آخر الأخبار

حين تُحاكم الحرية باللائحة… النقاب في الجامعة الوطنية ومعركة الدستور والهوية

بقلم: الدكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

 

ليست القضية في أن طالبة منقبة مُنعت من دخول جامعة، وإنما في السؤال الأخطر: هل يجوز للائحة داخلية أن تنتقص من حق كفله الدستور، وتصادر حرية كفلها القانون، وتمس قناعة دينية يتبناها قطاع معتبر من المجتمع؟

 

 

 

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كنا أمام مؤسسة تعليمية تنظم شؤونها، أم أمام سابقة تفتح الباب لتقييد الحقوق والحريات تحت غطاء “اللوائح”.

 

 

 

 

لقد استقر الفقه الدستوري على أن اللوائح ليست مصدرًا للحقوق، وإنما هي وسيلة لتنظيمها. ولذلك فإن أي لائحة يجب أن تظل خاضعة للدستور والقانون، لا أن تعلو عليهما أو تنتقص منهما. فالحقوق والحريات العامة لا تُلغى بقرار إداري، ولا تُقيد بمجرد نص تنظيمي، وإنما لا يجوز المساس بها إلا وفق ضوابط قانونية دقيقة، ولضرورة حقيقية، وبالقدر الذي تقتضيه تلك الضرورة.

 

 

 

ومن هنا فإن منع طالبة من ارتداء النقاب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تنظيم للزي الجامعي، بل باعتباره قيدًا على حرية شخصية تتصل بحرية المعتقد والوجدان، وهي من أكثر الحريات التي تحظى بالحماية في النظم الدستورية الحديثة.

 

 

 

وقد يختلف الفقهاء في حكم النقاب: أهو واجب أم سنة أم فضيلة؟ لكن هذا الخلاف لا يغير شيئًا من جوهر القضية؛ لأن الدولة ومؤسساتها ليست جهة للفصل في الاجتهادات الفقهية، ولا يجوز لها أن تنحاز إلى رأي فقهي على حساب رأي معتبر آخر، ما دام الجميع يتحرك داخل دائرة الإسلام المعتبرة. فمن ترى النقاب عبادة لا يجوز أن تُجبر على ترك ما تعتقد أنه طاعة لله، تمامًا كما لا يجوز إجبار غيرها على ارتدائه.

 

 

 

إن الحرية الدينية لا تُقاس بما يعتقده المسؤول أو مدير الجامعة، وإنما بما يكفله القانون لصاحب الحق.

 

 

 

ويستند المدافعون عن المنع إلى حجة التحقق من الهوية ومنع انتحال الشخصيات. وهي حجة تبدو لأول وهلة منطقية، لكنها تسقط أمام مبدأ التناسب الذي يُعد من أهم المبادئ القانونية. فهل المنع الشامل هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف؟ بالتأكيد لا.

 

 

 

إن التحقق من هوية الطالبة عند بوابة الجامعة، أو أثناء الامتحانات، أو في أي موضع يقتضي ذلك، بواسطة موظفات مختصات، يحقق الغرض ذاته دون مصادرة حق جميع المنقبات. والقانون السليم لا يختار أكثر الوسائل تقييدًا للحرية إذا كانت هناك وسائل أخرى تحقق الهدف نفسه بأقل قدر من المساس بالحقوق.

 

 

 

ولو أخذنا بمنطق المنع بسبب احتمال إساءة الاستخدام، لوجب منع عشرات الوسائل التي قد تُستغل في الغش أو انتحال الشخصية أو ارتكاب المخالفات. فبطاقات الهوية والبطاقات الجامعية نفسها قد تُزوَّر أو تُستعمل من غير أصحابها، والهواتف الذكية تُستخدم أحيانًا في الغش داخل قاعات الامتحانات، والسيارات تُستغل في ارتكاب الجرائم، والإنترنت يُستخدم في الاحتيال والابتزاز الإلكتروني، وحتى الحسابات البنكية تُستغل في غسل الأموال. ومع ذلك، لم يقل أحد بمنع هذه الوسائل، وإنما كان الحل دائمًا هو معاقبة المسيء، وتشديد إجراءات الرقابة والتحقق، لا حرمان الجميع من حقهم المشروع بسبب إساءة قلة من الناس.

 

 

فالقانون لا يُبنى على الاحتمال، وإنما على الوقائع، ولا يُعاقب الجماعة بخطأ الفرد، وإلا لتحولت العدالة إلى عقوبة جماعية، وهو ما ترفضه مبادئ الشريعة الإسلامية، وقواعد القانون، ومنطق العقل السليم.

 

 

 

ويحتج البعض بأن الطالبة وولي أمرها وقّعا على لائحة الجامعة، وكأن هذا التوقيع يمنح اللائحة حصانة مطلقة. وهذا فهم غير صحيح؛ لأن الحقوق الدستورية لا تُسقطها الاستمارات، ولا تلغيها التوقيعات، ولا تتحول إلى حقوق قابلة للتنازل بمجرد الرغبة في الالتحاق بمؤسسة تعليمية.

 

 

 

 

فالإنسان لا يفقد حقوقه الأساسية بمجرد توقيعه على نموذج إداري، وإلا لجاز لأي مؤسسة أن تفرض ما تشاء من القيود، ثم تحتج لاحقًا بأن الناس قبلوا بها.

 

 

 

 

ثم إن الجامعة، مهما كانت صفتها الخاصة، تؤدي رسالة عامة هي التعليم، وتعمل في إطار القانون الوطني، وتخضع لرقابة الدولة، ولا يجوز أن تتحول خصوصيتها إلى مبرر للانتقاص من الحريات التي يتمتع بها المواطنون.

 

 

 

والأخطر من ذلك كله أن مثل هذه القرارات تُنتج شعورًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأن المظاهر الإسلامية أصبحت هدفًا للتضييق والإقصاء أكثر من غيرها. وقد يرى آخرون أن الأمر لا يعدو كونه قرارًا إداريًا، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن تراكم مثل هذه الوقائع هو الذي يغذي هذا الشعور، ويجعل كثيرين يربطون بينها وبين اتجاه ثقافي أوسع نحو تقليص حضور الرموز والمظاهر الإسلامية في بعض الفضاءات العامة.

 

 

 

ولهذا فإن الحكمة تقتضي معالجة مثل هذه القضايا بمنطق الاحتواء والحوار، لا بمنطق المنع والإقصاء.

 

 

 

إن الجامعة ليست مصنعًا لإنتاج نسخ متطابقة من الطلاب، وإنما فضاء للتنوع الفكري والثقافي والاجتماعي. وإذا كانت الجامعة تتسع لاختلاف المدارس الفكرية والسياسية والثقافية، فمن باب أولى أن تتسع لاختلاف الاجتهادات الدينية في مسألة لباس لا يخل بالآداب العامة ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

 

 

 

 

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن الدفاع عن حق المنقبة اليوم ليس دفاعًا عن النقاب وحده، وإنما دفاع عن مبدأ أكبر؛ وهو أن الحقوق لا تُجزأ، وأن الحرية إذا جاز الانتقاص منها في قضية بحجة اللائحة، فسوف يصبح من السهل الانتقاص منها غدًا في قضايا أخرى بحجج مختلفة.

 

 

 

 

 

إن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على فرض القيود، وإنما بقدرتها على احترام الإنسان، وصون كرامته، واستيعاب تنوع المجتمع الذي وجدت لخدمته.

ولذلك فإن مراجعة هذا القرار ليست هزيمة للجامعة، بل انتصار لها؛ لأنها تعني انتصارها للدستور قبل اللائحة، وللقانون قبل القرار الإداري، وللحرية قبل الوصاية، وللتعليم بوصفه حقًا لا امتيازًا، وللوطن الذي يتسع لجميع أبنائه مهما اختلفت اجتهاداتهم وقناعاتهم.