آخر الأخبار

صندوق إعمار جنوب كردفان.. بين آمال المواطنين ومسؤولية العدالة في التنمية

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

 

قرأتُ خبراً في وسائل الإعلام مفاده أن وزير الحكم الاتحادي والتنمية الريفية، المهندس محمد كرتيكيلا صالح، التقى مدير وأعضاء صندوق إعمار جنوب كردفان، واطلع على سير عمل الصندوق وخططه للمرحلة المقبلة. وقد استوقفتني هذه الخطوة، ليس لأنني كنت من الداعين إلى إنشاء الصندوق، بل لأن الواقع يفرض علينا التعاطي معه بوصفه مؤسسة قائمة بقرار من الدولة. وكنت، ولا أزال، أرى أن كثيراً من المهام المنوطة بهذا الصندوق كان يمكن أن تضطلع بها الوزارات والمؤسسات الحكومية المختصة، بما يحقق الأهداف نفسها دون إنشاء كيان جديد يضيف أعباءً إدارية ومالية على موازنة الولاية. غير أن الصندوق أصبح اليوم أمراً واقعاً، ومن ثم فإن الواجب الوطني يقتضي أن نتمنى له النجاح، وأن نأمل أن يحقق الغاية التي أُنشئ من أجلها، وأن يكون إضافة حقيقية لمسيرة التنمية، لا عبئاً جديداً على مؤسسات الدولة.

 

 

 

 

وفي هذا السياق، فإن نجاح صندوق إعمار جنوب كردفان لن يقاس بحجم الأموال التي ستودع في حساباته، ولا بعدد الاجتماعات التي سيعقدها مجلس إدارته، وإنما بقدرته على إحداث تحول حقيقي في حياة المواطنين في جميع أنحاء الولاية، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحقيق تنمية متوازنة يشعر بها كل إنسان في جنوب كردفان، دون تمييز أو إقصاء.

 

 

 

إن جنوب كردفان ليست مدينة واحدة، ولا محلية واحدة، ولا قبيلة واحدة، بل هي ولاية مترامية الأطراف، تضم محليات تختلف في احتياجاتها، لكنها تتساوى جميعاً في حقها المشروع في التنمية والخدمات. ومن هنا فإن أول اختبار حقيقي للصندوق سيكون مدى التزامه بالوقوف على مسافة واحدة من جميع محليات الولاية، دون تمييز أو محاباة أو استجابة لضغوط النفوذ السياسي أو الاجتماعي.

 

 

 

 

لقد عانت ولايات السودان، عبر عقود طويلة، من اختلال واضح في توزيع التنمية، حيث تركزت المشروعات في مناطق محددة، بينما ظلت مناطق أخرى تعيش في دائرة الحرمان والتهميش. وإذا وقع صندوق إعمار جنوب كردفان في هذا الخطأ، فإنه لن يحقق الهدف الذي أُنشئ من أجله، بل سيعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة، وربما يفتح أبواباً جديدة للاحتقان والشعور بالغبن. ولذلك فإن العدالة في توزيع الموارد والمشروعات ليست مجرد خيار إداري، وإنما هي الضمان الحقيقي لاستقرار الولاية وتعزيز وحدتها الاجتماعية.

 

 

 

 

ومن الضروري أن يعتمد الصندوق معايير واضحة ومعلنة في اختيار المشروعات، بحيث تقوم على حجم الضرر، وعدد السكان، ومستوى الخدمات القائمة، وأولوية الاحتياجات، لا على العلاقات الشخصية أو الانتماءات السياسية أو الاعتبارات الجهوية. فالشفافية هنا ليست ترفاً إدارياً، وإنما شرط أساسي لبناء الثقة بين الصندوق والمواطنين.

 

 

 

 

كما أن من المهم ألا يتحول الصندوق إلى منصة لتسويق الأشخاص أو صناعة البطولات الفردية. فالإعمار لا تصنعه الصور التذكارية، ولا المؤتمرات الصحفية، ولا كثرة التصريحات الإعلامية، وإنما تصنعه المدارس التي تُبنى، والمستشفيات التي تُؤهَّل، والطرق التي تربط المدن والقرى، ومشروعات المياه والكهرباء، ودعم الزراعة والثروة الحيوانية، وتأهيل المؤسسات التعليمية والصحية، وتمكين الشباب والمرأة من المشاركة في التنمية والإنتاج.

 

 

 

لذلك ينبغي أن ينصرف الاهتمام إلى أداء الصندوق وإنجازاته، لا إلى رئيسه أو أعضاء مجلس إدارته. فالمناصب تكليف وليست تشريفاً، والمؤسسات الناجحة هي التي تُقاس نتائجها بالأثر الذي تتركه في حياة الناس، لا بالأضواء التي تحيط بقياداتها.

 

 

 

ومن القضايا التي لا تقل أهمية عن توفير التمويل، بناء منظومة قوية للحوكمة والرقابة. فكل جنيه يدخل الصندوق هو مال عام، يجب أن يخضع لأعلى درجات الشفافية والمحاسبة. ومن حق المواطن أن يعرف من أين جاءت الموارد، وكيف صُرفت، وما المشروعات التي نُفذت، وما نسب الإنجاز فيها، وما العطاءات التي أُبرمت، ومن هي الجهات المنفذة، وما حجم الصرف الإداري مقارنة بالصرف على مشروعات التنمية.

 

 

 

كما أن إشراك أبناء الولاية من الخبراء والأكاديميين والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في إبداء الرأي وتقديم المقترحات، سيجعل الصندوق أكثر التصاقاً باحتياجات المجتمع، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات تعكس الواقع وتستجيب لأولويات المواطنين.

 

 

 

 

ولعل من أهم ما يحتاج إليه الصندوق إعداد خطة إستراتيجية معلنة، تتضمن أولويات الإعمار خلال السنوات المقبلة، مع مؤشرات أداء واضحة يمكن للمواطنين متابعتها وقياس مدى الالتزام بها. فالتخطيط المؤسسي هو الضمان الحقيقي لاستمرار العمل بعيداً عن الاجتهادات الفردية وردود الأفعال.

ونحن، كمواطنين وأبناء لهذه الولاية، لا ننطلق من موقف التشكيك أو الخصومة مع القائمين على الصندوق، بل من منطلق الحرص على نجاحه، لأن نجاحه – إن تحقق – سيكون نجاحاً لجنوب كردفان بأسرها. وسندعم كل مشروع يخدم الإنسان، وكل قرار يحقق العدالة، وكل خطوة تعزز التنمية والاستقرار.

 

 

 

وفي الوقت نفسه، فإن الدعم لا يعني الصمت عن الأخطاء، ولا التغاضي عن أوجه القصور. فالرقابة الشعبية حق أصيل، والنقد الموضوعي واجب وطني، والمساءلة ركيزة من ركائز الإدارة الرشيدة. ولذلك سنكون، بإذن الله، رُقباء على الأداء، نشيد بكل إنجاز حقيقي، وننبه إلى كل تقصير أو انحراف عن رسالة الصندوق، بعيداً عن الشخصنة أو تصفية الحسابات، لأن غايتنا ليست انتقاد الأشخاص، وإنما حماية المؤسسة، وصون المال العام، وضمان أن تؤدي رسالتها كما ينبغي.

 

 

 

إن صندوق إعمار جنوب كردفان يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإثبات جدواه، وإقناع المواطنين بأن إنشاءه كان قراراً صائباً. ولن يتحقق ذلك إلا إذا التزم بالعدالة، والشفافية، والكفاءة، ووزع مشروعاته على جميع محليات الولاية وفق معايير موضوعية عادلة، بعيداً عن أي نفوذ أو محاباة. عندها فقط سيحظى بثقة المواطنين ودعمهم، وسيؤدي الدور الذي أُنشئ من أجله.

 

 

 

فلتكن رسالة الصندوق واضحة: لا محلية أولى بالرعاية من أخرى، ولا مواطن أحق بالتنمية من غيره، ولا معيار يعلو على معيار العدالة والمصلحة العامة. فإذا التزم بهذه المبادئ، فسيكتب لنفسه مكانةً راسخة في وجدان أهل جنوب كردفان، وسيكون نموذجاً وطنياً في الإعمار والتنمية المتوازنة.