اللحظة ، لكن مع مرور الوقت وإزدياد الوعي والإهتمام بالشأن العام والإنغماس عاماً بعد عام في أمور السياسة والتأثر بها ، إضافة إلى إنشغال حقيقي وإهتمام زائد بمراقبة المشهد السياسي ، ومحاولات قراءة التاريخ ، وتفسير الأحداث وفق معطيات عصر وقوع الحدث ، وجدت نفسي مهتماً بذلك الحدث الكبير فالتقيت بكثير من صنّاعِه وأجريت معهم الحوارات القصيرة والمطولة بحثاً عن الحقيقة من أوجهها المتعددة.

*وقلت له أنه وخلال مسيرة طويلة في العمل الصحفي إمتدت لعقود ، ظل فيها كاتب هذه المادة قريباً من مسرح الأحداث، ومن صناعها، يمكن أن يخرج بنتيجة قد تقيم عليه الدنيا ولا تقعدها، وهي أن ثورة أكتوبر لم تكن إلا استغلالاً من السياسيين للطاقات الشعبية وتحويلها إلى طاقات سالبة في مواجهة نظام حكم الرئيس الفريق إبراهيم عبود وصحبه الأبرار، وإستغلال أحداث التمرد في جنوب السودان (القديم) والتباكي على إستخدام السلاح في مواجهة التمرد والمتمردين، ثم تحريك النقابات المُسيّسة للإضراب عن العمل، خاصة نقابة السكة الحديد التي كانت عصب الحياة وشريانها في البلاد.

*إذا ما قمنا بدراسة للواقع السوداني في ذلك الوقت، نجد أن (نظام العساكر) ذاك حقق خلال ستة أعوام ما عجزت عن تحقيقه كل الأنظمة الديمقراطية طوال سني حكمها، بدءاً من الطرق الداخلية ثم طريق مدني الخرطوم، فمصانع السُّكر في الجنيد وخشم القربة وغيرها إلى جانب إنشاء عدد من الكباري النيلية والنهرية وتأسيس الخطوط البحرية السودانية ومصانع تعليب الفواكه وتجفيفها ، والتعاون مع كل العالم من خلال زيارات مشهودة للفريق عبود حتى أن مغنيي ذلك الزمان تغنوا له ب(بلبل طار وغنّى يحكي للعالم عنّا) ، لكن الذي يؤخذ على نظام الفريق عبود – رحمه الله – تمثل في محاربته الشرسة ووقفته الصلبة في مواجهة من كانوا وراء التمرد ، تحديداً مجلس الكنائس العالمي الذي سعى إلى تنفيذ أكبر حملة تنصيرية في أفريقيا بجنوب السودان ، لوقف زحف الإسلام وتغلغله في القارة السمراء عبر بوابة السودان الجنوبية، لذلك تحرك الغرب ضد النظام وحرّك حلفاء الداخل بعلمهم أو بدونه ليكونوا مخلباً له للقضاء على هذا النظام (المزعج)، رغم أنه لم يأتِ للسلطة عبر إنقلاب تقليدي، فقد ثبت أن أكبر كتلتين سياسيتين وهما حزب الأمة والحزب الوطني الإتحادي وبقيادة راعيي الطائفتين الدينيتين الأكبر في ذلك الوقت السيد الإمام عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني كانوا جميعاً وراء حث الجيش في أعلى مستوياته لتسلم السلطة وتجنيب البلاد الانزلاق في أبشع أنواع الصراعات السياسية.

ربما تكون أكبر أخطاء نظام الفريق إبراهيم عبود ورفاقه الكرام – رحمهم الله – هو قصور رؤيتهم السياسية وعدم وجود رغبة سابقة لديهم في الحكم ، وهو ما صرفهم عن التفكير في بناء نظام سياسي قوي يقوم على أرضية شعبية من خلال تنظيم سياسي ، أسوةً بما كان يحدث في كثير من الدول التي تحدث فيها تحولات عقب الانقلابات العسكرية ، هذه واحدة.

*أما الثانية فهي عدم الإلتفات إلى النقابات والإدارات الأهلية لكسب ودها حتى تكون سنداً للنظام أمام التحديات التي تواجهه، أو أمام المواجهات الحزبية المحتملة، أما الثالثة فقد تمثّلت في أن النظام لم يحفل بالذين حاولوا أن يستغلوه من تحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، مثل عدم إهتمامه بمشاركة الشيوعيين في المجلس المركزي الذي كونه النظام ليكون بديلاً للمجالس النيابية أو البرلمان.

*يؤخذ على نظام الفريق إبراهيم عبود وصحبه الأبرار – رحمهم الله – تنازلهم عن أراضٍ سودانية تاريخية ومدن مأهولة لصالح بناء السد العالي في مصر، وهذا هو ما إستغله خصوم النظام، وطرقوا عليه كثيراً وعبأوا الناس ضدهم فإمتدت المظاهرات لتشمل كل البلاد ولم يكلّف النظام نفسه تقديم شروحات منطقية ومقنعة لذلك العمل، مما عمّق الإحساس لدى العامة بأن الإنفراد بإتخاذ القرار هو سمة أساسية من سمات النظام ؛ وكان في إمكان النظام وقتها أن يسوق للفكرة تسويقاً يليق بالعلاقة بين الشعبين الشقيقين ويعكس ما يعود عليهما من منافع ، مثلما كان في إمكان النظام وقتها أن يشرك القوى المجتمعية في هذا الشأن لكنه لم يفعل ، وهو ما حُسب عليه لاحقاً ، وأصبح خصماً عليه لا إضافة له.

*إبتعاد السياسيين المحترفين المتفرغين للعمل السياسي عن مقاعد الحكم ونهمهم للسلطة ، مع تحريك خارجي لبعضهم إضافة إلى أحلام أحزاب جديدة ووليدة بالوصول إلى مقاعد الحكم لتنفيذ برنامجها السياسي أو حتى لإبراز حجمها المتنامي ، مقابل تقاصر قامات الأحزاب السياسية التقليدية الأخرى أمامها ، جعل قادتها يتحركون ليكونوا في مقدمة دعاة التغيير وقادته ، والدكتور حسن الترابي – رحمه الله – نموذجاً ، بينما تحرك الشيوعيون لضرب النظام الذي لم يحفل بهم وللإنتقام من القوى التقليدية التي ناصبتهم العداء ، وللوقوف أمام القوة السياسية الجديدة المتنامية المتمثلة في الحركة الإسلامية الحديثة الخارجة عن جماعة الإخوان المسلمين.

*قطعاً المساحة لن تكفي لتحليل الدوافع والأسباب التي أدت إلى الإطاحة بالفريق إبراهيم عبود وصحبه الميامين رحمهم الله، ولكننا نعيد طرح ذات السؤال المهم وهو : (ماذا لو رفض الفريق عبود التنازل عن الحكم؟) كان يمكن أن يحدث ذلك لو أنه كان طامعاً حقيقياً في السلطة، وربما أصدر البيانات التي يبرر بها فعلته تلك، وربما بقي في السلطة حاكماً بأمره إلى أن يلقى ربه .. لكن المؤكد أنه لو فعل ذلك ما كان سيجد من يهتف له (ضيعناك وضعنا وراك يا عبود).

*رحم الله الفريق إبراهيم عبود وصحبه الكرام أعضاء المجلس العسكري الأعلى وكل أركان نظامه المشهود لهم بنظافة اليد والذمة واللسان.

//////////////////////

كردفان… قلب السودان الإستراتيجي وحصن الثبات

د. ميمونة سعيد

*ليست كردفان مجرد إقليم يتوسط خارطة السودان، وإنما تمثل القلب الجغرافي والإستراتيجي الذي تتقاطع عنده طرق البلاد، وتلتقي فيه أقاليمها المختلفة.. فمن يقرأ تاريخ السودان بعين الجغرافيا، يدرك أن استقرار كردفان لم يكن يومًا قضية تخص أهلها وحدهم، بل كان دائمًا عاملًا مؤثرًا في استقرار الدولة السودانية بأكملها.. ولذلك ظلت كردفان تحظى باهتمام القيادات الوطنية عبر مختلف الحقب، لأنها تمثل عقد السودان الذي تنتظم فيه أطراف الوطن، وأي اضطراب يصيب هذا العقد ينعكس بصورة مباشرة على مجمل الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

*لقد منحت الطبيعة كردفان موقعًا فريدًا جعلها بوابة تربط غرب السودان بشرقه، وشماله بجنوبه، فكانت عبر التاريخ ممرًا للقوافل التجارية القادمة من عمق إفريقيا نحو وادي النيل والبحر الأحمر. ولم يكن هذا الموقع مجرد ميزة جغرافية، بل تحول إلى قيمة إستراتيجية جعلت الإقليم يحتل مكانة محورية في حركة التجارة والاتصالات والإمداد، وأسهم في بناء مجتمع متنوع عرف التعايش والتكامل بين مختلف مكوناته، حتى أصبحت كردفان صورة مصغرة للسودان في تنوعه ووحدته.

*ومن الناحية التاريخية، ارتبط اسم كردفان بالمحطات الوطنية الكبرى التي صنعت تاريخ السودان. فقد كانت أرضًا لمعارك الثورة المهدية بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي، ومنها خرجت جيوش غيرت مسار التاريخ السوداني، بينما أصبحت مدينة الأبيض عاصمة لذلك الاقليم، ومركزًا سياسيًا وعسكريًا وإداريًا في تلك المرحلة. ومنذ ذلك الوقت، ارتبطت كردفان في الذاكرة الوطنية بمعاني التضحية والثبات والدفاع عن الوطن، وظلت تقدم أبناءها في مختلف مراحل بناء الدولة السودانية.

*ولا تقتصر أهمية كردفان على بعدها التاريخي، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي، فهي من أغنى أقاليم السودان بالموارد الطبيعية. ففيها تنتج النسبة الأكبر من الصمغ العربي الذي يحتل السودان به موقعًا متقدمًا عالميًا، كما تضم ثروة حيوانية ضخمة، وأراضي زراعية واسعة، إضافة إلى موارد معدنية واعدة.. ولذلك فإن استقرار كردفان لا يخدم الإقليم وحده، بل يمثل ركيزة للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، ويشكل عنصرًا مهمًا في دعم التنمية الشاملة.

*أما من الناحية الإستراتيجية والعملياتية، فإن أهمية كردفان تتجاوز حدودها الإدارية، إذ تشكل مركزًا حيويًا لخطوط الحركة والربط بين ولايات السودان المختلفة، وتمثل عقدة مواصلات رئيسة تصل بين الغرب والوسط والشمال والجنوب.. كما أن طبيعة أراضيها وشبكة طرقها تجعلها ذات أهمية كبيرة في حركة الإمداد والنقل والاتصالات، وهو ما يفسر الاهتمام المستمر بها في مختلف المراحل.. ولهذا فإن استقرار كردفان يعزز تماسك الدولة، بينما ينعكس أي اضطراب فيها على نطاق أوسع من حدود الإقليم.

*واليوم، تواجه كردفان تحديات كبيرة فرضتها الحرب التي ألقت بظلالها على حياة المواطنين، وأثرت في النشاط الاقتصادي والخدمات العامة وحركة التجارة.. ومع ذلك، فإن هذا الإقليم ما زال يجسد صورة الإنسان السوداني القادر على الصمود، حيث واصل المزارعون زراعة أراضيهم كلما سنحت الظروف، وحافظ الرعاة على نشاطهم، واستمرت المجتمعات المحلية في التكاتف والتعاون لتجاوز آثار الأزمة، في مشهد يعكس عمق الانتماء للأرض والإيمان بالمستقبل.

*ولعل ما يميز كردفان أكثر من غيرها هو أن إنسانها ظل، عبر التاريخ، مصدر قوتها الحقيقي. فقد عُرف أبناء الإقليم بالشجاعة والكرم والصبر والعمل، وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع في مختلف المجالات.. كما أن النسيج الاجتماعي المتماسك الذي يجمع قبائل ومكونات كردفان المختلفة ظل يمثل عنصرًا أساسيًا في قدرتها على تجاوز المحن، وترسيخ ثقافة التعايش والتعاون في أصعب الظروف.

*إن الاهتمام بكردفان ليس اهتمامًا بمنطقة جغرافية فحسب، بل هو اهتمام بركيزة من ركائز الدولة السودانية. فالإقليم يمثل قلب السودان النابض، ومركز ثقله الجغرافي والإستراتيجي، واستقراره ينعكس على استقرار البلاد بأسرها.. ولذلك فإن إعادة إعمار كردفان، وتطوير بنيتها التحتية، وتعزيز أمنها، ودعم اقتصادها، ليست قضايا محلية، وإنما أولويات وطنية تسهم في ترسيخ وحدة السودان وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات.

*وسيظل التاريخ شاهدًا على أن كردفان كانت، في كل منعطف، أرضًا للثبات والعطاء، وأنها كلما تعرضت لمحنة خرجت منها أكثر قوة وصلابة. فهي ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل هي عنوان للإرادة السودانية، ورمز لوطن قادر على النهوض مهما اشتدت الأزمات. وإذا كان الماضي قد منحها المجد، فإن الحاضر يؤكد أنها ما زالت تقف شامخة، وسيظل مستقبلها مرتبطًا بمستقبل السودان كله، لأنها بحق قلبه الإستراتيجي، وعقده الذي تنتظم به أوصال الوطن.

////////////////////////////

لماذا اختار مسعد بولس مجلس الأمن؟ قراءة في رسائل التوقيت والمنبر والأهداف

عمرو خان

*لم يكن الجدل الذي أثارته تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، متعلقًا فقط بمضمونها، وإنما بالسياق الذي صدرت فيه، والمنصة التي أُطلقت منها، والتوقيت الذي اختير بعناية ليضع السودان مجددًا في قلب نقاشات مجلس الأمن.

*فحين أعلن بولس أن مجلس السيادة السوداني رفض أحدث مسودة أمريكية لهدنة إنسانية، بدا وكأن واشنطن تقدم رواية مكتملة للمجتمع الدولي حول مسؤولية تعثر جهود وقف إطلاق النار.. لكن هذه الرواية لم تلبث أن اصطدمت برد رسمي سريع من وزارة الخارجية السودانية، التي نفت ما وصفته بعدم دقة تصريحات المسؤول الأمريكي، مؤكدة أن الخرطوم لم ترفض المبادرة، بل قدمت ردًا مكتوبًا ومفصلًا على المقترح الأمريكي ضمن قنوات التفاوض.

*هنا يبرز السؤال الأهم: لماذا اختار مسعد بولس إعلان هذا الموقف أمام مجلس الأمن تحديدًا، بدلًا من الاكتفاء بالقنوات الدبلوماسية المعتادة؟.

*في العمل الدبلوماسي، لا يقل اختيار المنبر أهمية عن مضمون الرسالة. فمجلس الأمن ليس منصة إعلامية، بل المؤسسة الدولية الأعلى المعنية بالسلم والأمن الدوليين، وكل ما يقال داخله يتحول إلى جزء من السجل السياسي الذي تستند إليه الدول والمنظمات في بناء مواقفها المستقبلية.

*لذلك، فإن الإعلان من داخل مجلس الأمن يمنح التصريح وزنًا سياسيًا وقانونيًا أكبر بكثير مما لو صدر في مؤتمر صحفي أو مقابلة إعلامية.. كما أنه يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الولايات المتحدة ترى أن تعثر جهود الهدنة يعود إلى موقف الحكومة السودانية، وليس فقط إلى تعقيدات الحرب أو مواقف الأطراف الأخرى.

*ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن التحركات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالملف السوداني. فالإدارة الأمريكية تسعى منذ أشهر إلى إعادة تنشيط مسار التفاوض، لكنها تواجه واقعًا ميدانيًا شديد التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والإقليمية.. وفي مثل هذه الظروف، قد تلجأ القوى الكبرى إلى استخدام التصريحات العلنية كوسيلة ضغط موازية للمفاوضات المغلقة، بهدف دفع الأطراف إلى تعديل مواقفها أو تقديم تنازلات.

*لكن اللافت في هذه الأزمة أن الخارجية السودانية لم تكتف برفض تصريحات بولس، بل قدمت رواية مغايرة بالكامل. فقد أكدت أن السودان سبق أن أبدى تعاونًا مع المبادرات الدولية، ووقع إعلان جدة، وشارك في جولات تفاوض متعددة، وأنه لم يغلق الباب أمام المبادرة الأمريكية، وإنما بعث بملاحظاته وردوده الرسمية عليها.

*وهذا التباين يفتح الباب أمام أكثر من احتمال. فقد يكون هناك اختلاف في تفسير الرد السوداني؛ إذ قد تعتبر واشنطن أن الرد يعادل الرفض، بينما ترى الخرطوم أنه يمثل جزءًا طبيعيًا من عملية التفاوض. كما قد يكون الأمر مرتبطًا برغبة الولايات المتحدة في ممارسة ضغط سياسي عبر الرأي العام الدولي، من خلال تحميل أحد الأطراف مسؤولية تعثر المسار التفاوضي.

*وفي جميع الأحوال، فإن النتيجة المباشرة لهذا التضارب هي خلق حالة من الارتباك في المشهد الدبلوماسي، إذ يجد المجتمع الدولي نفسه أمام روايتين متناقضتين تصدران عن طرفين منخرطين في الاتصالات نفسها.

*ومن زاوية أخرى، فإن توقيت التصريحات يحمل دلالات مهمة. فقد جاءت في مرحلة تشهد تصاعدًا في النقاشات الدولية حول مستقبل الأزمة السودانية، وتزايد الدعوات لإيجاد آلية أكثر فاعلية لمراقبة أي وقف لإطلاق النار، فضلًا عن الحديث الأمريكي عن فرض عقوبات إضافية على معرقلي السلام. وبالتالي، فإن تحميل الحكومة السودانية مسؤولية رفض الهدنة قد يسهم في تهيئة المناخ السياسي لأي خطوات أمريكية أو دولية لاحقة.

*غير أن هذا الأسلوب يحمل أيضًا مخاطر واضحة. فإعلان تفاصيل الخلافات التفاوضية على منصة دولية قد يؤدي إلى تقليص هامش الثقة بين الوسطاء والأطراف المتفاوضة، ويجعل أي تفاوض مستقبلي أكثر صعوبة، خاصة إذا شعر أحد الأطراف بأن مواقفه تُعرض للرأي العام الدولي بطريقة لا تعكس وجهة نظره كاملة.

*كما أن السودان، الذي سارع إلى إصدار بيان رسمي ينفي ما ورد على لسان بولس، يبدو حريصًا على حماية صورته أمام المجتمع الدولي، خشية أن تُرسخ رواية تعتبره الطرف الذي يعرقل جهود السلام، وهو ما قد تكون له انعكاسات سياسية ودبلوماسية في المستقبل.

*في النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: من قال الحقيقة؟ بل لماذا اختار كل طرف أن يقدم روايته بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت؟..فالسياسة الدولية لا تُدار فقط عبر المفاوضات المغلقة، وإنما أيضًا عبر إدارة الروايات.. ومن ينجح في تثبيت روايته أمام المجتمع الدولي، يمتلك في كثير من الأحيان أفضلية سياسية قد لا تقل أهمية عن أي مكسب يتحقق على طاولة التفاوض.

*ولهذا، فإن تصريحات مسعد بولس لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد وصف لموقف تفاوضي، بل باعتبارها رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، موجهة إلى الخرطوم، وإلى مجلس الأمن، وإلى القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوداني.. أما الرد السوداني، فقد عكس إدراكًا لأهمية معركة الرواية، وسعيًا لمنع تثبيت انطباع دولي بأن الحكومة رفضت مبادرة لم تؤكد، بحسب بيانها الرسمي، أنها رفضتها أصلًا

*وبين الروايتين، يبقى التحدي الحقيقي هو استعادة الثقة في العملية السياسية، لأن أي مسار تفاوضي لا يمكن أن ينجح إذا تحولت المنابر الدولية إلى ساحات لتبادل الاتهامات، بدلًا من أن تكون منصات لدعم فرص السلام. *كاتب صحفي مصري

//////////////////////////

أمواج ناعمة

د. ياسر محجوب الحسين

 

 

كامل إدريس: ظالم أم مظلوم؟

*بعد أكثر من عام كامل على تولي الدكتور كامل إدريس منصب رئيس الوزراء في 31 مايو 2025، لا يزال الواقع السوداني يردد صدى المثل الشعبي القاسي: (الحال ياهو الحال).. حرب مليشيا الدعم السريع الارهابية على البلاد، والأزمات الإنسانية تتعمق، والخدمات الأساسية تتآكل والجنيه يحتضر، فلم يظهر الرجل حتى الآن إنجازاً نوعياً يُحدث فارقاً ملموساً في حياة المواطنين.. لكن هل يجوز الحكم عليه بهذه السرعة وبضربة لازب، دون النظر في السياق المعقد الذي يتحرك فيه؟ هل هو ظالم، أم مظلوم بقيود السلطة ومتاهاتها؟.

*العمل في الجهاز التنفيذي لا يقبل النقد العادل إلا إذا توفرت سلطة حقيقية وصلاحيات كاملة.. فهل يمتلك كامل إدريس، الرجل المدني ذو الخلفية الدبلوماسية اللامعة، حرية الحركة الكاملة، أم أن هناك ممانعات سلطوية وخطوطاً حمراء تحول دون ذلك؟ لماذا نرى أحياناً رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يتصدر المشهد التنفيذي، خاصة في الملفات التي تجلب صيتاً شعبياً؟ هل يعجز إدريس عن المبادرة، أم تعيقه متطلبات الأمن والحماية والأذونات الروتينية التي تُفرغ أي تحرك من جدواه وتُبطئ وتيرته؟.

*والأسئلة لا تتوقف عند حدود الحركة اليومية.. هل استطاع إدريس تشكيل حكومته بإرادته الحرة الكاملة، أم فُرضت عليه أسماء بعينها تحمل ولاءات ومصالح معينة؟ كيف يتعامل رجل مدني مثله مع جنرالات في زي مدني، وأصحاب حواكير تحرسها قوة عسكرية غاشمة في كثير من الأحيان؟ داخلياً، يغرق السودان في تقاطعات السلطة والمصالح الضيقة ومراكز النفوذ المتشابكة، مما يجعل مهمة أي رئيس وزراء مدني أشبه بالسير على حبل مشدود فوق هاوية.

*أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي، فالسؤال أكثر إلحاحاً: هل حقق كامل إدريس أي اختراق يُشار إليه بالبنان؟ لماذا لم يتمكن حتى الآن من إعادة عضوية السودان المسلوبة في الاتحاد الأفريقي منذ تعليقها في أكتوبر 2021؟ رغم الجهود الدبلوماسية والخطابات في الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط مجلس الأمن، لا يزال التعليق قائماً حتى الآن ومع تعيين رئيس جديد لمفوضية الاتحاد يوصف بأنه متفهم للأوضاع في السودان؟ إذا عجز كامل عن تحقيق اختراق في الساحة الأفريقية – المجال الأقرب جغرافياً وثقافياً – فهل يُعقل أن يحقق اختراقاً أعمق في دوائر دبلوماسية أخرى؟

في النهاية، يظل الرجل أمام محك صعب: هل سيكون مجرد واجهة مدنية لسلطة عسكرية، أم سينجح في انتزاع مساحة حقيقية للقرار والإصلاح؟ النقد المبكر ضروري، لكن العدل يقتضي الاعتراف بأن الرجل يواجه عقبات هيكلية عميقة.. الشعب السوداني ينتظر أفعالاً لا كلمات، ونتائج لا وعوداً. فإما أن يثبت نفسه قائداً يصنع الفرق رغم القيود، أو يبقى شاهداً على استمرار (الحال ياهو الحال).. الزمن كفيل بالحكم، والتاريخ لا يرحم.

////////////////////////////

بالواضح

فتح الرحمن النحاس

قيادة الجيش في الموعد… البرهان يحسم إتجاه البوصلة

*كلما تراكمت أقاويل شتات المخذلين والمشككين (الأكلة) من قصعة موائد السوء (السواقط) أعداء الوطن والشعب، وكلما طفقوا يمارسون إختلاق الأكاذيب والشائعات لتتفشى نغمات (الإحباط والشكوك) بين الناس، وكلما ازداد (طفح) مجاريهم باللؤم و (الزبد).. جاءهم البرهان في (الموعد) وبين يديه (القول الفصل) الذي يربك حساباتهم (المغلوطة) فيجعل (بوصلة) الراهن الوطني تأخذ أتجاهها (الأصل الصحيح) الذي يعبر عن (إرادة) وطموحات الشعب و(عبقرية) جيش السودان في (مواجهة) كل أشكال التٱمر و(خبث) الخبث والخبائث، فقد دأب (سفهاء) التمرد وأذنابه العملاء على (تبخيس) معركة الكرامة ضد مليشيا التمرد كلما (انهالت) على رؤوسهم (الهزائم) في ظن منهم أن (تلوينهم) للحقائق على الارض يمكن أن يحقق لهم (تمييع) مواقف قيادة الدولة، فتأتيهم (طواعية) لموائد (التفاوض) الذي اتخذوا منه (حائط مبكى) وملجأ (يتنقلون) به بين (عواصم خارجية)، في أسوأ و(أضل) أسواق العمالة والإرتزاق والإبتزاز والدناءة و(البيع الرخيص) لوطن الشهداء والصبر والجسارة والشموخ والتأريخ والأرض الولود.

*وعندما يكون القول الفصل أمام المصلين وداخل مسجد، فهذا يعني أن (صدق المواقف) لدى قيادة الدولة والجيش، هو (عنوان) الراهن الوطني، وأن الحياد في الحرب (خذلان للحق)، فلا مناص من إستئصال التمرد، وأن الحديث عن التفاوض سابق لأوانه ويظل (بلاقيمة) قبل أن تتحقق رغبة الشعب في (الأقتصاص) من المجرمين، وذلك تأكيد من قائد الجيش للشعب بأن (الحساب) سيطال كل مجرم تسبب في سفك الدماء وارتكب من الفظائع ماهو (موثق) بالصوت والصورة…ثم لاتنازل عن (مهمة) الجيش العسكرية الوطنية في إكمال إستئصال التمرد، ثم ماتعنيه هذه المهمة من (رفض) الحلول الوسطية والرمادية التي تخرج من (فخ التفاوض)، تلك الخدعة التي تخفي وراءها (نوايا صناع) الحرب ومحاولاتهم (إنقاذ المليشيا) من مصيرها المحتوم، في ظن منهم أن قيادة الدولة لاتعي مثل هذه المساعي (الشيطانية)… التي يحاول أصحابها بعث (جيفة التمرد) ولكن هيهات.

*ثم يأتي ياسر العطا ليجدد على مسامع الشعب (القسم والوعد) ووعيده لكل المتٱمرين على السودان ويؤكد بأن (القضاء) على التمرد خيار لارجعة عنه ولا(تأخير) فيه، ويزف البشرى بأن (جحافل) فرسان الكرامة في كامل (العدة والتحفز) لإنطلاق المعركة الفاصلة التي (ستقصم) مابقي من ظهر التمرد وأذنابه وأن إكمال (تطهير) كردفان ودارفور من (رجسه)، أضحى على مرمى حجر…ولن تفيد التمرد (مسيراته العبثية) التي يظن إثماً أنها (ستجمد الحياة) في شرايين المناطق المستهدفة..(فخابت ظنونهم) فالنصر المؤزر يطرق الابواب ووقعه يطرب الأمة.

سنكتب ونكتب.

///////////////////////

قبل المغيب

عبدالملك النعيم أحمد

تصريحات الفريق أول ياسر العطا….لمن الشكوى؟

*يظل الفريق أول ركن ياسر العطا من القيادات العسكرية التي إتسمت بالوضوح والصراحة حتى إن تعارض ذلك مع وضعه عضوا بمجلس السيادة ومساعدا للقائد العام للقوات المسلحة أو وضعه الآن رئيساً لهيئة الأركان والذي يعتبر الآن المسؤول عن ادارة العمليات العسكرية والإشراف عليها مع مساعديه ومديري الوحدات العسكرية.

*فقد تحدث الفريق أول ركن ياسر العطا كثيرا ليس فقط عن ادارة معركة الكرامة والخطط العسكرية التي تم اعدادها لتحرير كل تراب الوطن من مليشيا آل دقلو المدعومة أماراتيا ولكن كثيرا ما كان يدلف للحديث عن الخدمة المدنية والجهاز التنفيذي للدولة لما فيه من مكبلات لا تساعد كثيرا على اتخاذ القرارات الصعبة والجريئة والتي تعتبر الذراع الأخرى للانتصارات العسكرية على أرض الميدان.

*فإدارة الشأن العام للدولة ممثلة في الجهاز التنفيذي بكل وزاراته وهيئاته ومؤسساته في نظر الفريق أول ركن ياسر العطا تحتاج للكثير من ادوات التقييم والمراجعة والتقويم حتى يتحقق الهدف النهائي ليس فقط تحرير البلاد من التمرد وانما اعادة الحياة المدنية والإلتفات إلى حاجة المواطن وتوفير الخدمات الضرورية التي يحتاجها وفوق ذلك إزالة العوائق التي تحول دون تحقيق ذلك وأولها العنصر البشري الذي يعمل في مؤسسات الدولة ويشكل حجر عثرة امام تحقيق الأهداف أو احداث التطور المطلوب في دولاب الدولة.

*يمكن تلخيص تصريحات الفريق أول ركن ياسر العطا والمبثوثة في عدد من الفيديوهات وظل يكررها كثيرا حتى في لقائه الأخير مع قيادة المدرعات في بث شكواه المستمر من سيطرة (الجنجويد) على العمل في عدد من مؤسسات الدولة وقد سماها صراحة ولم يصف من يعرقلون مسيرة العمل المدني بأي اسم آخر سوى (الجنجويد) مما يعني ان الفئة التي عناها لا يقف دور تأثيرها على العمل المدني في الجهاز التنفيذي انما يمتد للتواطؤ مع من يحملون السلاح من المتمردين وآل دقلو على ارض ميدان المعركة وهؤلاء اخطر على البلاد من غيرهم لما يمثلونه من عمالة مزدوجة تأكل في مائدة (معاوية) لأن طعامه أدسم وتصلي خلف (علي) لأن صلاته أسلم.

*فالفريق أول ياسر العطا بحكم خلفيته العسكرية ورئاسته لما عرفت بلجنة إزالة التمكين على ايام دكتور حمدوك والتي لم يكن حاضرا فيها أو فاعلاً ربما لأسباب لم يرد ذكرها ولكن الشاهد أنه ترك اللجنة للرئيس المناوب محمد الفكي وعضو البعث المحامي وجدي صاحب (اغاني واغاني) الاسبوعي مع الإعتذار للبرنامج وللراحل السر قدور ولكن جاءت التسمية من عرضه الاسبوعي الفج واطلاق الاتهامات والمحاكمات على الهواء مع تغيير النضارات لزوم تشويق المشاهد للعبث في تلك الايام في سلوك لا يقوم به دارس القانون في عامه الأول دع عنك من محامي مارس المهنة لسنوات وهذا حديث آخر.

*فواضح أن وجود الفريق أول ياسر العطا على رأس اللجنة جعلته يحدد تماما من هم الجنجويد الذين يسيطرون على الخدمة المدنية وتوزيعهم الجفرافي في مؤسسات الدولة فجاءت تصريحاته واضحة ومباشرة بأن الجنجويد موجودون في بنك السودان وفي ديوان النائب العام وفي بعض البنوك والوزارات والشركات وحتى في الإعلام ربما قال ذلك لأن سيطرة المتمرد الهالك حميدتي على الإقتصاد القومي في فترة حمدوك الذي تنازل لحميدتي طواعية لرئاسة اللجنة رغم تخصصه في الإقتصاد الزراعي لكنه الضعف والتماهي مع التمرد قبل ان يتمرد ربما سيطرة حميدتي على دولاب العمل في الدولة هي التي مكنت الجنجويد الذين ذكرهم الفريق أول العطا في مفاصل الدولة خاصة البنك المركزي الذي تم تغيير مديره فقط مع بقاء الآخرين من المساعدين موضع الاتهام في مواقعهم الي يومنا هذا.

*الفريق أول ركن ياسر العطا والذي كثيرا ما سمى دولة الامارات صراحة بأنها المعتدية والمتآمرة وإن قلت هذه الاتهامات المباشرة مؤخرا فإنه ليس غريبا عليه أن يسمي (جنجويد) الخدمة المدنية صراحة ويحدد مواقع عملهم وقبله أعلنها رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس في لقاء في القاهرة في احدى زياراته بقوله أن (الطابور الخامس) مازال متغلغل في مفاصل الدولة وأجهزتها.

*فإن كانت هذه قناعات وتصريحات من يديرون أمر الحكم في البلاد على المستوويين العسكري والمدني وظلوا يواصلون الشكوى من هذه العناصر التي أبطأت بسرعة ايقاع الجهاز التنفيذي بل تسببت في اضرار كثيرة للبلاد فالسؤال هو لمن يشتكي من يحمل في يده القلم؟ لمن يشتكي المسؤول والذي هو من يملك اتخاذ القرار؟ ولماذا هذا العجز والبطء في تنظيف الخدمة المدنية من الجنجويد والطابور الخامس؟.. فالذي يجب أن يشتكي هو المواطن الذي لا حول له ولا قوة.. أما أن يشتكي من بيده القرار.. فهذا ما يثير التعجب!.

* صحيح ان قياد الدولة تعمل عبر مؤسسات وصحيح ان لديها أجهزة مؤهلة لجمع المعلومات واثبات مثل هذه التصريحات ففي تقديري أنه متى ما ثبت ما قاله الفريق أول العطا او رئيس الوزراء وقطعا هي اتهامات صحيحة لمكانتهم في كابينة القيادة فالواجب هنا الإسراع في اتخاذ القرار وتنقية الخدمة المدنية من الشوائب حتى يتحقق الاستقرار المطلوب.