آخر الأخبار

رب ضارة نافعة

همس الواقع

ابتهاج العريفي

 

*(إن من السموم الناقعات دواء)،كانما عنانا بها أمير الشعراء أحمد شوقي، وكانما صور شوقي بعض حالنا مع النزوح واللجوء، وما تحقق لنا من فتوحات ومنافع ما كان لها أن تكتسب لولا ذاك النزوح بسبب

سم (الحرب) النقوع

. وهي في البدن نتاح

*ومن ذلك تحفظ الذاكرة الكثير من القصص والحكايات والصور التي سكنت الروح قبل الخيال والتي يحتاج وصفها لريشة فنان، او شاعر يمتلك البيان، والتي كانت لنا دواء.

*لا أتحدث هنا عن الزيجات التي تمت والمصاهرة بين عديد من الأسر التي ما كان لها ان تلتقي وتتعارف لولا النزوح.

*ولا أتحدث  عن تمازج واختلاط اللهجات السودانية المختلفة، والثقافات الغذائية  والعادات والتقاليد التي تختلف من منطقة لأخرى، كانت غائبة عن كثيرين لولا النزوح.

*فقد كفاني عن كل ذلك، مشاهد وحدة الشعب وتماسكه، ومعرفة الكثيرين منه بمناطق جديدة عليهم لم يسمعوا من قبل حتى باسمها، تعلم اهل الشرق لهجة اهل الغرب، وعاش أهل الوسط حياة أهل الشمال، واصبح كل ما كان خافيا عن قرى وفرقان ومدن، معلوما لدى الجميع ، فبات كل السودان  كتابا مفتوحا لكل أهله، ولسان الحال يترنم مع العطبراوي:

كل أجزائه لنا وطن

إذ نباهي به ونفتتن

نتغنى بحسنه أبدا

لا يروقنا غيره حسن.

*نعم تحقق ذلك، بذاك النزوح، وأيضا عودة الكثيرين للجذور، وتعرف الكثير من الأجيال على أرض الأجداد، بعد أن عز عليهم المزار، ولولا الحرب لما زاروها ولما عرفوا شيئا عن ارض (الجدود)

*اما عن منافع اللجوء رغم مرارته ،فتلك حكايات وروايات فشلت في كتابة فصولها السفارات، فقد رأينا وعايشنا تفاعل الشعوب مع الثقافة السودانية في مصر والخليج وغيرها من دول، وقفت تلك الشعوب على أدق تفاصيل الحياة السودانية، من ثقافة الغذاء والعادات والتقاليد ومنتجات نسائية، روائح خاصة  وغيرها، غناء وموسيقى،(دلوكة).. وردي وعركي

نحنا القدرنا على التعب

حرقتنا ألسنة اللهب

ولسة ماسكين الدرب

يا صاحية في الزمن الصعب.

*نتابع يوميا منصات التواصل الإجتماعي إحتفاء تلك الشعوب بالغناء السوداني والأصالة السودانية، و(يا زول) نداء يتردد في الأرجاء

وزول بريدك زي مافي

وزولة تفتح الروح ضلفتين.

*عرف عنا العالم ما كان لا يعرفه لضعف اعلامنا وملحقيات سفاراتنا بالخارج، ولكنها الحرب التي جعلت من مقولة شوقي ومن المثل الشعبي (رب ضارة نافعة) تتمثل أمامنا وتعبر عن واقع جديد نعيشه.

*لم تسلب منا الحرب عاداتنا الجميلة ولا الروح السودانية (الشايلة المحنة)، المعروفة بالتكافل، الشيء الذي حير العالم، في كيف لا يعيش اللاجئون السودانيين في المخيمات، ومن اين لهم سبل الحياة في بلاد اللجوء التي دخلوها لا يحملون غير ظهور محملة بالذكريات ومثخنة بالجراحات.

*نعم  انها الحرب التي كشفت المعدن السوداني النفيس، هي حرب أراد من أشعلوها تفتيت عضد الوطن وهتك نسيجه الإجتماعي،  فما زادت الوطن إلا ثباتا وما زادت شعبه إلا تماسكا وتكافلا، وأظهرت أجمل وأنبل مافيه، وأحيت ما ظننا أنه (فات وغنايو مات).

*تجدني عاجزة عن وصف تلك الصورة أو سرد تلك الحكايات، فحكاية التكافل والبلاء الحسن للمغتربين في ظل الحرب، هو ملحمة وطنية يستحيل وصفها، ملحمة لها ألف معنى وألف رسالة، ملحمة تضاهي ملاحم أبطالنا في أرض المعركة، ملحمة لولا الحرب لما كانت ولما عشنا الإنبهار مع تفاصيلها.

*فشكرا للحرب التي كشفت لنا ما كان خافيا، شكرا للحرب التي أيقظت الحس الوطني الذي كان نائم في دواخلنا، شكرا الحرب التي جعلتنا نكتشف جغرافيا وتاريخ وطن كنا نظنه مجرد سكن.

*فطالما هذا هو الوطن وهذا هو شعبه قطعا سيعود السودان أقوى ويعود شعبه أكثر تماسكا وأكثر رغبة في تعمير ما دمرته الحرب.