
بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة.. عندما تتحدث الميادين عن صمود الدولة وانتصار الإرادة الوطنية
دكتور البشير الحسن أبونخل
في لحظة فارقة من عمر الوطن، وبينما تتواصل معركة الدفاع عن الدولة السودانية ومؤسساتها، جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، إلى الخطوط الأمامية في جبهة بارا جبرة الشيخ وأم سيالة وكل المناطق الأخرى المحررة من الجنجويد بولاية شمال كردفان، لتؤكد حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: أن القوات المسلحة لا تزال تمسك بزمام المبادرة، وأن معركة استعادة الدولة تمضي بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين.
لم تكن زيارة القائد العام إلى مواقع العمليات زيارة بروتوكولية عابرة، بل كانت رسالة ميدانية تحمل أبعاداً عسكرية ووطنية عميقة؛ رسالة إلى الجنود في ميادين القتال بأن القيادة معهم في الخندق نفسه، وإلى الشعب السوداني بأن مؤسسته العسكرية تدرك حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها في حماية الأرض وصون السيادة والحفاظ على وحدة البلاد.
لقد جاءت هذه الزيارة في أعقاب سلسلة من النجاحات العسكرية التي حققتها القوات المسلحة في محور شمال كردفان، والتي أعادت رسم ملامح الميدان، وأثبتت أن الجيش السوداني يمتلك القدرة على المبادرة والتخطيط وإدارة العمليات بكفاءة عالية، مستنداً إلى خبراته المتراكمة وتماسك وحداته وإيمان منتسبيه بقدسية المهمة الوطنية.
إن الانتصارات التي تحققت في مناطق جبرة الشيخ وأم سيالة وبارا وكل المناطق الأخرى لا يمكن قراءتها بمعزل عن أهميتها الاستراتيجية؛ فهي مناطق تمثل عمقاً مهماً في خارطة العمليات، واستعادتها تعني تعزيز السيطرة على مساحات واسعة، وتأمين طرق الحركة والإمداد، وتقليص قدرة المليشيا المتمردة على المناورة والتمدد.
وفي الحروب، لا تصنع الانتصارات بالسلاح وحده، وإنما بالإرادة والانضباط وحسن القيادة. وهذا ما ظهر جلياً في أداء القوات المسلحة والقوات المساندة لها خلال هذه المرحلة، حيث تضافرت جهود الوحدات البرية والجوية والاستخباراتية، في تنسيق يعكس تطور الأداء العملياتي وقدرة الجيش على التعامل مع تعقيدات الحرب الحديثة.
كما أن وجود القائد العام بين جنوده في أرض المعركة يحمل قيمة معنوية كبيرة؛ فالقيادة في الميدان ليست مجرد صورة، وإنما تعبير عن الالتزام والمسؤولية والوقوف المباشر على احتياجات القوات وتحدياتها، وتقديم الدعم المعنوي لمن يحملون عبء الدفاع عن الوطن في أصعب الظروف.
إن معركة شمال كردفان تمثل جانباً مهماً من المعركة الكبرى التي يخوضها السودان من أجل بقاء الدولة ومنع سقوط مؤسساتها. فالقوات المسلحة لا تدافع عن مواقع عسكرية فحسب، بل تدافع عن مفهوم الدولة وسيادة القانون وحق المواطنين في الأمن والاستقرار.
وبقدر أهمية الانتصارات العسكرية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل هذه النجاحات إلى واقع سياسي واقتصادي واجتماعي جديد، يعيد بناء ما دمرته الحرب، ويوحد الصف الوطني، ويهيئ الطريق أمام سلام مستدام يقوم على سيادة الدولة ورفض أي مشاريع تهدف إلى تفكيك السودان أو النيل من وحدته.
لقد قالت بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة كلمتها في الميدان: أن الدولة السودانية لا تزال تملك من مقومات الصمود ما يجعلها قادرة على تجاوز المحنة، وأن القوات المسلحة، وهي تخوض هذه المعركة، تستند إلى إرث وطني طويل وإلى دعم شعب يتطلع إلى الأمن والاستقرار والسلام.
إن التاريخ لا يكتب فقط بأيام الحرب، بل بالمواقف التي تثبت فيها الأمم قدرتها على الصمود. وما يحدث اليوم في ميادين شمال كردفان سيكون بلا شك إحدى الصفحات المهمة في مسار معركة السودان من أجل استعادة عافيته وبناء مستقبله.