آخر الأخبار

إنحسار النيل يهدد الأمن المائي والغذائي لملايين السودانيين

  • ظاهرة مائية متلاطمة الأمواج
  • تحذير للمواطنين بالجبلين وجبل أولياء من فيضانات جارفة للنيل الأبيض
  • وزارة الري: إنحسار النيل الأزرق سببه إنخفاض التصريفات المائية الواردة من السدود الأثيوبية
  • مزارع بالشمالية: (البحر شرد) وتحول لمجرى ضيق عرضه 90 مترا

تحقيق ــ التاج عثمان:
ظاهرة مائية متلاطمة الأمواج نادرة الحدوث في السودات تمثلت في إنخفاض منسوب النيل الأزرق عن منسوب النيل الأبيض.. فإستنادا لقراءات وزارة الري السوداني بتاريخ 20 يوليو 2026 فإن النيل الأزرق منخفض 135 مليون متر مكعب تمثل التصريف من السدود الاثيوبية بينما سجل النيل الأبيض عند محطة ملكال بلغ تصريفه 240 مليون متر مكعب لدرجة أن هناك تحذيرات إنطلقت تحذر من فيضان في الجبلين وجبل أولياء.. اما نهر عطبرة فسجل تصريف في نفس الفترة 59 مليون متر مكعب وسد مروي 635 مليون مترمكعب.. ظاهرة إنحسار النيل الأزرق تسببت في خروج 6 محطات لمياه الشرب في الخرطوم عن الخدمة مؤقتا منها محطات الصالحة وبيت المال وشمال بحري لدرجة إنزال مضخات سحب المياه من النيل لادنى مستوى.. التحقيق التالي يناقش هذه الظاهرة المحيرة وأسبابها وآثارها
البحر شرد:


محمد عثمان سيد أحمد، مزارع من منطقة حسينارتي، تحدث للصحيفة عن ظاهرة إنحسار النيل بمنطقته بقوله: (الإنحسار الذي حدث للنيل هذا العام لم يحدث مثله منذ 2020، فالنيل بمنطقتنا تحول إلى ما يشبه الجدول لا يتعدى عرضه 90 مترا بينما كان في السابق قبل الإنحسارعرضه يمتد لحوالى كيلو متر كامل.. ولذلك أصبحت غير قادرا على ري زراعتي المتمثلة في الويكه والتي بدات في الذبول بسبب العطش، وكما نقول نحن كمزارعين، (البحر شرد من البابور)، أي ان النيل تراجع كثيرا وأصبح بعيدا من البابور، لكنني أنقذت زراعتي بمد خرطوش للنيل طوله 100 متر حتى أجلب بواسطته المياه من النيل للجداول لري مزرعتي.. والحمدلله منذ يوم الاثنين الماضي الموافق 20 يوليو الجاري لاحظنا ورود كميات من المياه وبدا النيل في الزيادة تدريجيا، وبدأت بعض الجزر التي ظهرت بسبب إنحسار النيل في الإختفاء تحت الماء مرة أخرى، وهي جزر طولية صغيرة على إمتداد النيل.
ويتوقع خبراء الري إستمرار إنحسار النيل خلال الفترة (21 ــ 27) يوليو، وتتزامن معه في نفس الفترة المذكورة أمطارا رعدية غزيرة ومتوسطة، لكنها غير كافية لرفع منسوب النيل الأزرق.. اما بداية وصول الفيضان القادم من الهضبة الاثيوبية فيتوقع في بداية أغسطس القادم.. ويتوقع ان يبدا منسوب النيل الأزرق في الزيادة بمعدل (10 ــ 25) سم يوميا، عند منتصف أغسطس القادم وحتى سبتمبر وهي فترة ذروة الفيضان.. ولكن ما هي أسباب ظاهرة إنحسار مناسيب النيل الأزرق في الخرطوم والولاية الشمالية، لدرجة تسببه في ظهور بعض الجزر والرمال بالولاية الشمالية؟.. إستنادا لخبراء الري، هناك 3 إحتمالات رئيسية لظاهرة إنحسار النيل الأزرق، تتمثل في الآتي:
ــ الدورة الطبيعية للنهر: فعادة شهري يوليو وأغسطس يعدان مرحلة إنتقالية قبل وصول ذروة الفيضان من الهضبة الأثيوبية، حيث ان الفيضان الرسمي يبدأ في النصف الثاني من يوليو، ويبلغ ذروته في شهري أغسطس وسبتمبر، والإنحسار الحالي للنيل قد يكون إنحسارا مؤقتا حسب بعض خبراء الري.
ــ الإحتمال الثاني لإنحسار النيل، تأثير سد النهضة الأثيوبي،حيث ان اثيوبيا تبدأ خلال يوليو حجز كميات من المياه، وتقتصر تصريفات المياه على تشغيل عدد محدود من التوربينات مع بدء خزان جبل أولياء جنوب الخرطوم، لكن بعض الخبراء أفادوا: إدارة التصريفات أصبحت مختلفة بعد سد النهضة الاثيوبي، حيث ان تدفقات النيل الأزرق أصبحت أكثر إنتظاما لكن فيها إنخفاضات مؤقتة حسب التخزين.. بينما أعلنت وزارة الري السودانية: إنحسار النيل الأزرق حدث نتيجة إنخفاض تصريفات المياه الواردة من السدود الأثيوبية، بينما إرتفاع المناسيب يتزامن مع تصريف مياه بحيرة سد النهضة.
ــ اما الإحتمال الثالث لظاهرة إنحسار النيل الأزرق، فيتمثل في زيادة منسوب النيل الأبيض مقابل تراجع منسوب النيل الأزرق: حيث حدث تحول في هذا الجانب، فالنيل الأبيض أصبح مرتفعا بشكل غير مسبوق بسبب أمطار الهضبة الإستوائية، بينما تراجع منسوب النيل الأزرق، فعند محطة ملكال بلغ منسوبه 240 مليون متر مكعب مقابل 135 مليون متر مكعب للنيل الأزرق.. وأكد خبراء الري ان النيل الأبيض خارج تاثير سد النهضة حيث انه يعتمد على أمطار البحيرات العظمى.
تحول لافت:
ولكن لماذا ظهر إنحسار النيل الأزرق هذا العام فقط دون الأعوام السابقة؟.. يجيب بعض خبراء الري: (إنحسار النيل الأزرق لم يحدث لأول مرة، لكن هذا العام كان الإنحسار واضحا بصورة ملفتة، والسبب الرئيسي تشغيل سد النهضة الاثيوبي، حيث ان اثيوبيا تبدا كل عام في يوليو وأغسطس بحجز كميات من المياه بغرض تشغيل التوربينات وملء البحيرة، والتصريف يكون على قدر تشغيل عدد محدود من التوربينات، وذلك يحدث بدون التنسيق مع السودان ومصر، فليس هناك إتفاق يلزم أثيوبيا بكميات التصريف اليومية، فأحيانا يقل التصريف فجأة)..من جانبها أعلنت وزارة الري السودانية (فيضان النيل الأزرق بدأ بالإنحسار نتيجة إنخفاض التصريفات الواردة من السدود الاثيوبية).
إلا أن بعض خبراء الري يرون: (التأثير في المقام الأول على النيل الأزرق فقط، حيث ان 85% من مياه النيل الرئيسي تأتي من النيل الأزرق، ولذلك فإن أي تلاعب في التصريف من سد النهضة يظهر مباشرة في الخرطوم والشمالية.. وخلال السنوات الماضية كان التأثير أقل لأن ملء بحيرة سد النهضة كان في بدايته، والان السد أصبح يعمل بكامل التوربينات، ولذلك فالتأثير أصبح أكبر وملحوظ للعيان.
وعزا آخرين ظاهرة إنحسار النيل الأزرق، إلى الزيادة غير الطبيعية في منسوب النيل الأبيض هذا العام، وصفوه بـ(التحول اللافت)، حيث اصبح النيل الأبيض مرتفعا جدا، حيث وصل إلى 240 مليون متر مكعب عند محطة ملكال، بينما إنخفض النيل الأزرق إلى 235 مليون متر مكعب فقط، ونهرعطبرة وصل إلى 59 مليون متر مكعب، فالنيل الأزرق أصبح منحسرا بصورة لافتة في الخرطوم، يقابله إرتفاع في النيل الأبيض تم التحذير منه في منطقة الجبلين وجبل أولياء.. وبعض المواطنين العاديين الذين يقطنون على النيل لاحظوا إنحسار النيل الأزرق والذي كان فيضانه يطغى على فيضان النيل الأبيض كل عام.. وعزا البعض إنحسار النيل الأزرق لبداية ملء خزان جبل أولياء جنوب العاصمة الخرطوم، مما يقلل حتما على منسوب النيل الأزرق داخل الخرطوم والولاية الشمالية.
بينما يرى أحد قدامى فنيي الري: الإنخفاض الحالي للنيل الأزرق إنخفاض مؤقت، ويتوقع مع نهاية يوليو الحالي، وبداية أغسطس وصول موجة الفيضان الكبرى من اثيوبيا، وبالتالي يزول الإنحسار ويرتفع منسوب النيل الأزرق كما يحدث عادة كل عام.
حصاد المياه الجوفية:


د. الفاتح يس، في مقال له بموقع (الخليل نيوز) بتاريخ 20 يوليو 2026 كتب عن ظاهرة إنحسار النيل تحت عنوان (شريان الحياة في خطر) مناديا ان السودان يجب ان يتجه للإعتماد على المياه الجوفية، بقوله:
التراجع المتسارع في مستويات مياه نهر النيل في عدة مناطق داخل الأراضي السودانية، خاصة بعد هطول الأمطار، يعزيه خبراء البيئة والموارد المائية إلى التغيرات المناخية الحادة، وتذبذب معدلات الأمطار، وقيام السدود، والتأثيرات الجيوسياسية والهندسية للمشاريع المائية على طول مجرى نهر النيل، وذلك ناقوس خطر ومهددا للأمن المائي والغذائي لملايين المواطنين الذين يعتمدون على النيل كمصدر رئيسي ومباشر للمياه الزراعية.
امام هذا الواقع المائي الجديد والمقلق، لم يعد الإعتماد التقليدي الحصري على المياه السطحية خيارا آمنا لإستدامة التنمية او لتلبية الإحتياجات اليومية للسكان.. هذا التحول البيئي يفرض حتمية التوجه نحو إستراتيجيات بديلة ومستدامة تضع في مقدمة أولوياتها التوسع الفوري في حفر آبار المياه الجوفية بإعتبارها المخزون الإستراتيجي الأكثر امانا والأقل تأثرا بالتقلبات المناخية والنزاعات المائية الإقليمية.. وتشغيل الآبار الجوفية بواسطة منظومات الطاقة الشمسية خيارا مثاليا وحيويا للسودان الذي يتمتع بمعدلات إشعاع شمي عالية جدا طوال العام، ما يجعل الطاقة المتجددة حلا إقتصاديا وبيئيا ناجحا، يغني الدولة والمزارعين عن تكاليف الوقود الأحفوري الباهظة، ويحل أزمة الإنقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي، فضلا من الإنبعاثات الكربونية.
ولتحقيق هذه الغاية، يجب تضافر جهود الدولة، والمنظمات الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، لدعم مشاريع حصاد المياه الجوفية بالطاقة الشمسية، والتي لم تعد مجرد رفاهية او خيار تنموي مؤجل، بل هو ضرورة حتمية وملحة لتحقيق الصمود والأمن المائي وحماية القطاع السكني والزراعي والحيواني من الجفاف، وضمان شرب مياها آمنة ومستقرة بعيدا عن تقلبات النيل الراهنة، وقطوعات الكهرباء، وتدميرها بواسطة التمرد المسلح.