آخر الأخبار

الأسباب الحقيقية لأزمة البنزين والجازولين بالبلاد(1-2)

  • أيادي خفية تتلاعب بالوقود
  • تخبط وعدم ثبات سياسات الإستيراد سبب رئيسي للأزمة
  • سائق ركشة: أزمة الوقود وصلت البطون والمشوار إرتفع إلى 10 آلاف جنيه
  • عمال طلمبات: عدم التعامل بالشيكات والتطبيقات البنكية بتوجيه من اصحاب محطات الوقود

تحقيق ــ التاج عثمان:
أزمة البنزين والجازولين الخانقة التي تشهدها البلاد حاليا والتي وصلت لتكدس صفوف طويلاة من السيارات امام محطات الخدمة خاصة بالعاصمة هناك أسباب ظاهرة لها يتذرع بها بعض المسؤولين في مقدمتها الحرب ومضيق هرمز والدولار والتضارب في القرارت المتعلقة بتنظيم إستيراد وحركة الوقود.. لكن هناك أسباب خفية غائبة عن الكثيرين أصبحت تسيطر وتمسك بقبضتها على سوق النفط على مستوى البلاد.. التحقيق التالي يكشف هوية الأيادي الخفية والشبكات الإجرامية الأخطبوطية التي تطبق على سوق المواد البترولية وتتلاعب بأسعاره كما يحلو لها.
آثار الأزمة:
صفوف طويلة تتكدس امام محطات الوقود تمتد لمسافة 3 كيلو مترات احيانا ما يعكس حجم الأزمة الخانقة، بعضهم ينتظر اياما طوال للتزود بالبنزين او الجازولين.. الأزمة أفرزت أثارا كارثية على سائقي المركبات العامة من حافلات وتاكسي وترحال وركشات وعربات نقل من بكاسي ودفارات نقل البضائع والبصات العالملة بين الولايات وغيرها.. تفاقم ازمة المواصلات أكثر المتضررين منها تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والموظفين الذين أصبح بعضهم يتوجه لمدارسه ومكاتبه واعماله (كداري)، كما توقف الترحيل التابع للمدارس الخاصة ورياض الأطفال..اما معظم أصحاب العربات الخاصة فقد تركوا سياراتهم بالمنازل وركبوا الكداري لصعوبة الحصول على جالون بنزين واحد ولغلاء سعره، أحد سائقي الركشات عبر عن آثار الأزمة بقوله:
أزمة الوقود وصلت البطون، فاصبحنا نجد صعوبة بالغة في توفير سعر الخبز لاسرنا ناهيك عن حلة الملاح، وحتى لو تحصلت على جالون بنزين من السوق الأسود بسعر 60 ــ 80 الف جنيه فذلك يجعلني أرفع من قيمة المشوار، مثلا مشوار كان يكلف مبلغ 5 ألف جنيه تضاعف بعد الأزمة إلى 10 الاف، ومعظم الركاب يرفضون التنقل بهذا السعر ولهم حق في ذلك، لكن أقل من ذلك يعني ان سائق الركشة العمل بالخسارة.
أحد اصحاب السيارات قال بزهج واضح:(حتى عند توفر البنزين فإن الصفوف موجودة، فاصحاب محطات الخدمة ما ان يسمعوا بإشاعة في السوشيال ميديا بان هناك زيادة في اسعار الوقود حتى يقومون بإيقاف البيع رغم وجود البنزين في مستودعات الطلمبة، ويقولون للمواطنين المتكدسين حول طلمبة الوقود: البنزين إنتهى، لكن الحقيقة البنزين موجود لكنهم يوقفون البيع بمجرد شائعة او أي زيادة في الدولار وإنخفاض العملة السودانية، وذلك لبيع كميات الوقود لديهم بالأسعار الجديدة المتوقعة فيكسبون أكثر مما يستحقون وهذا جشع منهم.
أصحاب محطات الوقود يدافعون عن أنفسهم حول الإتهامات التي يسوقها بعض المواطنين واصحاب المركبات بأنهم احد اسباب الأزمة، مشيرين أنهم لم يستلموا حصتهم لأكثر من إسبوع، وينفون نفيا قاطعا إيقاف البيع بسبب تخزينهم للوقود إنتظارا لإرتفاع سعره ليجنوا المزيد من الارباح.. ويرى بعض المواطنين ان من اسباب تكدس السيارات امام محطات الوقود رغم وجود البنزين، يعود إلى أن العمال الذين يقومون بتعبئة السيارات لديهم توجيه من اصحاب محطات الوقود التعامل بتطبيق بنكك فقط دون التطبيقات البنكية الاخرى، مع رفض قبول الشيكات.. كما ان شبكة بنكك لا تعمل أحيانا مما يتسبب في تكدس السيارات وظاهرة الصفوف الطويلة.
تخبط السياسات:
كيف يتم إستيراد الوقود للبلاد؟ المتابع للقرارات التي تصدرها الجهات المختصة المختلفة بشأن آلية إستيراد مشتقات الوقود، يكتشف ان هناك تخبط وعدم ثبات في سياسة إستيراد الوقود، منها على سبيل المثال:
ــ نظام المجموعات: كان يعمل به منذ مايو 2025 ويقصد بالمجموعات 39 شركة بترولية خاصة، و4 شركات حكومية هي: (النيل ــ قادرة ــ أسرار ــ اندو نايل)، كانت تجلب الوقود بالتساوي.
ــ في اكتوبر 2026 تم تقليص مجموعة الشركات السابقة إلى 8 شركات فقط، بحجة انها شركات مؤهلة تنطبق عليها شرط تقديم ضمان 200 كيلو ذهب، وهي شركات: (النيل ــ قادرة ــ اسوار ــ اندونايل ــ نبتة ــ المقرن ــ بترونور ــ العطا).
ولكن كيف يتم إستيراد الوقود؟ مصدر بترولي يجيب على السؤال عبر هذا السيناريو: حسب إفادة المصدر تأتي ناقلة نفط محملة بحوالى 30 الف طن قيمتها 7 مليون دولار، صاحب الشحنة او المورد الأجنبي يطلب دفع قيمة الشحنة بالكامل قبل التفريغ، وبنك السودان يتعذر بعدم وجود كل مبلغ الشحنة، والمورد لا يعرف حكاية شراء الوقود بالدين او الدفع الآجل يريد قيمة الشحنة كاشن، ويرد على الحكومة: (إشتري قدر قروشك)، فتطلب الحكومة شراء 10 الاف طن فقط وتدفع سعرها وتستلم الوقود بقدر قروشها.. يحدث ذلك رغم ان الحكومة صرحت انها سوف تمول الوقود المستورد من حصيلة الصادرات، ولكن أين هي الصادرات؟
ــ آخر قرار حكومي صدر لتظيم إستيراد الوقود كان بتاريخ 12 اكتوبر 2026 من وزارة الطاقة والنفط، وهو القرار المزدوج رقم (1) : وهو خاص بفك إحتكار وقود الطائرات والفيرنسن هذا نصه: تعلن وزارة الطاقة والنفط فتح باب المنافسة وتوسيع قاعدة المشاركة لكافة الشركات الوطنية المؤهلة والمستوفية لشروط الإستيراد وذلك بمنحها الفرصة لإستيراد منتج غاز الطائرات (جيت ايه اي)، بجانب منتج الفيرنس، إيذانا بفك الإحتكار وتأكيدا على مبدأ الشفافية وإتاحة الفرصة العادلة في سوق المحروقات.
دواعي قرار وزارة الطاقة والنفط من قرارها السابق نجم من شكوى تقدمت بها 24 شركة بترولية للبرهان، بان شركة، بترو نور، إحتكرت وحدها إستيراد وقود الطائرات بسعر 0,88 دولار للتر الواحد، بينما شركات أخرى عرضت 2,5 دولار للتر، فإعتبرتها الحكومة إحتكارا يضر بالطيران المدني، ولذلك صدرت ضوابط جديدة مرفقة بالقرار السابق، وهي:
ــ الحصول على موافقة بنك السودان المركزي لإصدار خطابات ضمان مالية خاصة بـ(200) كيلو جرام من الذهب للمجموعة المستوردة للوقود.
ــ الا تزيد المجموعة الواحدة عن 4 شركات.
ــ يجب ان تكون الشركة المتقدمة مؤهلة فنيا وماليا حسب ضوابط الإستيراد.
ــ القرار الخاص بعودة الدولة للإستيراد المباشر، وهذا نصه: المؤسسة السودانية للنفط بالولايات تتولى بالكامل عمليات إستيراد الوقود لتأمين المخزون الإستراتيجي وضمان إنسياب الإمدادات)..مصدر في مجال إستيراد البترول علق على البيان السابق بقوله:
القراريعني صراحة إنتهاء نظام الشركات الخاصة الذي فشل، وعودة الدولة كمستورد رئيسي بعد 7 سنوات من حل المؤسسة السودانية للنفط.. ما يعني ان الحكومة تتحرك في إتجاهين متناقضين في نفس الوقت، تفتح بابب المنافسة للشركات الخاصة لإستيراد وقود الطائرات (جيت ايه اي)، ثم تعيد الدولة كمستورد رئيسي للبنزين والجازولين بدلا من الشركات البترولية الخاصة، بقرارها الصادر في 7 اكتوبر 2026
ويرى البعض ان القرارين لم يحلا أزمة الوقود، ووصفوا القرار الأخير بـ(المسكن)، وليس بالعلاج الجذري لمشكلة التمويل بالدولار.
الحلقة القادمة:
ــ مسؤول رفيع المستوى يعترف بوجود ظواهر سالبة داخل محطات الوقود.
ــ 30 مليون جالون بنزين تدخل السوق الأسود شهريا على مستوى البلاد.
ــ هل جدولة توزيع البنزين بمحطات الخدمة حسب فئات المركبات يوقف التلاعب في الوقود؟.