آخر الأخبار

​عبدالرحيم أرقي صاحب أشهر ماركة حب في الأغنية السودانية

صابنها
محمد عبد الماجد

​الخرطوم عندما كان مقرن النيلين طفلاً، وكانت أم درمان شائلة شنطة المدرسة في ضهرها، وكانت الخرطوم بحري واقفة في الباب، كانت تغني مع عبد الرحيم أرقي:
​حبي أنا ليك كان زادي
حبي أنا ليك كان زادي وكان جوة الحنايا دفين
كت بضاري من الناس وخايفة عليهو من العين
عليهو أنا كت بصوم وأفطر عليهو بكابد النارين
كت بحسب سنين الغربة لما تعود تجيني متين
وكت برجاك فوق النار لما وكت لقانا يحين
​أعتقد أن هذه الأغنية هي أشهر قصة حب في مكتبة الأغاني السودانية.
أزعم أن عبد الرحيم أرقي والشاعر علاء الدين عبد الرحيم كانا صاحبي أشهر ماركة حب في الأغنية السودانية.
عندما ظهرت هذه الأغنية كان أي (شاكوش) عاطفي يتم التداوي منه بهذه الأغنية.
​نونس في براءة أطفال وفي الحب نروى وننهل زين
وكلما يوم يزيد البينا لمن بقينا قاب قوسين
أتاري أنا كت فيك مخدوعة وكم من زيي مخدوعين
ما قايلاك بتلعب بي تعيش اللحظة بس والحين
وما قايلاك حبيب آلاف وقلبك قبلة للضالين
وما قايلاك بتنسى حبيب صبر راجيك ستة سنين
وساهر كم ليالي طوال يتقلب شمال ويمين
​شوف الزول من يقعد يتقلب شمال ويمين اعرف طوالي أنه ممكون شديد.
خلوني امرق بيكم على الحوش.. ونجيب الشاي والقهوة.. ونشغل المسجل.
​أنا بقول أننا وصلنا القمر بمحمد وردي.. عندما تسمع وردي بغني في (القمر بوبا)، تشعر أنك بتشرب في شاي بي لبن، في القمر أو في زحل، حتى وإن كانت كباية الشاي في إيدك (سادة).. وبي بسكويت كمان.
وعشان ما تقولوا طلعت بيكم فوق.. خلوها بي زلابية.. نحن ما ناس بسكويت.
زمان وقت يجيبوا لينا البسكويت مع الشاي، زي كأنهم شتمونا، كنا ما بنرضى، وكنا بنشوف شراب الشاي بالبسكويت.. حنكشة مدن ساكت.
​وأنا بقول إن عثمان حسين هو الذي جعل النيل من سليل الفراديس.. عندما تسمع عثمان حسين يغني (شجن)، بتشعر أن بطاقتك الشخصية صادرة من (ريداتنا ومحبتنا).
أحسب أننا لو فكرنا صاح كان يمكن أن نحكم العالم بي (عشرة الأيام)، (واتلاشت الأحلام، عمر السنين أيام.. قول لي إيه ضراك لو كان صبرت شوية).
عوض أحمد خليفة لو كان روسياً، كان نزل القمر في الواطة، ما كان بمشي ليها.
​أنا شايف إبراهيم عوض أخطر من ميسي.. لو إبراهيم عوض لعب كورة بفنه هذا.. ناس ميسي كان يقعدوا كنبة، ما كان يشوفوها.
كنا ح نشوف ميسي زي طبنجة.
أو طبنجة زي ميسي، ما تزعلوا ساكت.
محجوب سراج كتب لإبراهيم عوض (ليه بتسأل عني تاني.. بعد ما شلت الأماني)، ما في أجمل من كدا.
هذه الأغنية يفترض أن يستخرجوا منها لقاحاً للوقاية.. وليس للعلاج من المرض، لأنها أعلى قيمة من أن تكون للتداوي، هي للوقاية.
​عبد الرحيم أرقي فتح في نفسي هذا النفاج.
ما عارف أسدو كيف؟
ما عارف، أعمل شنو؟ وقفت في طرف الشارع، لابس لي سفنجة وبتلفت، وما عارف أنا عاوز شنو؟
فجأة انتبهت أني واقف في الشارع بي سفنجة قديمة ـ نخرتها مقطوعة.
للأمانة (سفنجاتنا) تعبت معانا.. حمنا بيهم في الدنيا دي جنس حوامة.
​نحن لو استثمرنا في حنجرة عبد العزيز محمد داود كان الصمغ العربي أصبح ذهباً.
وكان القطن قصير التيلة، بقى طويل التيلة، ما عارف ناس الجغرافيا رأيهم شنو في الكلام دا؟
عائشة الفلاتية غنت: الليمون سقايتو علي.. وغنت لسمسم القضارف، وغنت كذلك للجيش السوداني، بتجمع بين أشياء تثبت بها قدرة الإبداع على أن يجمع بين كل هذه النقائض.
هذا هو دور الفن.
​ثنائي العاصمة أغنياتهما يمكن أن تجعلنا نستغنى عن كل الصيدليات والأدوية والسموم.
بحب أغنيات ثنائي العاصمة للحد الذي يجعلني ألغي كل أقسام الحوادث والطوارئ في المستشفيات.
ما في داعي للحاجات دي، لو استمعنا صاح.
​عبد الكريم الكابلي إذا غنى يطربك.. إذا تحدث يطربك.. هو الفنان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يشجيك حديثه، مثلما يشجيك غناه.
أراهن بثقة كبيرة لا يوجد في العالم فنان بثقافة عبد الكريم الكابلي.
​أبو عركي البخيت اختصر عشرين سنة دراسة وقرابة في (بخاف).
بخاف أسأل عليك الناس سر الريدة بينا يذيع ـ في رقة وذوق أكتر من كدا؟
هل يوجد في العالم خوف بهذا الجمال وهذا الأدب؟
حسن السر مفروض يدوه جائزة نوبل في الخوف، يمكن أن يأطروا جائزة نوبل في الأدب ويجعلوها لو مرة في الخوف بدل الأدب، ما في خوف أجمل من كدا.
خوف أجمل من الشجاعة.
هذه قمة الأدب.
​من بعد هذا عن أي شيء أحدثكم؟
هل أحدثكم عن جكسا.. الكورة كان بجمعها ويطرحها ويقسمها ويضربها في لعبة واحدة.
محمد حسين كسلا، أول من أجرى عملية جراحية بكرة القدم.
منصور بشير تنقا، الكورة كان بعكسها معها كتالوج وعلبة هندسة وكرت ضمان لمدة خمس سنوات ومرتب شهرين وكيلو باسطة.
عارفكم ح تخلوا أي شيء وتمسكوا في الباسطة.
طارق أحمد آدم كان مثل العريس في منطقة جزاء الهلال، وقت تشوفو، ما بتعرف المدافع من المهاجم.. أي مهاجم يلعب أمامه كان يكون في حالة دفاع.
​أنا أكتر لاعب حريف شفتو بي عيونا ديل.. كان أنور الشعلة.
مرة دخلت مباراة بين الهلال والخرطوم 3 قبل ما تبقى الخرطوم الوطني، يمين أنور الشعلة عمل عمائل في هذه المباراة، في كل متابعاتي لنهائيات كأس العالم، والدوريات العالمية ما شفت زي العملو أنور الشعلة في تلك المباراة.
في تلك المباراة تقدم فريق الخرطوم 3 بالهدف الاول ، فسجل الهلال ثلاثة أهداف ـ ريتشارد ومعتز كبير وأنور الشعلة.
أذكر وقتها أن الراحل محمد أحمد دسوقي كتب عموداً جميلاً بعنوان (اضحك مع أنور الشعلة).
​أنا مع احترامي للجميع.. ما شفت لاعب بإمكانيات نزار حامد.. الزول دا كان كل مواصفات اللاعب المكتمل عنده.. لم تكن تنقصه حاجة، إلا أن الإصابات عطلته كثيراً.
لولا الإصابات كان يمكن أن نشوف نزار حامد في برشلونة أو في الريال أو في الدوري الإنجليزي.
ما بيسأل في زول.
تعجبني هلالية أبو آمنة حامد.. كان هلالياً صارخاً أو ساخراً، هكذا يكون الهلالاب.
​صلاح بن البادية في الحفلة وقت يغني، كان الكرسي من المواطن ما بتعرفو.. الاتنين بكونوا في حالة طرب كامل.
الكرسي من العريس ما بتفرز.
تلقى الكرسي ينطط في الدارة متل العريس.
​معليش.. عندما أكتب عن مبدع برجع لكل المبدعين.
قبل سنوات حدث تعريب للجامعات السودانية، ومع أن الخطوة لم تكن موفقة، إلا أن الحدث يبقى.. وعبد الرحيم أرقي أرد له (تنبرّط) الأغنية السودانية، فقد أدخل عبد الرحيم أرقي (الطنبور) في حياتنا بشكل جعلنا إذا فتحنا حنفية المياه، نفتحها بإيقاع الدليب.
عبد الرحيم أرقي هو الذي جعل العاصمة تمشي بإيقاع الدليب.
​لا خلاف في أن النعام آدم، فعل بطنبوره، ما تعجز أن تفعله أوركسترا محترفة، ولا شك في أن صديق أحمد كان بحنجرته يضاهي معهد الموسيقى والمسرح، ويبقى عثمان اليمني ومحمد جبارة ومحمد كرم الله، علامات فارقة، وتشمل القائمة الكثير من المبدعين حتى ولاية محمد النصري، بالمناسبة سوف أرجع للنصري، ووسط كل ذلك لا نستطيع أن نتجاوز عبد الرحيم أرقي الذي أبدع في تقديم الأغنية القصة أو الأغنية الرواية، أغنياته كانت (مسلسل) لذلك هو ليس مجرد مطرب هو راوٍ.
​عبد الرحيم أرقي قدم السينما الهندية الجميلة في أغنياته، فعلها بطريقة سودانية خالصة.
حب على طريقتنا.
​كيفن هان عليك تنساهو زولاً كان عليك حنين
وتشغل بالك الأشواك لمن تزبل الياسمين
كت دايراك بسمة عريضة في وجه الزمان الشين
وكت دايراك ساعة الحاجة تبقى لي دخرى خزين
كت دايراك مقنع حوبة وكتين المضارى يبين
وكت دايراك فارس أحلام تشاركني ونتم الدين
وكت دايراك أمل بسّام يزيل ألم البعاد والبين
كت دايراك شريك الروح وأخدمك حافية القدمين
​المركبات العامة، والكافتيريات والمطاعم ومحلات العصائر والاستديوهات والمدارس والجامعات والمعاهد العليا كلها كانت تتغنى مع عبد الرحيم أرقي في (عافية منك وراضية عنك سو رضايا).
​عــافـيــة مـنـك وراضــيـة عـنـك سـو رضـايـا
ومـا بـيـخـيــب الـرضـا والـدتـو يـا جـنـايـا
أنـت مـن يـا دوب صـغـيـر مـن زمـان دايـماً مـعـايـا
أنـت ديـمـه أمـامـي سـايـر مـا بـخـلـيـك بـي قـفـايـا
مـا بـتـغـيـب مـن عـيـنـي لـحـظـة ولا حـصـل سـبـتـك ورايـا
لا مـن الله يـشـيـل أمـانـتو أنـا بـبـقـى خـاصّـاك بـالـرعـايـة
​هذه الأغنية هي أيضاً من كلمات الشاعر المبدع علاء الدين عبد الرحيم هي سبقت الدعوة للعودة الطوعية، تلك الأغنية تمثل العودة (العفوية)، عودة ليس فقط من أجل الوطن، وإنما عودة من أجل الأم.. عودة جبرية.
عودة مرتبطة بعفو الوالدة.
​انـت لـمـا خـلاص كـبـرت دار تـسـيـبـنـي أعـيـش بـرايـا
دار تـفـارقـنـي وتـسـافـر والـحـزن يـصـبـح جـزايـا
كـيـف يـهـون لـك تـحـزن أُمـك شـان تـحـقـق لـيـك غـايـة
كـان مـسـافـر شـان عـلاجـي بـلـقـي فـي شـوفـتك دوايـا
وكـان عـشـان تـسـقـيـنـا نـهـلـك نـحـن بـي حـنـك روايـا
كـان عـشـان كـرعـيـنـا راحـل نـحـن بـي بـعـدك حـفـايـا
كـان مـهـاجـر شـان تـعـرس خـيـر أبـوك مـالـي الـتـكـايـا
خـيـرو وافـر أبـوك يـحـمـدوا مـراحـو مـلـيـان بـالـسـعـايـا
وبـالـقـروش الـجـيـب مـجـكـن ولـسـه بـرضـو الـجـايـا جـايـا
بـرضـي مـنـك مـا بـقـصـر بـحـفـر أديـك الـمـعـايـا
كـان ده كـلـو كـمـان شُـوي بـتـلـقـي فـي دهـبـي الـكـفـايـا
​عندما دخلنا الخرطوم ونحن طلبة، ونحن وقتها كانت تدهشنا الخرطوم ويضربنا الهوا البارد لم نكن نجد موطأ قدم فقد كانت أغنية أرقي (حبي أنا ليك كان زادي) تشغل كل الأماكن، بل تشغل كل القلوب، حتى طلمبات الوقود كلها شغالة بي (خلي زادنا اليوم).
المواصلات، المستشفيات، الكهرباء.. كل هذه المرافق كانت شغالة بإيقاع الدليب.
عبد الرحيم أرقي نجح أن يحول الخرطوم إلى أرقي.
بقت أرقي عديل كدا.
​نحن من جيل كانت فيه بوسترات محمود عبد العزيز في العاصمة تسد الأفق، على مواقف المواصلات وعلى الكباري وأعمدة الكهرباء كانت هنالك بوسترات ملصقة تعلن عن حفل لمحمود عبد العزيز، وكان الدخول للجامعات في الخرطوم لا يتم إلا عن طريق الدخول لحفلات عقد الجلاد.
لو بقيت حافظها.. منقطها ما بتدخل جامعة الخرطوم قبل ما تدخل استاد الهلال وحفلات عقد الجلاد.
الخرطوم لم تكن تقرأ فقط، الخرطوم كانت تغني أيضاً.
وأحسب أن لعبد الرحيم أرقي فضلاً في ذلك.
وسط كل هذا الضجيج وذلك الزحام، كان عبد الرحيم أرقي.
​الخرطوم تخلت عن كل الانتماءات، عن كل اللونيات، وعن كل الثقافات، لبست الجلابية والعمة وشالت الطنبور.
تغنت مع عبد الرحيم أرقي، دون توقف عند اختلاف الثقافات، أو تعدد القبائل، فقد كان أجمل ما في الخرطوم أنها لا تفرق بين أبناء الوطن الواحد.
وما زال شاطئ النيل في الخرطوم يمارس الغزل بطريقته.
نحن شفعنا لغاية الآن بيلعبوا شليل وين راح بالهدف الرابع للهلال.
ولغاية الآن استاد الهلال بيلاقينا في مواقف المواصلات وبقالد الناس في الطرقات.
متاريس
صباح اليوم الخميس 2 يوليو 2026م رحل الفنان عبد الرحيم أرقي بعد معاناة مع المرض، معاناة شهد فيها أرقي محبة الناس له.
اليوم تم تشييع عبد الرحيم أرقي في موكب كبير ومشهد رهيب، هذا التشييع المهيب يؤكد محبة الناس لعبد الرحيم أرقي ومكانته بينهم.
كل التعازي لأسرة عبد الرحيم أرقي ولكل الأهل في الشمال وكل السودان في كل البقاع على هذا الفقد الجلل.
نسأل الله الرحمة والمغفرة لعبد الرحيم ونسألكم الدعاء له، فهو في مكانة أصبح لا ينتظر فيها منكم غير الدعاء.
​…
ترس أخير : ولا حول ولا قوة إلا بالله.