آخر الأخبار

جيل الحرب.. أحلام تنبت من وسط الركام (2-2)

  • كارثة جيلية تهدد 24 مليون طفل سوداني
  • الحرب أعادت تشكيل أطفال السودان واصابتهم بعدم الإستقرار الإجتماعي
  • النضج القسري.. الهوية المعلقة.. الفجوة المعرفية آثار سالبة للحرب على الأطفال
  • استاذة إجتماع: الحرب أعادت تشكيل الطفولة وأصابتهم باللا إستقرار الإجتماعي
  • خبيرة تربوية: جيل الحرب يحمل آثارها السالبة في ذاكرتهم وسلوكهم ومستقبلهم

تحقيق ــ نعمات ابوزيد:
بين دروب النزوح وأزقة المخيمات في السودان تجد قصصا تشبه المعجزات الصغري.. أطفال لم تسلبهم الحرب بصيرتهم بل صقلت فيهم إرادة تشع أملا.. ماذا فعلت ثلاث سنوات بجيل الحرب؟.. الأطفال بعيدا عن أرقام النزوح أطفال فقدوا..أباهم…أطفال إنقطعو عن التعليم… أطفال يعملون لإعالة أسرهم.. وأطفال أصبح العنف بالنسبة لهم شيئا عاديا.. حملنا تسأؤلاتنا ودلفنا نحو أهل الإختصاص من علماء النفس والإجتماع والخبراء التربويين وكانت الحصيلة التحقيق التالي
النضج القسري:


الدكتورة، نهي حمزة، أستاذة علم الإجتماع جامعه الخرطوم، تبدي وجهة نظرها العلمية من المنظور الإجتماعي حول هذه القضية، بقولها:
الآثار المترتبة من حرب السودان على الاطفال أظهرت تحوّلًا بنيويًا عميقًا في أوضاع الأطفال، إذ لم تقتصر آثار النزاع على تدمير البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية، بل إمتدت إلى إعادة تشكيل الطفولة بوصفها بناءً اجتماعيًا تأثر بإنهيار مؤسسات الحماية والرعاية، فقد أسهم العنف المسلح والنزوح المتكرر في إنتاج حالة من اللا إستقرار الإجتماعي، إنعكست في فقدان الأطفال لبيئاتهم المألوفة، وتفكك العديد من الروابط الأسرية، وتراجع شبكات الدعم المجتمعي التي كانت توفر لهم الحد الأدنى من الحماية والأمان.
وفي هذا السياق، أدت الخبرات المرتبطة بالحرب، بما في ذلك التعرض المباشر للعنف، وفقدان أفراد الأسرة، والعيش في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، إلى آثار نفسية وإجتماعية عميقة، تجلت في تحمّل كثير من الأطفال مسؤوليات أسرية وإقتصادية وإجتماعية تتجاوز مراحلهم العمرية، وهو ما يمكن وصفه بحالة من (النضج القسري) التي فرضتها ظروف النزاع.. كما أفضى تعطل العملية التعليمية إلى إتساع نطاق الإنقطاع عن التعليم، الأمر الذي عمّق الفجوة المعرفية، وأضعف فرص تنمية رأس المال البشري، بما يحمله ذلك من آثار طويلة الأمد على مسارات التنمية وإعادة بناء المجتمع.
وفي سياقات النزوح واللجوء، واجه الأطفال تحديات إضافية تمثلت في العيش بين بيئات ثقافية وإجتماعية متباينة، الأمر الذي أوجد حالة من (الهوية المعلّقة) ،وصعوبات متفاوتة في التكيف والإندماج داخل المجتمعات المستضيفة.. ورغم هذه التداعيات، تكشف تجارب الأطفال عن مستويات ملحوظة من المرونة الإجتماعية والقدرة على التكيف، من خلال بناء أشكال جديدة من التضامن والمساندة داخل مجتمعات النزوح واللجوء، بما يؤكد أنهم ليسوا مجرد ضحايا للحرب، بل فاعلون إجتماعيون يسهمون، بوسائلهم المحدودة، في إعادة إنتاج الحياة اليومية والحفاظ على الروابط الإجتماعية في ظل ظروف إستثنائية.
وتؤكد هذه التحولات أن الحرب لم تُحدث أزمة إنسانية عابرة فحسب، بل أعادت تشكيل الطفولة بإعتبارها مؤسسة إجتماعية تتأثر بالبني السياسية والإقتصادية والثقافية، ومن ثم فإن معالجة آثار الحرب على الأطفال تتطلب مقاربة تتجاوز الإستجابة الإنسانية الآنية، لتشمل سياسات شاملة لإعادة بناء منظومات الحماية الإجتماعية والتعليم والصحة والدعم النفسي، بما يضمن إستعادة حقوق الأطفال وتعزيز قدرتهم على الإسهام في بناء مجتمع سوداني أكثر عدالة وإستقرارًا في مرحلة ما بعد الحرب.
السؤال الحقيقي:
من جانبها خصت الخبيرة التربوية، محاسن إبراهيم، بمرافعة تربوية قيمة عن آثار الحرب على أطفال السودن بقولها:
جيل الحرب ليس مجرد رقم في إحصاءات النزوح، بل جيل يحمل آثار الحرب في ذاكرته وسلوكه ومستقبله.. ثلاث سنوات كانت كافية لأن يفقد طفل اباه ومدرسته وأمانه، وأن يجد نفسه في سوق العمل بدل مقعد الدراسة ، أو يرى العنف شيئاً مألوفاً في حياته اليومية ،فالقضية هنا أكبر من السياسة إنها قضية إنسان ووطن ومستقبل.. فالطفل الذي نحرمُه اليوم من التعليم والأمان قد ندفع ثمن ذلك غداً في صورة فقرٍ وعنفٍ وتفككٍ إجتماعي.. والسؤال الحقيقي ليس فقط كم طفلاً نزح؟ بل كم طفلاً تغيّر داخله بسبب الحرب؟، وكم منهم يحتاج اليوم إلى مدرسة وحماية ورعاية نفسية وأسرة آمنة وفرصة ليحلم من جديد؟.
إنقاذ الأطفال من آثار الحرب ليس عملاً إنسانياً فحسب بل إستثمار في مستقبل السودان لأن إعادة بناء الوطن تبدأ بإعادة بناء طفولة آمنة.
ومن الجانب التربوي فإن آثار الحرب على الطفل لا تتوقف عند فقدان المدرسة أو الإنقطاع عن التعليم ،بل تمتد إلى تكوين شخصيته ونظرته إلى الحياة والمستقبل، فالمدرسة ليست مكاناً للتعلم فقط وإنما مساحة للأمان والإنتماء وبناء الثقة والمهارات الإجتماعية.. لذلك فإن إعادة الأطفال إلى التعليم يجب أن تكون أولوية مع توفير بيئة مدرسية آمنة تراعي ما مروا به وتمنحهم الدعم النفسي والتربوي بعيداً عن التوبيخ والضغط.. كما يقع على المعلم والأسرة والمجتمع دور كبير في إكتشاف آثار الصدمة وتعزيز الحوار والتسامح وإعادة بناء ثقة الطفل بنفسه وبالآخرين.. فالتربية في زمن الحرب لا تعني فقط تعويض ما فات من دروس، بل إعادة بناء الإنسان من الداخل، تعليمٌ يعيد للطفل حقه في أن يحلم ويمنحه الأدوات ليصبح مواطناً قادراً على المشاركة في بناء وطنه.. فكل طفل نعيده إلى مقعد الدراسة اليوم ونمنحه الأمان والرعاية والأمل هو لبنة حقيقية في بناء سودان أكثر استقراراً وسلاماً غداً
كارثة جيلية:


من جانبها وصفت اليونيسيف الوضع في السودان ب (كارثة جيلية) ،لأن الحرب دمرت 3 حاجات أساسية: البيت، المدرسة، الطفولة، وبالنسبة للتعليم هناك جيل ضائع، منهم 19 مليون طفل في سن المدرسة بلا تعليم رسمي، وأكثر من 90 في المائة من أطفال السودان خارج المدارس، وحوالي 5 مليون طفل محاصرين في مناطق النزاع النشط ومهددين بفقدان التعليم والحماية.. جيل ممكن يخسر 26 مليار دولار من دخله المستقبلي.
وتشير التقارير ان 24 مليون طفل سوداني في خطر الكارثة الجيلية، منهم 14 مليون طفل يحتاجون مساعدة إنسانية عاجلة، و 4 مليون طفل نزحوا من بيوتهم.. و12.4 مليون شخص إجمالي النازحين، أكثر من نصفهم أطفال، بجانب إنتهاكات جسيمة ضد الأطفال: (قتل، تشويه، إختطاف، تجنيد، عنف جنسي، هجمات على المدارس والمستشفيات)، و8.9 مليون طفل يعانون من إنعدام الأمن الغذائي الحاد، و4 مليون طفل دون الخامسة متوقع إصابتهم بسوء التغذية الحاد هذا العام 2026 منهم 730 ألف طفل في حالة سوء تغذية حاد مهدد للحياة نصفهم في مناطق يصعب الوصول إليها بسبب القتال، إضافة إلي تفشي أمراض خطيرة مثل، الكوليرا، والحصبة،والملاريا، بسبب نقص المياه النظيفة والإنخفاض الحاد في تطعيم الأطفال بسبب القتال.. والموضوع الأكثر خطورة عمالة الأطفال التي زادت مع إغلاق المدارس وإنهيار دخل الأسر، حيث وصل عدد الاطفال الذين يعملون في بعض الأعمال ومنها أعمالا شاقة 2.7 مليون طفل.