آخر الأخبار

الوثيقة الأمريكية على المحك… إصرار سوداني يربك حسابات واشنطن

 

تقرير- الطيب عباس:
كشف مصدران سودانيات لوكالة الأناضول للأنباء عن وثيقة قدمتها الحكومة السودانية للإدارة الأمريكية تشمل رؤيتها لسلام السودان، وأوضحت المصادر أن وثيقة الحكومة السودانية، التي تم تقديمها إلى الإدارة الأمريكية تدعو إلى التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه سحب مليشيا الدعم السريع ونزع سلاحها وإعادة دمجها بإشراف أممي.
وتقترح الوثيقة كذلك هدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، تعقبها مفاوضات غير مباشرة مع مليشيا الدعم السريع، كما اقترحت كذلك تشكيل لجنة برئاسة واشنطن وعضوية الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي للإشراف على تنفيذ الاتفاق.
وجاءت الوثيقة السودانية ردا على وثيقة طرحتها الإدارة الأمريكية بقيادة مبعوثها ومستشار الرئيس للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتشمل الوثيقة على 6 بنود، تبدأ بوقف إنساني فوري لإطلاق النار لمدة 90 يوماً شروط قبول المبادرة الأمريكية، مروراً بتسهيل عمليات الإغاثة، وصولاً إلى مفاوضات سياسية تفضي إلى حكم مدني ديمقراطي.
ورغم إبداء الحكومة السودانية، تعاطفاً وقبولاً إيجابياً لمعظم بنود المقترح الأمريكي، إلا أنها وضعت اشتراطات حاكمة لا رجعة فيها؛ أبرزها المطالبة بانسحاب مليشيا الدعم السريع بشكل كامل من كافة المدن التي تسيطر عليها، مع نزع سلاحها وإعادة دمجها تحت إشراف دولي وأممي قبل الدخول في أي مسار تفاوضي دائم لخارطة الطريق الأمريكية، بينما تتحدث الوثيقة الأمريكية عن انسحاب جزئي للمليشيات من شمال كردفان وشمال دارفور.
التطورات المتسارعة والتداول الكثيف بشأن الوثيقة الأمريكية والرد السوداني عليها، يبدو بحسب مراقبين مبالغا فيه، حيث لا جديد في الشروط السودانية، إذ تمسك الجيش السوداني منذ 11 مايو 2023، تاريخ التوقيع على إعلان جدة بانسحاب المليشيات من كافة المدن التي تحتلها كشرط للقبول بأي وقف لإطلاق النار، وهو الشرط نفسه الذي قابلت به الحكومة السودانية، الوثيقة الأمريكية، حيث وافقت على خمسة بنود من أصل ستة هى مجموع بنود الوثيقة الأمريكية، ورفضت الحكومة السودانية الانسحاب الجزئي من شمال دارفور وشمال كردفان كما تقول الوثيقة الأمريكية واشترطت الانسحاب الكامل من كافة المدن التي تحتلها مليشيا الجنجويد.

وفي محاولة لطمأنة الشعب، ظهر رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مسجد الشيخ الطيب بأم مرحي بأم درمان، يوم الجمعة، مجددا العهد على المضي قدما في معركة الكرامة.
وأوضح البرهان أن القوات المسلحة تمضي في هذه المعركة وهي مستندة على التفاف الشعب السوداني حولها وعلى قوة عزيمته وإرادته، وزاد قائلاً لن نخذل الشعب أبدا ولن نسلم هذه الدولة إلا وفق تراضي وطني بين السودانيين جميعهم.. وأضاف (أي شيء لايرضي السودانيين ولا يحقق أمنهم واستقرارهم لن نمضي فيه، ولن نرتضيه.
فيما اعتبر أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، دكتور الفاضل محمد محجوب، أن حديث البرهان برفض تسليم الدولة إلا عبر توافق وطني، يعني استمرار الجيش في السلطة ورفضه لأي تسوية سياسية أو مبادرات دولية لا تحظى بإجماع وطني، واشتراطه تفكيك قوات الدعم السريع ودمجها قبل نقل الحكم.
وأوضح محجوب أن حديث البرهان رسالة للخارج أكثر منها للداخل، مفادها رفض الجيش للمبادرات والضغوط الدولية، بما فيها المقترحات الأميركية، التي قد تفرض مسارات انتقالية أو تسويات لا يرتضيها الجيش أو قطاعات واسعة من الشعب، لافتا إلى أن الرسالة الأمثر وضوحا في حديث البرهان هو أن الجيش يمثل الضامن الوحيد لتماسك الدولة، ولن يتخلى عن إدارة البلاد إلا في ظل عملية سياسية يشارك فيها الجميع وتضمن عدم عودة مليشيا الدعم السريع للواجهة.
قريبا من ذلك يرى الباحث دكتور عثمان نورين، أن الوثيقة الأمريكية حملت بنودا غير مفاجئة، باستثناء بند انسحاب المليشيات من شمال كردفان وشمال دارفور، معتبرا أن هذه الجزئية أقحمت في الوثيقة كطعم لقبول الجيش بالبنود تلأخرى، مشيرا إلى أن المبررات الأمريكية التي سمحت لهم بوضع شرط انسحاب المليشيات من منطقتين تسمح للجيش أيضا بالتمسك بشرط الانسحاب من كافة المناطق وليس منطقتين فقط، إحداها يسيطر الجيش على عاصمتها والأخرى شمال دارفوريسيطر الجيش على أجزاء منها.
واعتبر نورين، حديث البرهان في أم درمان، الجمعة، هو رد واقعي على الوثيقة الأمريكية، لافتا إلى أن الرد يقول أن السودان لا يستطيع تقديم أكثر مما قدمه وهو القبول بخمسة بنود أمريكية مقابل التمسك ببند انسحاب المليشيات من كافة المدن التي تحتلها، وعدا ذلك فإن المعركة مستمرة.

وقال دكتور عثمان نورين، إن لا البرهان ولا الجيش يملكان رفاهية التنازل عن شرط انسحاب الجنجويد من كافة المدن وتجميعها في معسكرات وتسليم سلاحها ودمجها لاحقا في الجيش، لكونه هذا موقف السواد الأعظم من الشعب السوداني، مشيرا إلى أن الطريق الأخر يمر حصراً عبر القضاء على التمرد عسكرياً وتطهير البلاد، وبعدها يتم التوافق على شكل الحكم.
وفق مراقبين فإن تمسك الحكومة السودانية بشرط الانسحاب الكامل لمليشيا الدعم السريع من المدن سيؤدي إلى تعثر المبادرة الأمريكية التي اقترحت انسحاباً محدوداً، متوقعين أن تمارس واشنطن ضغوطا على السودان، وفي حال فشلت هذه الضغوط فإن واشنطن حال قررت المضي قدما في الملف السوداني لن يكون أمامها خيارا سوى تطوير مسودة الهدنة وتنسيق مسارات جديدة للإشراف على الانسحاب العسكري.
وبشكل عام، وفقا لمراقبين تقف الوثيقة الأمريكية على المحك، حيث تتوقف فرص نجاحها الدبلوماسي على إيجاد صيغة توافقية ملزمة لجدولة انسحاب مليشيا الدعم السريع وفقاً لمطالب الحكومة السودانية.