آخر الأخبار

فجر كردفان.. سقوط الوهم وانتصار الإرادة

شئ للوطن

م.صلاح غريبة

 

*لم تكن الكلمات التي حملها البيان العسكري الأخير مجرد إعلان عن نصر ميداني عابر، بل كانت بمثابة إعلان عن ميلاد فجر جديد يشرق على رمال شمال كردفان، ويمتد نوره ليبدد ظلمات طالت على امتداد الوطن.. بصفتي أحد أبناء هذه الأرض الطيبة التي عانت ويلات التعدي والانتهاك، ومراقباً لمسارات هذا الصراع الوجودي، أقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، لحظة تتجاوز فرحة التحرير لتؤسس لمرحلة استراتيجية جديدة في مسار استعادة الدولة السودانية وعافيتها.

*إن استرداد مدن محورية مثل بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة تخطيط عسكري محكم وإرادة صلبة، وتجسيد حي للآية الكريمة التي استهل بها البيان: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ).. هذا النصر يضعنا أمام قراءات عميقة لمعطيات الواقع العسكري والسياسي، ويكشف بجلاء عن هشاشة المشروع التدميري الذي حاول اختطاف الوطن.

*من منظور التحليل العسكري والجيو-سياسي، تمثل الجغرافيا في شمال كردفان (الرئة) التي تتنفس منها خطوط الإمداد، و(العقدة) التي تربط غرب البلاد ووسطها.. إن تحرير هذه المثلثات الحيوية (بارا، جبرة الشيخ، أم سيالة) يعني بالضرورة قطع الشريان الرئيسي الذي كانت تعتمد عليه مليشيات التمرد ومرتزقتها في تغذية جيوبها المحاصرة.

*لقد كانت هذه المناطق تمثل نقطة ارتكاز حيوية للمشروع الاستيطاني الإرهابي، ومحاولة لفرض واقع جغرافي يعزل الأقاليم عن مركز الدولة. وبكسر هذه الشوكة عنوة واقتداراً، فإن القوات المسلحة لم تستعد أراضي شاسعة فحسب، بل وجهت ضربة قاصمة للبنية اللوجستية للمليشيا، مما يجعل ما تبقى من قواتهم في حكم المعزول والمكشوف، ويسرّع من وتيرة الانهيار الشامل في بقية المحاور.

*البيان أشار بوضوح إلى فرار فلول المليشيا مخلفة وراءها الأسلحة والآليات والعتاد.. هذه الصورة الميدانية ليست مجرد تفصيل عسكري، بل هي مؤشر عميق على الانهيار العقائدي والنفسي داخل صفوف التمرد.. فالجيوش الوطنية تقاتل بعقيدة الدفاع عن الأرض والعرض، بينما تقاتل المليشيات والمرتزقة بدوافع السلب، والنهب، والوعود الزائفة.

*عندما احتدمت المعارك واصطدمت هذه العصابات بصلابة الجندي السوداني وبسالة القوات المساندة، تبخرت تلك الوعود، وظهر الوجه الحقيقي لمشروعهم: مجرد عصابات لا تملك الثبات في ميادين المواجهة الحقيقية.. إن الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد التي تكبدتها هذه القوات الباغية، وهروبها العشوائي، يؤكد أن بناء القوة على أساس الارتزاق وترويع الآمنين هو بناء على رمال متحركة، سرعان ما تذروه رياح الإرادة الوطنية.

*من أبرز ما توقف عنده البيان، وما نلمسه نحن أبناء المنطقة في وجدان كل مواطن، هو ذلك التلاحم الأسطوري بين القوات المسلحة، والقوات المساندة، والمواطنين الشرفاء. لم يكن الشعب السوداني يوماً متفرجاً في هذه المعركة، بل كان السند والظهير والخط الأول للدفاع عن الكرامة.

*إن صمود أهلنا في شمال كردفان، ورفضهم للتعايش مع واقع الاحتلال والترويع، كان بمثابة الوقود الذي أمدّ القوات المرابطة بالروح المعنوية العالية.. هذا الانتصار يرسخ حقيقة سياسية كبرى لا يمكن لأي متآمر أو قوى خارجية أن تتجاهلها: أن القوات المسلحة السودانية ليست مجرد مؤسسة عسكرية معزولة، بل هي الانعكاس الطبيعي لإرادة الشعب، وهي سيفه البتار ودرعه الحامي الذي لا ينكسر مهما تكالبت المؤامرات وتعددت واجهاتها.

*لا يمكن أن تكتمل قراءة هذا المشهد المهيب دون الوقوف إجلالاً وإكباراً أمام التضحيات الجسام التي عُبدت بها طريق العزة. إن الدماء الطاهرة التي روت رمال بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، هي التي كتبت هذا البيان قبل أن يُتلى.

*كمحللين، ندرك أن الأوطان لا تُسترد بالشعارات، بل بالبذل والتضحية. إن دعواتنا المرفوعة للشهداء الأبرار بالجنة والخلود، وللجرحى بعاجل الشفاء، وللأسرى والمفقودين بالعودة الآمنة، ليست مجرد أمنيات، بل هي عهد ودين في أعناقنا بأن نحافظ على هذا الوطن الذي دفعوا أرواحهم ثمناً لبقائه موحداً وسيداً

*إن تحرير مدن شمال كردفان ليس نهاية المطاف، بل هو (بروفة) حقيقية للانهيار الوشيك لكل جيوب التمرد في كل شبر من أرض السودان.. إن الإرادة الوطنية اليوم أقوى من أي وقت مضى، وعزيمة القوات المسلحة قد أثبتت أنها الصخرة التي تتكسر عليها كل طموحات التمرد والاستلاب.

*رسالتنا من قلب المناطق المحررة إلى كل مرابط في الثغور: أنتم تصنعون تاريخاً جديداً، وتعيدون صياغة مستقبل أمة كادت المؤامرات أن تعصف بها. ورسالتنا للواهمين: إن راية الوطن ستظل عالية خفاقة، وإن غداً يحمل في طياته بشريات التطهير الكامل، مصداقاً لليقين الذي يملأ قلوبنا جميعاً: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ).