آخر الأخبار

جيل الحرب.. أحلام تنبت من وسط الركام (1-2)

  • أطفال لم يترعرعوا على العاب الطفولة بل على أبجديات البقاء
  • الظاهرة تجاوزت الأبعاد السياسية والعسكرية لتلامس العصب الإنساني
  • أطفال الحرب ليسو ضحايا نتحسر عليهم بل هم بذور أمل للأمة السودانية
  • مهندس الأمل،حكواتية الأطفال، العامل الصغير.. قصص تشبه المعجزات
  • مرشدة نفسية: ثلاث سنوات ليست مجرد رقم في تقويم الزمن بل عمر كامل في ذاكرة الطفل

تحقيق ــ نعمات ابوزيد:
بين دروب النزوح وأزقة المخيمات في السودان تجد قصصا تشبه المعجزات الصغري.. أطفال لم تسلبهم الحرب بصيرتهم بل صقلت فيهم إرادة تشع أملا.. ماذا فعلت ثلاث سنوات بجيل الحرب؟.. الأطفال بعيدا عن أرقام النزوح أطفال فقدوا..أباهم…أطفال إنقطعو عن التعليم… أطفال يعملون لإعالة أسرهم.. وأطفال أصبح العنف بالنسبة لهم شيئا عاديا.. حملنا تسأؤلاتنا ودلفنا نحو أهل الإختصاص من علماء النفس والإجتماع والخبراء التربويين وكانت الحصيلة التحقيق التالي:
 مهندس الأمل:


هذه النماذج تذكرنا دائما بأن اطفال الحرب ليسوا مجرد ضحايا نتحسر عليهم فقط، بل هم بذور أمل وقادة للمستقبل إذا ما وجدت اليد التي تمتد لتساندهم وتستثمر في طاقاتهم.. هذه ثلاثة نماذج واقعية ومستوحاة من أزمنة الأزمات تحاكي روح الصمود
ــ عثمان، 11 سنة، يلقبونه في مركز الإيواء بـ(مهندس الأمل) فقد والده في الخرطوم فإنتقل مع أسرته إلى نهر النيل ليحط بهم الرحال داخل احد مراكز النزوح، وبدلا من الإستسلام للواقع ،جمع عثمان أسلاكا كهربائية تالفة وألواحا شمسية صغيرة مكسورة وصنع منها مصابيح إنارة خفيفة لخيمة أسرته وللأطفال الذين يدرسون ليلا.. عثمان يجسد كيف يتحول شغف الإكتشاف إلى شعلة تبدد ظلمة النزوح.
حكواتية الأطفال:
مريم طفلة يافعة لم يتجاوز عمرها عشر سنوات.. نزحت مع أسرتها من مدينة الفاشر إلى معسكر النزوح بضواحي مدينة الدبة بالولاية الشمالية .. ورغم أنها إنقطعت عن مدرستها في الفاشر لكنها لم تتوقف عن التعليم بمعسك النزوح بالدبة.. إتخذت مريم من ظلال إحد ى الأشجار باطراف معسكرالنزوح فصلاً دراسيا وصارت تجمع الأطفال الأصغر سنا لتروي لهم بإسلوب شيق جذاب ما تحفظه من قصص كتبها المدرسية وتعلمهم الحروف برسمها لهم على التراب.. ولذلك إشتهرت وسط النازحين من سكان المعسكر بـ(حكواتية الاطفال) .. الطفلة النازحة، مريم ،تمثل الروح القيادية التي تحمي الذاكرة والتعليم من الإندثار.
العامل الصغير:
أحمد، طفل صغير لا يتجاوز عمره 14 سنة، يقيم مع إخوته الصغار بأحد معسكرات النزوح، إضطر للعمل في نقل البضائع بالأسواق لإعالة أخوته الصغار، ورغم الإنهاك البدني كان أحمد يحرص على إقتطاع جزء من وقته يوميا ليقود أقرانه نحو المساحات الصديقة للأطفال ليمنعهم من الإنجراف للشارع ومحاولات الإستغلال .. أحمد، أصبح نموذجا للحماية الأسرية والوعي المبكر، فعقله اكبر من عمره، صامد صبور محب للآخرين.
العصب الإنساني:
من خلال الجزئية القادمة من التحقيق نرى كيف أثرت سنوات الحرب الثلاث على الاطفال ونفسياتهم.. (هادية الشريف)، مرشدة الصحة النفسية، خصت (أصداء سودانية) بهذا التحليل النفسي للصحة النفسية لأطفال الحرب بقولها:
ثلاث سنوات ليست مجرد رقم في تقويم الزمن، بل هي عمر كامل في ذاكرة الطفل، فعندما تمتد الحرب لثلاثة أعوام فإنها لا تدمر البنية التحتية للمدن فحسب، بل تعيد هيكلة الوجدان والوعي لدى جيل كامل
لتصنع ما يمكن تسميته بـ(جيل الحرب)، جيل لم يترعرع على العاب الطفولة بل على أبجديات البقاء.. تتجاوز هذه الظاهرة الأبعاد السياسية والعسكرية لتلامس العصب الإنساني والإجتماعي المباشر.. فالأبعاد النفسيه لجيل الحرب تنشآ بالتزامن مع تشرد الأسرة وفقدان الأب، وذاك لايعني فقط غياب المعيل، بل هو إنهيارلشبكة الأمان العاطفي والرمز المرجعي للطفل ، حيث يتحول الطفل الفاقد لوالديه فجأة من كائن يفترض أن يتلقى الرعاية إلى فرد يواجه العراء النفسي مما يولد شعورا مبكرا بالإضطهاد او الضياع وإغتيال المستقبل عبر التسرب من التعليم، فإنقطاع الأطفال عن المدارس لثلاث سنوات يقطع التسلسل الطبيعي للنمو المعرفي والفكري والذي لا يتوقف عند حد الأمية بل يمتد لإنتاج جيل يفتقر لمهارات التواصل الإجتماعي والتفكير النقدي مما يعزز الفجوة الطبقية والمعرفية مستقبلاً

وعمالة الأطفال هي أقسي ما يكون ، فعندما يحل الطفل محل والده في إعالة الأسرة يحدث ما يعرف نفسيا، بـ(تبادل الأدوار)، حيث يمارس الطفل مسؤوليات تتجاوز قدراته الجسدية والعقلية مما يحرمه من مرحلة الإكتشاف واللعب، ويجبره النظر إلى العالم بجدية قاسية مشوبة بالإنهاك الداخلي والعنف والتكيف السلبي، فعندما يتكرر المشهد العنيف لثلاث سنوات يتكيف العقل البشري خاصة عند الأطفال عبر آليات دفاعية تجعل من المشاهد المروعة أمرا مألوفا ،فالعنف هنا يتحول من حدث طارئ
إلى لغة يومية ونمط حياة، مما يهدد بنمو أجيال تترجم مشاعرها عبر سلوكيات عدوانية بدلا من الحوار.. فما حدث للأطفال ليس مجرد مناظر بشعه بل هو طاقة إنسانية تم حظر نموها الطبيعي، وإصلاح هذا الخلل الإجتماعي لا يتطلب فقط وقف النزاعات بل يحتاج إلى إستراتيجيات لإعادة تأهيل نفسية وتربوية شاملة تعيد للطفل حقه في أن يكون طفلا قبل أن يفرض عليه أن يكون بالغا رغما عنه. .فتجربة الأطفال في السودان تظهر ان أثر النزاعات لاينتهي عند وقف إطلاق النار بل يبدأ، فجيل الحرب في السودان ليس مجرد آرقاما تحصى وتعد في تقارير الإغاثة، بل هو تشكيل إجتماعي ونفسي جديد يعاد رسمه.
ومعالجة هذه الأزمة تقتضي النظر إلى الأطفال ،ليس فقط كضحايا بحاجة إلى الغذاء والمأوى بل ككيانات إنسانية تحتاج إلى ترميم شامل بدءا من إعادة بناء المنظومة التعليمية، ومرورا بالدعم النفسي والإجتماعي الممتد ، وصولا إلى توفير بيئات آمنة تسترد فيها الطفولة مسارها الطبيعي المستحق.. لذلك يجب وضع برنامج كامل لإعادة التأهيل النفسي والإجتماعي لأطفال الحرب في السودان يركز على التعليم المدمج والدعم النفسي، لإعادة ترميم الوجدان ونزع العنف من مخيلة أطفال الحرب في السودان، و يجب أن ننتقل من حلول الإغاثة المؤقتة إلى منظومة إعادة بناء متكاملة، ويرتكز هذا البرنامج على دمج التعليم غير التقليدي
(المدمج) مع الدعم النفسي الإجتماعي المدمح ليعمل في ظروف نزوح الأسر وغياب جدران المدارس التقليدية والأساسية.
الحلقة القادمة:
ــ تحول بنيوي عميق في أوضاع الأطفال بسبب الحرب.
ــ النضج القسري ظاهرة إجتماعية فرضتها ظروف النزاع.
ــ إنقاذ الأطفال من آثار الحرب ليس عملا إنسانيا فحسب بل إستثمار في مستقبل السودان.