الثقافة العالمية لكرة القدم .. في كأس العالم بأمريكا هزيمة صنعت تاريخاً
شيما فتحي – مصر:
*كما بُني الهرم حجراً حجراً، لعب الفراعنة أمام الأرجنتين بصبر وبضربة قاتلة.. تقدم منتخب مصر بهدفين نظيفين وخرج مرفوع الرأس
هزيمة صنعت احتراماً عالمياً وأعلنت ميلاد أسلوب مصري جديد في مونديال 2026
*لم تكن مباراة الأرجنتين مجرد تسعين دقيقة في دور الستة عشر
كانت فصلاً جديداً في كتاب طويل عنوانه (مصر والعالم)
3 – 2. نتيجة على الورق
ولكن خلف الرقم، كانت هناك أمة بأكملها تقف على قدميها وتقول للعالم: نحن هنا
*عقلية المحارب تهزم أسماء النجوم
كنا محاربين بالأمس، تسعين دقيقة كاملة
هم نزلوا مستهترين، ونحن نزلنا لنكسر الدنيا.
سجلنا فيهم هدفين، ووقفنا أمامهم الند للند.
أهدافهم جاءت من ضغط الوقت لا من تفوق فني.
*هل تعرفون الفرق بين الأمس والسنوات الماضية؟
زمان كنا نخسر بهدفين دون رد ونقول الحمد لله
*أما بالأمس فقد كنا متقدمين بهدفين نظيفين، وحزنّا حين أصبحت النتيجة هدفين لهدفين.
*هذه ليست هزيمة.. هذه بداية
هذه هي الرسالة التي وصلت إلى العالم: مصر تتنافس على كأس العالم بقوة
إنها الخسارة التي تكسبك أكثر من الفوز.
*خسرت هولندا نهائي عام 1974 أمام ألمانيا
لكن العالم كله، حتى اليوم، يتحدث عن الكرة الهولندية الشاملة لا عن “كأس ألمانيا.
*بالأمس، جلس مائة وعشرة ملايين مصري يتفرجون على أنفسهم وهم متحررون وأذكياء من خلال الكرة
وكما خسرت هولندا في عام 74 الكأس وكسبت التاريخ، خسرت مصر في عام 26 وكسبت الاحترام
أولاً: الجدل التحكيمي… حين سرقت تقنية الفيديو
VAR
الحلم المصري.
*لم تكن الهزيمة مجرد نتيجة كرة قدم
كانت قضية رأي عام، ومحاكمة علنية لتقنية حكم الفيديو المساعد، ولحظة أشعلت سؤالاً واحداً في كل غرف الأخبار حول العالم: هل كان يمكن أن يكون التاريخ مختلفاً؟
بدأ كل شيء في الدقيقة الثامنة والخمسين.
هدف مصري ثانٍ. الاستاد انفجر. 110 ملايين مصري نهضوا من أماكنهم
ثم جاءت الإشارة.. حكم الفيديو استدعى حكم الساحة. أربع دقائق انتظار.
النتيجة: إلغاء الهدف بداعي خطأ ارتكبه مروان عطية على ليساندرو مارتينيز… قبل واحد وعشرين ثانية، وعلى بُعد مائة ياردة من مكان الهدف
الصحافة البريطانية وصفتها بـ السرقة بالتصوير البطيء.
*موقع إن دي تي في عنوان: مصر تعرضت للظلم في عودة الأرجنتين الدرامية.
*المحلل إيان رايت قالها صريحة: “إذا كنتم ستعودون لخطأ الأرجنتين، فعليكم العودة أيضاً لخطأ صلاح الذي لم يحتسب.. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
*في الدقيقة التاسعة والثمانين، شد واضح من نيكولاس تاجليافيكو على قميص محمد صلاح داخل المنطقة
لا صافرة. لا مراجعة. لا شيء
بعد الصافرة النهائية، انفجرت غرفة الصحافة.
*حسام حسن دخل المؤتمر الصحفي ورفع يديه على شكل حرف
X
إشارة مناهضة للظلم في كرة القدم وقال لقد تعرضنا للظلم اليوم. يبدو أن هذه المباراة كانت مدبرة
وأضاف بحدة: لن أشاهد مباريات أخرى في هذا المونديال. هذه طريقتي في الاحتجاج
حتى الحكم الرابع لم يسلم. بطاقة حمراء لمدرب حراس المرمى أحمد سليمان (سعفان الصغير)، وبطاقات صفراء متعددة للجهاز الفني بعد هدف الأرجنتين القاتل في الدقيقة الثانية والتسعين.
الصحافة الأمريكية لخصتها بجملة واحدة: مصر آخر ضحايا تقنية
والصحافة الأرجنتينية التزمت الصمت… ثم احتفلت بالعودة
في النهاية، لم يخسر المصريون مباراة فقط
خسروا ثقتهم في عدالة اللقطة
*وكسب العالم سؤالاً سيطارده طويلاً: حين تصبح تقنية الفيديو أداة لصناعة النتائج… فمن يحكم الحكام؟
ثانياً: ملحمة مصر التاريخية… هزيمة صنعت أمماً
في ليلة لم يكن من المفترض أن تنتمي إليهم، كتب أحد عشر لاعباً مصرياً فصلاً سيُدرس لعقود قادمة في كتب كرة القدم.
*لم يفز الفراعنة بالمباراة. لكنهم فازوا بشيء أكبر: الاحترام
أمام حامل اللقب، وأمام ميسي، وأمام سبعين بالمائة استحواذ، تقدمت مصر بهدفين نظيفين.
الأول جاء من كرة ثابتة أرسلها العقل، والثاني من هجمة مرتدة قاتلة خطتها القلوب.
*ولأول مرة في تاريخ المونديال، وقف منتخب أفريقي على بعد إحدى عشرة دقيقة فقط من إقصاء بطل العالم.
*صحيفة الخليج وصفتها بـ (أفضل ظهور )مصري في تاريخ كأس العالم
قناة بي إن سبورتس قالت: مصر لم تأتِ لتلعب. مصر جاءت لتؤمن
قناة الجزيرة ختمت تقريرها بجملة واحدة: إنجاز مشرف لكل المصريين والعرب
حتى خارج الملعب، وصل الصدىالشيخ محمد بن راشد كتب: اليوم شهدنا أداء مصرياً وعربياً بطولياً. الفراعنة حاربوا أبطال العالم حتى الدقيقة الأخيرة.
نعم، عادت الأرجنتين وسجلت ثلاثة أهداف في عشر دقائق.
*لكن الصحافة العالمية لم تتحدث عن الانهيار.. تحدثت عن الشجاعة
لأن العالم رأى منتخباً قلل البعض من شأنه قبل شهر، يلعب بندية ويضغط عالياً ويجبر ميسي على الجري
كانت هذه أول مرة تصل فيها مصر إلى دور الستة عشر.
وكانت أول مرة يبكي فيها مائة وعشرة ملايين ليس على الخسارة… بل على الفخر.
*ثالثاً: الصحافة العالمية نسيت الأسماء… لكن مصر لن تنسى
في صباح اليوم التالي للمعركة، تصدرت عناوين العالم كلمة واحدة: تقنية الفيديو
VAR
وتحت العنوان، كان هناك اسم واحد فقط يتكرر: ميسي
أما أسماء الرجال الذين وقفوا في وجه بطل العالم، فقد اختفت في سطر صغير في نهاية الخبر
*لم يذكروا مصطفى شوبير
الحارس الذي وقف كالسور.. الذي طار وتصدى لضربة جزاء ميسي في الدقيقة الرابعة والثلاثين، وأنقذ ست محاولات محققة
وكالة رويترز وصفته بـ بطولات الحارس.. دون اسم.. كأنه ظل
*لم يذكروا مصطفى زيكو
صاحب الهدف الثاني. الهدف الذي جعل مائة وعشرة ملايين مصري يقفزون من أماكنهم
الصحافة كتبت: مصر تقدمت بهدفين في الدقيقة السابعة والستين
الاسم؟ في الهامش. الرقم؟ هو البطل
*لم يذكروا ياسر إبراهيم
مدافع الأهلي الذي ارتقى بين العمالقة وسجل برأسه هدف التقدم من كرة ثابتة.
قناة بي إن سبورتس ذكرته في جملة واحدة: سجل من كرة ثابتة
وانتهى الأمر. لا تحليل، لا صورة، لا إشادة.
*وذكروا محمد صلاح مرتين
مرة لأنه لم تحتسب له ضربة جزاء ومرة في تصريح المحلل إيان رايت
لم يتحدثوا عن اثني عشر كيلومتراً جرياً، ولا عن أربع مراوغات، ولا عن القائد الذي كان يصرخ “ما زلنا نريد الثالث
الصحافة العالمية لا تكتب عن منظومة.. تكتب عن “نجوم جاهزة للتسويق
*ولأن ميسي علامة تجارية، ولأن الجدل يبيع، تحولت ملحمة مصر إلى خبر جانبي في صفحة العودة التاريخية
لكن هنا في القاهرة، وفي المحلة، وفي أسوان.
*الناس حافظة الأسماء عن ظهر قلب
حافظة أن شوبير نظر إلى ميسي وقال له هل تراني؟
وحافظة أن زيكو قطع سبعين متراً لكي يسجل
وحافظة أن ياسر قفز أعلى من روميرو
العالم نسي الأسماء
ونحن سنحولها إلى تاريخ
لأن الأحمر المبهر ليس مجرد قميص.
إنه أحد عشر اسماً… سيحفظهم الجيل القادم.
*كلمة أخيرة: الجغرافيا لا تكذب
يقولون إن الكرة رياضة. وهذا قول ناقص.
الكرة في مصر هي جغرافيا متنكرة في زي رياضي.
نحن بلد نهر محاصر بالصحراء. كل شيء عندنا ضيق ومحسوب. لا مساحات مفتوحة كأوروبا، ولا رفاهية الخطأ.
فكان طبيعياً أن يولد أسلوبنا الكروي من رحم هذه الجغرافيا: دفاع منظم، صبر طويل، وضربة واحدة قاتلة.
*الأرجنتين استحوذت 70٪. ولكن الأخطر كنا نحن
تماماً كما بُني الهرم: آلاف من الحجارة تُرص في صمت عبر سنين، ثم في لحظة يُوضع حجر القمة فينبهر العالم كله.
*هذا ليس دفاعاً سلبياً.. هذا صبر حضاري عمره سبعة آلاف سنة
السؤال المطروح الآن على مائدة صناع القرار ليس: من سنلاعب القادم؟
السؤال هو: هل سنحول هذه اللحظة إلى مدرسة… أم سنتركها ذكرى جميلة نتحسر عليها؟ التاريخ لا ينتظر. والجغرافيا لا تكذب.