الصحافة لا تعود بالكلام
وجه الحقيقة
إبراهيم شقلاوي
*منذ يوليو 2025، ظللنا في (وجه الحقيقة) نكتب عن ضرورة عودة الصحافة الورقية، لأنها جزء من استعادة الحياة المدنية وواحدة من مؤشرات التعافي التي يمكن أن تقيس بها الدولة عاصمتها بعد الحرب.
*وقتها كانت الرسالة موجهة إلى الناشرين والصحفيين: وفي أبريل 2026، اتسعت زاوية النظر، فقلنا إن مسؤولية الدولة تبدأ بتهيئة البيئة الممكنة، وتأهيل المطابع، وتخفيف الأعباء، وفتح الطريق أمام عودة الصحافة، بل وطرحنا فكرة دعم إصدار صحيفتين رصينتين على الأقل إذا تعذر.
*اليوم، وقد انتقلت الدعوة من صفحات المقالات إلى خطاب وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، وأعلن الوزير الطيب سعد الدين بالأمس أن الصحافة الورقية وثيقة رسمية ورافد مهم للتوثيق، تغيّر السؤال: لم يعد هل تحتاج الخرطوم إلى الصحافة، فقد حسم التاريخ ذلك، بل من يحوّل هذه القناعة إلى فعل؟ إذا كانت الصحافة ضرورة وطنية.
*وإذا عجز الآخرون حتى الآن عن إعادتها بصورة منتظمة، فلماذا لا تكون الوزارة نقطة انطلاق المبادرة؟ فوزير الثقافة والإعلام الاتحادي الأستاذ خالد الإعيسر معني بمستقبل الصحافة السودانية باعتبارها قضية قومية تمس حضور الدولة والمؤسسات وحقوق العاملين وبيئتها الاقتصادية والمهنية، فيما يملك الوزير الولائي الطيب سعد الدين مسؤولية جعل الخرطوم بوابة لهذه العودة العملية.. الاتحادي يضع الإطار الوطني، والولائي يفتح الطريق في العاصمة، وبينهما ينبغي أن تولد المبادرة.
*لكن المبادرة لا تعني أن تتحول الدولة إلى ناشر، فالصحافة التي نريدها ليست بوقاً للدولة، والدولة التي نريدها لا ينبغي أن تخشى الصحافة المهنية.. المطلوب مبادرة وطنية ذكية ومحدودة الكلفة، تجمع الدولة والناشرين والصحفيين والقطاع الخاص، وتوفر الحد الأدنى من شروط العودة والاستدامة، مع حماية استقلال التحرير.. فإحياء الصحافة يبدأ بإعادة بناء صناعة الصحافة، ولا تعود الصحافة بالكلام، وإنما بالإرادة.
*فالمشكلة ليست في غياب الرغبة، وإنما في انهيار المنظومة بفعل الحرب: المطابع دمرت، الإعلان انكمش، الاشتراكات انقطعت، التوزيع توقف، المؤسسات فقدت مقارها ومعداتها، والصحفيون تشتتوا بين النزوح والهجرة ومهن أخرى.. ولذلك فإن مطالبة الصحيفة بأن تعود وحدها إلى السوق، دون معالجة البيئة التي تجعل عودتها الممكنة، أشبه بمطالبة شجرة اقتلعت من جذورها بأن تستعيد اخضرارها بالأمر.
*وهنا تظهر مسؤولية الدولة، باعتبارها حاضنة لعودة قطاع تعرض لصدمة استثنائية بسبب الحرب.. يمكن أن تبدأ المبادرة بصحيفة واحدة، أو بدعم عودة عدد محدود من الصحف القائمة، وفق معايير مهنية معلنة وشفافة، لفترة انتقالية محددة، بحيث يتحول الدعم من إعانة إلى جسر يعبر بالمؤسسة الصحفية نحو الاستدامة.. ويمكن أن يشمل ذلك تسهيل الطباعة، وإعادة تأهيل المطابع، مدخلات الإنتاج، وتسهيل التوزيع، وتحريك سوق الإعلان، وإزالة التعقيدات الإدارية، مع ترك الإدارة والتحرير لأهلها.
*أجدى من عشرات الورش أن تُبنى دورة اقتصادية تعيد تشغيل الصحافة، فالصحفي لا يعيش على الوطنية وحدها، بل يحتاج مؤسسة وراتباً وسوقاً فيه قارئ ومعلن.. وحين تنهار هذه الدورة، يخسر المجتمع بقدر ما يخسر الصحفي، ويترك غياب الإعلام المهني المجال للشائعة والاستقطاب. لذلك فإن عودة الصحافة تمثل جزء من استعادة الدولة، فالدولة التي تستعيد مؤسساتها ولا تستعيد صحافتها، تستعيد نصف حضورها. وحين تدور المطبعة، يعود معها الحبر والمهنة والاقتصاد و المدينة النابضة بالفكرة.
*ليس من الصواب وضع الإعلام الورقي والرقمي في مواجهة، فالسودان يحتاج إلى صحافة تُبنى بالمؤسسة لا بالوسيلة.. صحيح أن المستقبل رقمي، لكن استدامته تحتاج اقتصاداً لم تكتمل شروطه بعد في بلادنا .. لذلك يكون الورقي جسر العودة، والرقمي ذراع الانتشار، والمطلوب ليس إنقاذ الورق، بل إعادة بناء مؤسسة صحفية مهنية قادرة على التوثيق والرقابة وصناعة الوعي، بالوسيلة التي يفرضها الواقع.
*والأمر في المقام الأول سياسي، فعودة الصحافة إلى الخرطوم تعني عودة الحوا، وحق المجتمع في أن يرى اخباره ، ويقرأ واقعه بمهنية، ويختلف دون تخوين.. الدولة القوية لا تخشى الصحافة، بل تحتاج إليها، والنقد المسؤول ليس عداءً لها، بل وسيلة لتصحيح مسارها.. لذلك فالمطلوب، إعادة السلطة الرابعة إلى الحياة .. وبعد أن أعلنت الوزارة أن عودة الصحافة ضرورة، حان وقت الفعل: مساعدة الناشرين، إعادة تشغيل المطابع، معالجة التمويل، وإن تعذر إحياء السوق، فلتبدأ التجربة بصحيفة أو صحيفتين مهنيتين، ثم تُترك المنافسة للسوق.
*بحسب وجه الحقيقة، المطلوب كسر الجمود، فالخرطوم لا تستعيد حياتها بالخطابات، بل بعودة مظاهرها، وفي مقدمتها الصحيفة.. فالصحافة ليست ورقاً وحبراً، بل ذاكرة مدينة وصوت مجتمع يستعيد وعيه. لذلك تحتاج إلى قرار ومطبعة وتمويل وبيئة مهنية، لا مزيداً من الورش والتوصيات.. وإذا كانت الدولة تراها ضرورة وطنية ووثيقة للتاريخ، فليتحول الاقتناع إلى فعل: ابدأوا بصحيفة واحدة، فالعدد الأول في المكتبات أبلغ من مئة توصية.. فالصحافة لا تعود بالكلام، بل بعودة الحبر إلى الورق، وعودة الدولة إلى المجتمع.