المرأة الكاتبة… حين يساء فهمها
نورة موافقي – الجزائر:
أحيانا تكون أصعب معركة تخوضها المرأة الكاتبة هي أن تجعل الآخرين يرون ما وراء كونها امرأة.
تكتب نصًا عن الوطن… فيبحث. أحدهم عن صورة صاحبة النص تكتب عن الفلسفة… فيجرّ الحديث إلى حياتها الخاصة
تكتب عن الحب…فيفترض أنها تعترف
تكتب عن الخذلان… فيسأل: من فعل بكِ هذا؟
وكأن الكاتبة عاجزة عن تخيّل فكرة لم تعشها ، أو عن كتابة شعور لم يحدث لها.
وهنا تبدأ الحكاية المزعجة
بعضهم لا يقرأ النص، بل يقرأ صاحبته. لا يبحث عن جمال الفكرة، وإنما عن منفذ إلى المرأة التي تقف خلفها.. وقد يبدأ الأمر بتعليق أدبي لطيف ، ثم يتحول شيئًا فشيئًا إلى أسئلة شخصية ، ورسائل خاصة، وإيحاءات لا علاقة لها بالأدب.
والأغرب أن بعض هؤلاء يعرف تمامًا كيف يختبئ خلف اللغة.
يأتيك في ثوب القارئ المثقف، يعرف أسماء الشعراء، ويحفظ بعض الأبيات الشعرية.. وأقوال فلاسفة ، ويتحدث عن جماليات النص، ثم يترك كل ذلك فجأة ليختبر حدودك أنتِ
هنا تدرك الكاتبة أن المشكلة ليست في الكلمات التي كتبتها، وإنما في العين التي تقرأها.
المرأة التي تكتب ليست مشروع علاقة عاطفية، وليست شخصية مفتوحة في نهاية رواية أو قصيدة يبحث كل قارئ عن دوره فيها. هي إنسانة لديها عقل وتجارب وأسئلة ومواقف، وقد يكون قلمها أوسع بكثير من حياتها الشخصية.
ومن أكثر الأشياء ظلمًا للمرأة الكاتبة أن تُحاسب على جرأة نصها وكأنها سيرة ذاتية
تكتب المرأة عن رجل، فيقال: يبدو أن وراء النص حكاية
وتكتب المرأة عن الحب فيبدأ التحقيق
حتى نجاحها قد يصبح عند البعض مادة للتأويل. إذا أثنوا على كتابتها، سألوا: من يقف وراءها؟ وإذا وصلت إلى مكان أدبي، بحثوا عن الطريق الذي سلكته، وكأن الموهبة وحدها لا يمكن أن تحمل امرأة إلى الأمام.
لكن المرأة الكاتبة مع الوقت تتعلم شيئًا مهمًا.
أن تحرس المسافة بين أدبها وحياتها
ليس عليها أن تشرح كل نص كتبته، ولا أن تكشف من أين جاءت الفكرة، ولا أن تقدم تقريرًا عن كل شخصية اخترعتها. يكفي أنها كتبت، ويكفي أن يقرأ القارئ النص بوصفه نصًا.
والكاتب الحقيقي يعرف أن احترام المبدع يبدأ من احترام حدوده.
فالكلمة باب نعم لكنها ليست دعوة للدخول إلى حياة صاحبها دون استئذان.
والمرأة التي تمنحك نصًا جميلًا، تمنحك جزءًا من عقلها وموهبتها ووقتها ،فلا تحاول أن تنتزع منها ما لم تعرضه عليك.
اقرأ ما كتبت ، ناقش فكرتها ، اختلف معها إن شئت ، أشدد على قلمها إن أعجبك حرفها، لكن اترك لها حقها في أن تبقى إنسانة خارج النص
فالكاتبة لا تحتاج إلى من يكتشف أنوثتها بين السطور ، بل إلى من يكتشف فكرها ، موهبتها.
وكلما ارتفع مستوى القارئ ، قلّت حاجته إلى اختراع علاقة بينه وبين صاحبة النص.
لأن الأدب في النهاية لقاء بين عقلين، وليس ذريعة لاقتحام حياة أحدهما.