آخر الأخبار

مؤتمر ألمانيا…في لا مكان الحلّ

لمياء موسى

*تشكّل وعي الإنسان المعاصر عبر تراكمات تاريخية عميقة، حتى غدا وعيًا جمعيًا يتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء، ويشعر بالإنسان أينما كان.. ومع نضج هذا الوعي، لم يعد الاعتراف بالآخر أو مدّ يد العون إليه فعلًا عابرًا، بل قيمة إنسانية راسخة، تعكس إدراكًا متزايدًا بوحدة المصير، وبأن كرامة الإنسان حقٌّ لا تحدّه حدود ولا تقيّده انتماءات.

*في سياق حراكٍ دوليٍّ متواصل لاحتواء المأساة السودانية، احتضنت برلين المؤتمر الدولي الثالث حول السودان، بمشاركة واسعة تقودها ألمانيا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وشركائها الغربيين والإقليميين، من الدول والمنظمات التي واظبت على الحضور منذ انطلاق هذا المسار في باريس عام 2024، ثم لندن عام 2025، بما يعكس ثباتًا نسبيًا في البنية الدولية المنخرطة في الملف السوداني.

*ويأتي انعقاد المؤتمر في لحظةٍ فارقة، مع دخول الحرب عامها الرابع، حيث وصف الأمين العام للأمم المتحدة الذكرى الثالثة لاندلاعها بأنها محطة مأساوية، داعيًا إلى إنهاء هذا الكابوس الإنساني. ومن هذا المنطلق اكتسب اللقاء طابعًا إنسانيًا ضاغطًا، هدفه تدارك التدهور المتسارع في الأوضاع، عبر تنسيق جهود الإغاثة، إلى جانب دعم مسارات السلام الممكنة.
*شهد المؤتمر حضور قوى من شخصيات سودانية تمثل أطيافًا مدنية متعددة، إلى جانب ممثلين مستقلين، في محاولة لإبقاء الصوت المدني حاضرًا في معادلة البحث عن مخرجٍ سياسي يوقف النزيف، ويؤسس لأفقٍ أكثر استقرارًا في بلدٍ أنهكته الحرب.
*في المقاربة الألمانية الرسمية يتبدّى الخطاب محكومًا بواقعيةٍ حذرة.. فقد أكد وزير خارجية ألمانيا أن الهدف من المؤتمر لا يقتصر على إبقاء الأزمة السودانية في دائرة الضوء الدولي، بل يتجاوز ذلك إلى حشد تعهدات مالية ملموسة، مشددًا على أن حجم الكارثة لم يعد يحتمل الاكتفاء بالاهتمام، بل يفرض تحركًا عمليًا يتناسب مع فداحة المشهد.
*وفي السياق ذاته جاء الموقف الأمريكي ليعكس نزعةً براغماتية موازية؛ إذ أوضح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تنحاز لأي من أطراف الصراع، مركّزةً جهودها، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، على الدفع نحو إنهاء النزاع، والسعي إلى هدنة إنسانية تتيح انسياب المساعدات إلى الداخل السوداني.
*ضمن هذا الإطار يتكرّس المؤتمر بوصفه منصة إنسانية بالأساس، تُعنى بتعبئة الموارد المالية، بقدر ما تفتح حيزًا موازياً للقوى المدنية السودانية لبحث ملامح خريطة طريق سياسية لما بعد الحرب.. وهو توجه تعززه الرؤية الألمانية التي تسعى إلى إبقاء الملف حيًّا في الأجندة الدبلوماسية، مع دعم مسارٍ مدنيٍّ يقود إلى انتقال سياسي يستند إلى شرعية ديمقراطية، يحفظ وحدة السودان، ويهيئ الأرضية لنظامٍ جديد يتشكّل من رحم المعاناة، لا على أنقاضها.

*وعلى الرغم من الزخم الدولي الذي أحاط بالمؤتمر، لم يخلُ المشهد من اعتراضاتٍ حادة كشفت عن فجوةٍ عميقة بين الرؤية الدولية وموقف الداخل السوداني. فقد أُثير جدلٌ واسع حول غياب الحكومة السودانية عن طاولة الحوار، وهو ما اعتبرته السودان مساسًا بسيادتها وتجاوزًا لدورها كفاعلٍ أصيل في تحديد مسارات أزمتها.

*وفي هذا السياق صعّدت الخرطوم لهجتها إزاء ألمانيا، ملوّحةً بإعادة تقييم علاقاتها مع الدول المنظمة، فيما تقدّم سفيرها باحتجاج رسمي على مؤتمرٍ انعقد دون تمثيل حكومي، في خطوةٍ عكست حجم التوتر السياسي والدبلوماسي. وذهبت الحكومة أبعد من ذلك إذ وصفت الاستضافة بأنها تدخل غير مقبول في الشأن الداخلي، ورأت فيها امتدادًا لنهجٍ وصائي تستبطنه بعض القوى الغربية، تسعى من خلاله إلى فرض مقارباتها الخاصة على حساب الإرادة الوطنية.

*في المقابل لم تقتصر التحفظات على الموقف الرسمي، بل امتدت إلى أطرافٍ مدنية وسياسية سودانية، أعربت عن قلقها إزاء آلية الدعوة وتنظيم المشاركة.. فقد طُرحت تساؤلات حول معايير الاختيار ودرجة الشفافية، وسط اتهاماتٍ بانتقائية أفضت- بحسب هذه الأطراف- إلى تمثيلٍ غير متوازن، مالَ لصالح قوى تُتهم بالاقتراب من قوات الدعم السريع، مقابل تهميش تيارات أخرى تُعلن دعمها لمؤسسات الدولة.

*وبين هذا وذاك جاء موقف رئيس الوزراء السوداني حاسمًا في نفي أي صلة رسمية بالمؤتمر، مؤكدًا أن مخرجاته لا تعبّر عن الحكومة ولا عن الشعب، في إشارةٍ تعكس اتساع الهوة بين المبادرات الدولية والشرعية الوطنية، وتطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول جدوى مسارات تُصاغ خارج سياق التوافق الداخلي.
*أسفر المؤتمر عن مخرجاتٍ تعكس بوضوح طبيعة المقاربة الدولية التي تميل إلى الجمع بين الإغاثة الإنسانية والضغط السياسي، دون الانخراط المباشر في تفاصيل التسوية النهائية. فقد برزت التعهدات المالية، التي بلغت نحو 1.3 مليار يورو، بوصفها العنوان الأبرز، في إطار خطة استجابة إنسانية تستهدف الحدّ من تداعيات الأزمة المتفاقمة، ومحاولة احتواء الانهيار المعيشي الذي يطوّق المدنيين.


*إلى جانب ذلك طُرحت ملامح آلية دولية جديدة يُراد لها أن تُنسّق الضغوط الدبلوماسية على أطراف النزاع، بما يفضي- نظريًا- إلى تهيئة بيئة أكثر قابلية لوقف القتال.. وقد تجسّد هذا التوجه في وثيقة ختامية شددت على أولوية إنهاء الحرب، وتعزيز العمل الإنساني، باعتبارهما مدخلين لا غنى عنهما لأي مسار سياسي لاحق.
*ومن أبرز الجوانب الإيجابية للمؤتمر بحسب بعض المحللين إفساح المجال لصوت المجتمع المدني السوداني، بعد طول تهميش في مسارات الحل. حيث أفرزت مداولات الفاعلين المدنيين تصوّرًا أوليًا لعملية سياسية تستهدف بلوغ سلامٍ مستدام، قائم على إعادة تنظيم الجهد الإنساني وتكثيف الضغط الدولي بصورة أكثر انتظامًا على القوى العسكرية المتصارعة. ويكشف هذا الطرح عن محاولة لبناء إطار سياسي مستقبلي يتدرّج من التهدئة إلى التفاوض، بحيث تُمهَّد الأرضية لحوارٍ عسكري–سياسي قد يشكّل، إن توافرت شروطه، مدخلًا لإنهاء النزاع وإعادة تشكيل الدولة على أسسٍ أكثر استقرارًا
*بينما تكشف قراءةٌ متأنية لمسار المؤتمر وحدوده عن معضلةٍ بنيوية في مقاربته؛ إذ تحرّك ضمن فضاء الدبلوماسية والتمويل، مع إسنادٍ نظري لمسارٍ مدني، بينما ظلّ جوهر الحرب نفسه خارج نطاق المعالجة. لقد دار الجهد الدولي في الهوامش الممكنة، حيث الإغاثة وتنسيق الضغوط.
*انعقد في ظل انقسامٍ حاد حول شرعية التمثيل، ما أضعف قدرته على إنتاج رؤيةٍ جامعة.. وبذلك بدت برلين أقرب إلى منصةٍ لتخفيف آثار الحرب، لا ساحةً قادرة على فرض نهايتها. فالمداولات لم تنفذ إلى آليات إطفاء النزاع، بل انتهت إلى وثيقةٍ تُبشّر بمسارٍ مدني دون أن تُفصح عن أدوات تحقيقه على الأرض، في حين أن تدفّق المساعدات- على أهميته- لا يرقى بذاته إلى وقف القتال. إلى جانب ذلك بقيت التعهدات المالية وعودًا بلا آليات تنفيذ واضحة، ما يثير الشك في تحولها إلى أثر ملموس، خاصة في ظل سجل دولي حافل بتعهدات لم تُترجم إلى واقع.
*ويزداد المشهد تعقيدًا مع الجدل الدائر حول القوى المدعوة، إذ تُثار تساؤلاتٌ جدية بشأن مدى تمثيلها الحقيقي للسودانيين، خاصة في ظل افتقارها إلى نفوذٍ ميداني يُمكّنها من ترجمة الطروحات السياسية إلى وقائع ملموسة. وهو ما يعكس في جوهره طبيعة المؤتمر كإطارٍ دولي لإعادة هندسة المجال السياسي، أكثر منه آليةً فاعلة لإنهاء الحرب.
*كما أضعف رفض الحكومة السودانية للمؤتمر أثره، إذ جعله يبدو منفصلًا عن الداخل، محدود القدرة على التنفيذ. وعليه تبدو فرص النجاح محدودة في ظل غياب أطراف الصراع، وتضارب المصالح الدولية والإقليمية، وهشاشة الحضور المدني على الأرض. ويغدو التخوّف مشروعًا من أن يتحوّل هذا المسار إلى منصةٍ لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة، بدلًا من معالجة جذور الأزمة السودانية، بما قد يجعل الخاسر الأكبر هم السودانيين أنفسهم.
أما البيان الختامي فقد جاء محمّلًا بعباراتٍ عامة- وقفٌ فوري لإطلاق النار، ومسارٌ سياسي، وتمكينٌ للمدنيين، وحفاظٌ على وحدة البلاد- غير أنه خلا من آلياتٍ واضحة لتحقيق هذه الأهداف.. وهنا تتجلّى فجوةٌ عميقة بين طموح النصوص وواقع التنفيذ، تضع علامات استفهامٍ جدّية حول جدوى هذا المسار في غياب أدوات الإلزام وقوة التأثير.

*لم يكن المؤتمر فشلًا محضًا كما لم يرتقِ إلى مستوى النجاح الذي تفرضه مأساة السودان وتعقيداتها.. لقد بدا أشبه بمحاولة جادة لكنها محدودة الأثر، وُضعت في مواجهة أزمة أعمق من أن تُحتوى داخل قاعة واحدة أو تُختزل في بيان ختامي. ومن هنا فإن تقييمه لا ينبغي أن يقف عند ما تحقق، بل يمتد إلى ما كان يمكن أن يكون.
*وهو الحضور الحقيقي للأطراف المتحاربة، أو على الأقل التزام واضح منها بمخرجاته.. فالمؤتمرات التي تُعقد في غياب الفاعلين الأساسيين تظل، مهما حسُنت نواياها، مجرد منصات خطابية لا تملك أدوات التحول إلى واقع. إن أي مسار سياسي لا يستند إلى موافقة ضمنية أو صريحة من أطراف الصراع يبقى معلقًا في فضاء التمنيات.
*ثم يأتي الخلل في الفصل بين الإغاثة والحل السياسي. فالمساعدات الإنسانية، على ضرورتها الأخلاقية، قد تتحول – إذا عُزلت عن سياقها السياسي – إلى مسكنات تُطيل أمد الأزمة بدل أن تعالج جذورها. كان من الأجدى أن يُربط الدعم المالي بشروط واضحة: وقف إطلاق نار ملزم، فتح ممرات إنسانية آمنة، والدخول في مسار تفاوضي جاد. عندها فقط يتحول المال من أداة إنقاذ مؤقت إلى وسيلة ضغط تدفع نحو تسوية حقيقية.
*كما أن غياب آليات التنفيذ والمحاسبة أفرغ المخرجات من مضمونها العملي. فالقرارات، مهما بدت متماسكة على الورق، تحتاج إلى بنية تضمن تطبيقها: لجنة متابعة دولية، جدول زمني محدد، تقارير دورية شفافة، وإجراءات عقابية بحق من يعرقل. بدون هذه الركائز تتحول النتائج إلى وعود حسنة الصياغة لكنها فاقدة للأثر.
*ولا يمكن إغفال أثر الانقسام الدولي الذي ظل عاملًا خفيًا يُضعف أي جهد جماعي. فحين تتباين مواقف القوى المؤثرة وتتضارب مصالحها تُمنح أطراف الصراع مساحة أوسع للمناورة وإطالة أمد المواجهة. كان المطلوب موقفًا أكثر تنسيقًا يبعث برسالة حازمة وموحدة، تُغلق أبواب الالتفاف وتفرض جدية الانخراط في الحل.
*وفي قلب كل ذلك يبرز الدور الغائب أو المُهمَّش للقوى المدنية السودانية. لم يكن كافيًا أن تُدعى للحضور بوصفها شاهدًا، بل كان ينبغي أن تكون شريكًا أصيلًا في صياغة الحل، مدعومًا سياسيًا ومحمياً من الإقصاء في المرحلة اللاحقة.. فهذه القوى، بما تحمله من تطلعات المجتمع، تمثل الضامن الحقيقي لأي انتقال مستدام.
*وأخيرًا فإن المؤتمر – في بنيته – افتقر إلى أن يكون بداية لمسار لا محطة عابرة.. إذ إن الأزمات الممتدة لا تُحل بجلسة واحدة، بل بسلسلة متصلة من التفاوض تُبنى حلقاتها على نتائج ملموسة، وتُضبط بإيقاع زمني واضح يربط كل جولة بما سبقها ويمهد لما يليها.
*هكذا كان يمكن للمؤتمر أن يتجاوز حدوده الرمزية ليصبح أداة فاعلة في مسار الحل.. فنجاح مثل هذه المبادرات لا يُقاس بما يُقال فيها، بل بما تُحدثه من تحولات على الأرض؛ هناك فقط تُختبر النيات، ويُكتب للتوافق أن يكون واقعًا لا مجرد احتمال.

* كاتبة مصرية مقيمة في لندن