رسالة إلى ظل يسكنني حين أغيب
منى عزالدين- سوريا:
أيها البعيد القريب
ليس الشعر من يكتب الشعراء وحده، ما زلت أؤمن أن فينا من يكتبنا قبل أن نكتب، وبعد أن تهرب الكلمات
أكتب إليك لا لأنني أريد أن أقول شيئا، ولا حتى لتفهم ما يقال، لم أعد آبه بوضع النقاط على الحروف
ثمة ضوء خافت يمرّ بين السطور، لا أعرف إن كان قادما منك، أم من تلك الأيام التي لم نعشها بعد؛ الزمن نفسه غادر سكته وبدأ يدور حول نفسه
كل مساء، أراه يمشي في طرف الحلم، ملامحه ليست واضحة، فهناك دوما هالة تخفي كنه الأشياء.. تمرّ قرب الذاكرة كعطرٍ يُوقظ ما ظننّاه مات… تفتح نافذة لا تؤدي إلى مكان، فقط تُطلّ على ما تبقى من احتمالات تشكل.
هل تذكر أول مرة أحجمتُ فيها عن الحضور، ربما أدركت الآن أن الأشياء لا تحدث لتكتمل، بل لتظلّ ناقصة على نحو جميل؟.
كم مشينا على طرقات لا تقترف النهاية، تثرثر في أذن الخطوة كلما آذنت بالنعاس، وتقسم لنا أن مسافاتها تقاس بالنبض، أتذكر كم ضحكنا حينها؟.
.واليوم، أضحك وحدي وأنا أراك تغيب في الجهة الأخرى من المعنى، غياب يراوغ البقاء.
أحيانا يخيل إليّ أن ما نسمّيه صدفة هو أمنية قديمة تنبت في الزمن، لتبرعم لقاء كل يوم بهيئة مختلفة: نظرة، نغمة، أو ارتعاشة في جملة لم نكتبها بعد.
أتعلم؟ لم أعد أخشى الرحيل، لأنني أدركت أنه هو نفسه مسكون بحضور ما، قد نعبر ولا نغادر .. ندس رسالة في كل أرض، تنساب الحروف ماء يحيي الجذور.
الأحلام التي كنا نطاردها في الطفولة باتت الآن تطاردنا.. تبحث عن أبطالها في ذاكرة نائمة، وحين تجدنا تترك أثرا صغيرا.
الكتابة يا صديقي ليست محاولة للفهم، بل لمؤانسة الغموض.
أحيانا لا نكتب لنشرح، بل لنشير إلى تلك الجهة التي تزاور عنها النور ذات اليمين وذات الشمال.
أكتب لأن كل الحروف التي ظننتها نائمة في دفاتري، استيقظت هذا المساء، وعادت لترتيب نفسها فلقد ضاق بها المكان من كل ذلك المعنى المتراكم بصمت.
ربما لا تصلك هذه الرسالة أبدا وربما تصل متأخرة لدرجة ألا حاجة لقراءتها، لأنني أودعتها إلى بريد غير مستعجل.
ربما ستسأل لماذا كتبت إذن؟ لا أدري حقا.. لنقل أنني أردت التأكد من إصرار الأشياء المدفونة على الحياة
ابقَ حيث أنت، سوف أطفئ المصباح الآن،
فكلّما غبت، وجدتني أكثر قربا من نفسي؛ وحدها القادرة على استنساخ أرواح الظلال.