آخر الأخبار

السودان يكتب روايته للعالم.. لا سلام مع الميليشيا ولا تنازل عن السيادة

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*لم تكن كلمة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، أمام مجلس الأمن مجرد رد على التقارير التي تناولت تطورات الأوضاع في السودان، وإنما جاءت بوصفها وثيقة سياسية ودبلوماسية وقانونية، سعت إلى إعادة صياغة الرواية السودانية أمام المجتمع الدولي، في لحظة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية، وتتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية مع رهانات الأمن الإقليمي والدولي. لقد حملت الكلمة رسائل واضحة بأن السودان لم يعد يكتفي بالدفاع عن مواقفه، بل انتقل إلى مرحلة المبادرة في عرض قضيته، وتقديم تفسيره للأزمة من منظور الدولة التي تواجه تمرداً مسلحاً، وترى أن استعادة الأمن وسيادة القانون هي المدخل الطبيعي لأي عملية سلام جادة.

*وقد جاءت الكلمة في وقت يواجه فيه السودان تحديات غير مسبوقة، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة وميليشيا الدعم السريع، وإنما تحولت إلى صراع متعدد الأبعاد، يمتد إلى الاقتصاد والإعلام والعمل الإنساني والعلاقات الدولية، وهو ما جعل من منبر مجلس الأمن ساحة لعرض رؤية السودان حول جذور الأزمة، بعيداً عن اختزالها في بعدها الإنساني وحده.

*وأكد السفير الحارث إدريس أن السودان ينطلق في مواقفه من مبادئ ثابتة لا تقبل المساومة، في مقدمتها احترام السيادة الوطنية، ووحدة الأراضي السودانية، ورفض أي تدخل خارجي ينتقص من حق الدولة في ممارسة سلطاتها على كامل ترابها الوطني. وشدد على أن ميثاق الأمم المتحدة نفسه يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وأن أي مقاربة دولية للأزمة السودانية لا تنطلق من هذه المبادئ ستظل قاصرة عن تحقيق سلام دائم ومستقر.

*ولم يقتصر الخطاب على تأكيد المبادئ، بل مضى إلى تشخيص أسباب استمرار الحرب، معتبراً أن أي حديث عن السلام يجب أن يبدأ بمعالجة الأسباب الحقيقية للنزاع، وفي مقدمتها استمرار الدعم الذي تتلقاه الميليشيا، وما ترتب على ذلك من إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود التسوية. فالسودان يرى أن معالجة النتائج الإنسانية، على أهميتها، لن تكون كافية إذا لم يترافق ذلك مع معالجة جذور الأزمة وتجفيف مصادر استمرارها.

*كما حملت الكلمة رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن السودان لا يرفض التعاون مع الأمم المتحدة أو الشركاء الدوليين، وإنما يدعو إلى شراكة تقوم على الاحترام المتبادل، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، وعدم التعامل مع الأزمة بمنطق الانتقائية أو ازدواجية المعايير. وأكد أن الشعب السوداني يتطلع إلى دور دولي يسهم في دعم الاستقرار، لا في تعقيد المشهد أو إضفاء شرعية على أي واقع فرضته القوة المسلحة.

*وفي الجانب الإنساني، حرص السفير الحارث إدريس على التأكيد أن الحكومة السودانية تدرك حجم المعاناة التي خلفتها الحرب، وأنها تعمل على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، مع ضرورة الالتزام بالمبادئ الإنسانية واحترام سيادة الدولة، وعدم استغلال العمل الإنساني في أغراض سياسية أو عسكرية. وهي رسالة تعكس سعي السودان إلى الموازنة بين الوفاء بالتزاماته الإنسانية والحفاظ على مقتضيات الأمن الوطني.

ومن أبرز ما ميز الخطاب أنه لم يكتف بعرض موقف السودان، بل سعى إلى تصحيح الصورة التي تشكلت لدى بعض الأوساط الدولية حول طبيعة الصراع. فقد أكد أن ما يجري ليس نزاعاً سياسياً تقليدياً بين أطراف متنافسة على السلطة، وإنما مواجهة مع تمرد مسلح استهدف مؤسسات الدولة، وارتكب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، وألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل استعادة مؤسسات الدولة شرطاً لازماً لأي عملية انتقال نحو الاستقرار.

*وتكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة لأنها جاءت أمام أعلى مؤسسة دولية معنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، حيث يخاطب السودان المجتمع الدولي بلغته القانونية والدبلوماسية، مستنداً إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في محاولة لتعزيز شرعية موقفه، وحشد دعم أوسع لرؤيته في معالجة الأزمة.

*كما تعكس الكلمة تطوراً ملحوظاً في الأداء الدبلوماسي السوداني، الذي أصبح أكثر حرصاً على تقديم رواية متماسكة تربط بين الأبعاد السياسية والقانونية والإنسانية والأمنية، وتؤكد أن استقرار السودان لا يمثل مصلحة وطنية فحسب، بل يعد عاملاً أساسياً في استقرار الإقليم بأسره، بالنظر إلى موقع السودان الجغرافي وتشابك حدوده مع عدد من الدول، وتأثير استمرار الحرب على الأمن الإقليمي، وحركة النزوح، والاستقرار الاقتصادي.

*وفي الوقت ذاته، بعثت الكلمة برسالة إلى الداخل السوداني، مفادها أن الدولة ماضية في الدفاع عن مصالحها عبر المسارين العسكري والدبلوماسي معاً، وأن معركة السودان لا تُدار في ميادين القتال فقط، وإنما كذلك في أروقة الأمم المتحدة، حيث تُصاغ المواقف الدولية وتُبنى القرارات التي قد تؤثر في مستقبل البلاد.

*إن أهمية كلمة السفير الحارث إدريس لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في توقيتها أيضاً. فهي جاءت في مرحلة يسعى فيها السودان إلى إعادة تعريف قضيته أمام المجتمع الدولي، والانتقال من موقع تلقي المبادرات إلى موقع عرض رؤيته للحل، القائمة على وقف دعم الميليشيا، واحترام سيادة الدولة، واستعادة الأمن، ثم الانطلاق نحو عملية سياسية سودانية يقودها السودانيون أنفسهم بعيداً عن أي إملاءات خارجية.

 

*وفي المحصلة، فإن الرسالة التي أراد السودان إيصالها إلى مجلس الأمن كانت واضحة: لا يمكن تحقيق سلام مستدام في السودان إذا جرى تجاوز مؤسسات الدولة أو التغاضي عن الأسباب التي أشعلت الحرب. فالسلام الحقيقي لا يقوم على تسويات مؤقتة، وإنما على احترام سيادة الدول، وسيادة القانون، وتجفيف منابع الصراع، وحماية المدنيين، وتمكين مؤسسات الدولة من أداء واجباتها. وهي رؤية تعكس إصرار السودان على أن يكون شريكاً فاعلاً في رسم مستقبله، وأن تبقى إرادة شعبه ومؤسساته الوطنية هي المرجعية الأساسية لأي تسوية سياسية تنشد إنهاء الحرب وبناء سلام دائم ومستقر.