قراءة في قصة قصيرة جدا بعنوان: تيه للقاصّ السوري عبد الهادي الموسى
عاشور زكي وهبة
أولا: نصّ القصة
تيهٌ
تأخّرتْ قافلتُنا، أضعنا الطريقَ في الظُّلمة، أكملنا المسير على صوت الحادي يتغنّى بماضينا، كلّما أشرتُ إلى الضوء، انصتوا لكلام العرّافة.
ثانيا: القراءة
العنوان: تيهٌ
مصدر من فعل ثلاثي (تاه) أجوف، يفيد الخواء والفراغ.. والتيه يعني: الضلال والضياع والحيرة أو الهلاك، كما يشير إلى التكبّر
هل يحذرنا القاصّ من ولوج هذه القصّة/المتاهة /المفازة أو اللابرنت «Labyrinthe» كي لا نضل أونشقى؟
المتن
في الجزء الأول من القصّة القصيرة جدًّا، يبين لنا القاص حالة التأخر والضياع، وإكمال مسيرة القافلة رغم الظلام الكثيف والضلال البعيد من خلال ثلاثة أفعال في زمن الماضي: تأخّرت /أضعنا / أكملنا المسيرة.
استخدم القاص ضمير المتكلم الذي يفيد الجمع مع هذه الأفعال أي أن القاص/السارد تائهٌ مع أفراد القافلة/المجموعة البشرية، فهو جزء لا يتجزأ من القطيع؛ زيادة على ذلك فقد أدخلنا في هذا التيه العربي حينما قرأنا قصته.
أكملنا المسيرة رغم (التأخر) الحضاري، والضياع في غياهب ظلمات الجهل والضلال على صوت غناء (الحادي) بالماضي التليد والمجد البائد.
والحادي يمثل رمزا لكل ثقافة الرجعية والتخلّف التي لا ترانا إلا من خلال عدسة القرون الوسطى.. وكأن الزمن توقّف بنا عند العصر الوسيط، فلا مكان لنا في هذا العالم الحديث والمعاصر.. فإذا أردنا التقدم جذبنا الماضي بأشباحه في ظلمة الركب الحضاري.. نلبس أسمال الماضي العربي.. العربي الجيد، هو العربي الميت! أمّا العربي المعاصر تفككه نعرات الماضي في شيع ومذاهب شتى، عوامل هدم وتشرذم؛ وليست عوامل بناء واتحاد.
ويستمر غناء الحادي المخدر بالأمجاد الغابرة المنيرة البعيدة، رغم الضلال/الظلام المعاصر البعيد.
في الجزء الثاني يطل علينا السارد الذي يمثل صوت العقل/العلم/النور بأن (يشير) بيده إلى وجود ضوء في نهاية النفق الحضاري العربي.. لكنه بلا صوت على خلاف الحادي المترنم بالأمجاد.. قوم في ظلمات الجهل والضلال، لديهم حاسّة سمع قوية، بحيث تحوّلوا إلى (آذان) تسمع ولا تعقل أي إشارة لضوء العلم، فلا يعيرون للعالم السارد ولا لضوئه اهتماما.
قوم جُبِلوا على سماع الدندنة المُخدّرة، والكنكنة المسيطرة على العقول والأفئدة، فأصبحوا كالأنعام، أو أضلّ سبيلا ينصتون دومًا لصوت الجهالة (العرّافة) الغارقة في الظلمة؛ وليس لإشارة العالِم المضيئة والواضحة وضوح الشمس.
كلام (العرّافة) الملتبس الغامض ينصتون له، كلما أشار لهم السارد (العليم) إلى اقتراب الضوء… فاستحقوا العيش في التيه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا