آخر الأخبار

ستظل الإذاعة السودانية صوت السودان وضمير شعبه

أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

د. مزمل سليمان حمد

 

*ليست المآسي الوطنية كلها من صنع الحروب؛ فالحروب تهدم الحجر، أما سوء الإدارة فيهدم المعنى.. وإذا كانت القذائف تستطيع أن تُسقط جدران المؤسسات، فإن القرارات المرتبكة، وتعطيل المبادرات، وإهدار الفرص، قادرة على إسقاط ما هو أخطر: الروح التي تبقي المؤسسات حيّة بعد انقضاء المعارك.

*وهكذا تموت الأوطان مرتين؛ مرةً حين يعبث بها الخراب، ومرةً حين يعجز أبناؤها عن إزالة آثاره ..والإذاعة السودانية ليست مجرد مؤسسة إعلامية، ولا مبنىً تضرر بفعل الحرب، ولا أجهزة تنتظر إعادة التشغيل؛ إنها ذاكرة السودان الحية، وصوت الدولة الذي ظل يرافق السودانيين لأكثر من ثمانية عقود، يوثق تاريخهم، ويحفظ وجدانهم، ويجمعهم حول كلمة الوطن. ولذلك فإن كل يوم يتأخر فيه إعمارها ليس خسارة لمؤسسة، بل خسارة لجزء من الذاكرة الوطنية التي لا تُعوَّض.

*ومن هذا المنطلق، فإن قصة المولد الكهربائي الذي وفرته مبادرة إعمار إذاعة هنا أم درمان، ثم انتهى به المطاف خارج أسوار الإذاعة، ليست واقعة إدارية عابرة، ولا خلافًا بين أشخاص، وإنما قضية رأي عام تستحق أن تُروى كاملة، لأنها تكشف جانبًا من معركة أخرى لا تقل خطورة عن معركة الحرب نفسها؛ معركة إعادة بناء مؤسسات الدولة، وحماية المبادرات الوطنية من التعطيل والإهدار.

*ويبقى السؤال الذي لن يسقط بالتقادم: من الذي أعاد الحرب إلى الإذاعة بعد أن توقفت أصوات المدافع؟ ومن الذي جعل المبادرات الوطنية تُغادر أبوابها كما غادرها هذا المولد الذي كان يمكن أن يعيد إليها نبض الحياة؟.. إن الأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة، ولا تنهض بالمجاملات، وإنما بالمحاسبة، ولا تحفظ مؤسساتها بإقصاء الكفاءات، وإنما بإطلاق طاقاتها وتوحيد جهودها. أما ترك الفرص تضيع الواحدة تلو الأخرى، فهو لون من ألوان الاستنزاف الصامت الذي قد يكون أشد خطرًا من الدمار نفسه.

*ولذلك، فإن القضية اليوم لم تعد قضية مولد كهربائي، ولا أربعة محولات، ولا حتى مبادرة بعينها؛ إنها قضية إدارة، وقضية مسؤولية، وقضية وطن يستحق أن تُصان مؤسساته من كل أشكال العبث، وأن تُدار بعقل الدولة لا بعقل الأشخاص.

*إن التاريخ لا يدوّن عدد السنوات التي قضاها المسؤولون في مناصبهم، وإنما يدوّن ما صنعوه حين وُضعت الأمانة بين أيديهم.. وسيأتي يوم تُفتح فيه ملفات هذه المرحلة، فيُذكر من أعان على البناء، كما يُذكر من عطّل الإعمار، لأن ذاكرة الشعوب لا تنسى، ولأن المؤسسات الوطنية أكبر من الأفراد، وأبقى من المناصب، وأعظم من كل الحسابات الضيقة.

*أما الإذاعة السودانية، فستظل ـ مهما تعثرت ـ صوت السودان، وضمير شعبه، وذاكرته التي لا يجوز أن تُترك أسيرة للإهمال أو الخلافات أو الحسابات الشخصية. وإن من حقها على الدولة، ومن حق السودان على الجميع، أن تُعاد إليها الحياة كاملة، وأن تُفتح أبوابها لكل المخلصين، حتى تعود كما كانت دائمًا: منبرًا للوطن، ولسانًا للحقيقة، وبيتًا لكل السودانيين.