آخر الأخبار

إذا عادت الأجهزة إلى الخرطوم… فمن يعيد الإنسان إلى الإذاعة؟ (1-3)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*ثمة أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل، وثمة مؤسسات لا يجوز أن تظل معلقة بين الحرب والسلام، ولا بين الخراب والإعمار، ولا بين القرارات الحكومية والواقع الذي يعيشه العاملون فيها

ومن بين أكثر هذه المؤسسات إثارة للقلق والحيرة اليوم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

*والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بصراحة، ودون مواربة، هو: من المسؤول عن هذه المؤسسة؟ ومن المسؤول عن عشرات ومئات العاملين الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الفعل، لا لأنهم فقدوا خبراتهم، وإنما لأن أبواب المؤسسة أغلقت أمامهم

والسؤال الأكبر أوجهه مباشرة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء لماذا كل هذا التجاهل؟ أليس قد صدر القرار بعودة مؤسسات الدولة وأجهزتها إلى الخرطوم؟..لقد عادت الدولة إلى الخرطوم، وعادت أجهزة ومؤسسات ومعدات، وعادت الحياة تدريجياً إلى كثير من المرافق.. لكن السؤال المؤلم هو: متى تعود الإذاعة السودانية؟.

*لا أتحدث هنا عن مبنى من حجر وأسمنت، ولا عن مكاتب يمكن طلاؤها، ولا عن حدائق يمكن تنسيقها، ولا عن مسطحات خضراء يمكن تصوير المسؤولين بجوارها ..أتحدث عن مؤسسة وطنية عمرها من عمر الدولة السودانية الحديثة تقريباً، وعن صوت ظل يخاطب السودانيين لعقود، وعن أرشيف وذاكرة وهوية وثقافة ومهنية وخبرات تراكمت عبر أجيال الإذاعة السودانية ليست استوديوهات فقط .

*إنها البرنامج العام وإذاعة القرآن الكريم، والبيت السوداني، والشباب والرياضة، وإذاعة السلام وإذاعة ذاكرة الأمة والبرامج الموجهة، والخدمات الإنجليزية والفرنسية، وغيرها من الأوعية والبرامج التي صنعت للإذاعة السودانية حضوراً وطنياً وإقليمياً لا يمكن اختزاله في جهاز إرسال أو مبنى إداري.. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: متى يتم افتتاح المبنى؟ السؤال هو.. متى تستعيد الإذاعة السودانية مؤسستها؟ ومتى تستعيد كوادرها؟ ومتى تستعيد إدارتها من ام درمان ؟ ومتى تستعيد دورها الوطني؟.

*فالخراب الذي أصاب المؤسسة بسبب الحرب لا يمكن أن يكون ذريعة لخراب إداري أطول عمراً من الخراب المادي.. إذا كان جزء من المحطة قد دُمّر، فذلك يستوجب الإعمار ..وإذا تعطلت الأجهزة، فذلك يستوجب الإحلال والتحديث  ..وإذا تشتت العاملون، فذلك يستوجب إعادة التجميع والتأهيل وإذا اختلت الهياكل، فذلك يستوجب إعادة التنظيم.

*أما أن يُضاف إلى الخراب المادي إقصاء الكفاءات، وإبعاد الخبرات، وتعطيل القيادات، وترك العاملين في حالة انتظار مفتوح، فذلك ليس إعماراً، وإنما إدارة للخراب.. وهنا تصبح العودة إلى الخرطوم ناقصة؛ لأن المؤسسة الإعلامية لا تعود بالأجهزة وحدها، وإنما تعود بالإنسان الذي يشغّل الجهاز، وبالعقل الذي يخطط، وبالمهني الذي ينتج، وبالقيادي الذي يعرف كيف يدير .

*وهذه ليست عاطفة شخصية، وإنما قاعدة علمية في إدارة المؤسسات الإعلامية ..أن التنظيم الإداري المؤسسي يعني وضع كل شخص وكل شيء في مكانه، وربط الوظائف والعلاقات والسلطات لتحقيق أهداف المؤسسة.. وأن التنظيم ليس هدفاً في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف المؤسسة، وأنه عملية مستمرة قابلة للتعديل وإعادة البناء متى تغيرت الظروف أو ظهرت اختلالات في الأداء.

*وهنا بالضبط تكمن المشكلة إذا كانت الحرب قد غيرت ظروف العمل الإعلامي في السودان، فالمطلوب ليس تجميد المؤسسة، وإنما إعادة تنظيمها على أسس علمية تتناسب مع المرحلة الجديدة  وإذا كانت المؤسسة قد تعرضت للدمار، فالمطلوب ليس إقصاء كوادرها، وإنما إعادة توظيف خبراتها في مشروع الإعمار

وإذا كانت هناك إدارات تحتاج إلى التغيير، فليكن التغيير وفق معايير معلنة: الكفاءة، والخبرة، والتخصص، والقدرة على الإنجاز .

*أما أن يصبح الموظف لا يعرف أين موقعه، ولا يعرف من يتخذ القرار، ولا يعرف لماذا أُبعد، ولا متى يعود، ولا من المسؤول عن مستحقاته، فهذه ليست بيئة إدارية سليمة.. ومن الأمور التي تستحق التوقف والاستغراب أيضاً أن تُكلَّف لجنة أو مجموعة من الأشخاص، بتفويض معلن من المدير العام، لمتابعة قضية تخص الهيئة أو العاملين فيها،رغم وجود إدارات عامه بالهيئة لكن الإدارة ترى في تكوين لجان  الحل الامثل لهذه القضايا ثم تجد هذه اللجنة نفسها أمام أبواب مغلقة، أو لا تجد الاستقبال والتعامل المؤسسي الذي يفترض أن تجده الإدارات الحكومية بعضها من بعض.. فإذا كانت اللجنة قد كُلِّفت رسمياً ومفوضة من الجهة المختصة، فإن التعامل معها ينبغي أن يتم في إطار مؤسسي واضح، لا أن تُترك معلقة بين الانتظار والرفض والتجاهل.

 

*وأنا هنا لا أستغرب من اللجنة، وإنما أستغرب من المنهج الإداري الذي أوصلها إلى هذا الوضع. فكيف نطالب العاملين بالإنجاز والانضباط والالتزام، بينما لا نهيئ لهم قنوات مؤسسية واضحة لإنجاز مهامهم؟ وكيف نطالب الموظف بأن يحترم التسلسل الإداري، ثم لا يُحترم التفويض الإداري الصادر إليه عندما يمثل مؤسسته أمام جهة حكومية أخرى؟.

*إن احترام التفويض ليس مجاملة لأحد، واحترام اللجان المفوضة ليس منّة من إدارة على إدارة؛ وإنما هو جزء من أبسط قواعد العمل المؤسسي. فإذا كانت الإدارة  قد كلفت أشخاصاً رسمياً بمتابعة ملف، فإن واجب الإدارات الأخرى أن تتعامل معهم باعتبارهم ممثلين للجهة التي كلفتهم، ما دام التكليف قائماً ولم يصدر ما يلغيه.. والأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات تنتج النتيجة نفسها التي نشكو منها اليوم.