آثار الحرب في الخرطوم … الجثث على قارعة الطريق وداخل المنازل
- جمعية تعزير الصحة : لابد من التعامل مع رفاة الجثث (المنبوشة) بما يليق بكرامة الإنسان
- الهلال الأحمر : هذا ما جرى مع الجثث التي كانت منتشرة على الطرقات في مناطق الخرطوم المختلفة
- مواطن: بعض الجثث تحولت لأشلاء وأخرى تعفنت وتلك المناظر لن تنمحي من الذاكرة
تحقيق – حنان كشة:
بعد اجتياح مليشيا الدعم السريع للعديد من المناطق والأحياء بالعاصمة الخرطوم في بداية حربها تناثرت الجثث في كل مكان بأعداد كبيرة, بعضها تم دفنها بالقرب من أبواب منازل الموتى وبعضها دفنت في الميادين القريبة من مكان القتل, حيث أنه بسبب الأوضاع الإستثنائية التي فرضها واقع الحال صار المواطنون يعملون على ستر الجثث حتى لا تكون عرضة لنهشها بواسطة الكلاب الضالة بعد تناثرها في كل الأماكن داخل المنازل التي إستولت عليها مليشيا الدعم السريع وعلى الطرقات وتحت الأنقاض, وقد حدث وتناولتها الكلاب الضالة بالفعل لكن يا ترى هل طوي الأمر وإنقضى كل شئ أم أن للأمر آثار لاحقة وراهنة بينها تأثيرات في إنتشار الأوبئة ولعل كثيرون ممن غادروا بسبب الحرب لا يفكرون في العودة ثانية لتخوفهم من أوبئة وأمراض تسببها الجثث بعد تحللها..
مشاهدات صادمة:
تفاوتت مشاعر المواطنين في الأيام الأولى للحرب حسب شهود عيان تحدثوا لصحيفة (أصداء سودانية) يقول عوض عثمان عبدالله الذي يسكن في منطقة الجرافة شمال أمدرمان أن مشاهد الجثث كانت صادمة للجميع, حيث تناثرت الجثث عقب مواجهة قوة في منطقة وادي سيدنا بين الجيش وقوة تابعة لمليشيا الدعم السريع كانت تتواجد في جبل (الشكاب) حيث كانت المسافة بينهم صفر وإنتشرت قوات الأخيرة في شارع الوادي وكان تواجدها بكثافة في الشارع المؤدي لمدينة الحلفايا وعدد من الطرقات الفرعية حول المنطقة مما حدا بالقوات المسلحة أن تطلق النار عليهم وتناثرت جراء ذلك جثث بأعداد كبيرة تواصل تواجدها لثلاث أيام عقب المواجهة حتى أن بعضها بدأ يتعفن، وسرد عوض عثمان عبدالله تلك المشاهد دفعة واحدة وكأنه يرى ذات المشاهد تتكرر أمام ناظريه حتى سالت الدموع من عينيه فمسحها بطرف قميصه الذي يرتديه ثم صمت لحظة حدق خلالها في المجهول ثم عاد مواصلا حديثه قائلا بعض الجثث تحولت لأشلاء وبعضها تعفن وأن تلك المناظر لن تنمحي من الذاكرة قال ذلك وصمت وآثر عدم الإستمرار في السرد فتركناه.
قدسية الجثث:
الإعلامي محمد آدم عربي الناطق الرسمي بإسم جمعية الهلال الأحمر يحكي لصحيفة (أصداء سودانية) تجربته في التعامل مع الجثث بقوله: ساقني القدر للإلتحاق بجمعية الهلال الأحمر السوداني ومن بين الخبرات العملية التي يكتسبها المتطوعين بإحترافية الإسعافات الأولية، العلاج النفسي وإدارة الجثث ويتم تنسيق تلك الكورسات مع الصليب الأحمر ويضيف الناطق الرسمي بإسم جمعية الهلال الأحمر السوداني أنه لابد من الحصول على ضمان من المقاتلين لضمان سلامة المتطوعين بالترتيب مع الجهات الحكومية عند البلاغ بوجود جثث حيث يذهب فريق المتطوعين وهم يرتدون زي أشبه برجال الفضاء وتكون الكمامات سميكة جدا مع أحذية بلاستيكية مصنوعة بشكل متقن إلى جانب الجونتيات السميكة ويحمل أعضاء الفريق أكياس تسع الجثة مهما كان وزنها وطولها بالإضافة إلى كيس خاص لوضع ممتلكات صاحب الجثة سواء كانت ساعة أو موبايل أو ورق ونحو ذلك وإذا وجدت بطاقة أو إثبات شخصية توضع داخل الكيس الذي يجمل الجثة وفي حالة ما إذا كان المتوفي من أي من طرفي القوات المقاتلة يكتب إسم المتوفي على الديباجة.
ويتم تصوير الجثمان من كل الجهات حسبما يقول الناطق الرسمي بإسم جمعية الهلال الأحمر ثم توضع الجثة في السيارة ومنها إلى المقابر حيث يصلى عليها وتدفن وحسب قوله فإن ذلك هو ما جرى مع الجثث التي كانت منتشرة على الطرقات خلال إحتدام القتال بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، ووفقا لإفادته فإن فريق الهلال الأحمر بمحلية جبل الأولياء قام بدور كبير حيث أنه تم تدريبه مع الفريق العامل بولاية الخرطوم بإشراف صحة البيئة وفروعها بالمحليات.
إنتشار الأوبئة:
القانون الدولي الإنساني نظم القضية بتأكيد إحترام جثث الموتى وحمايتها أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية وفقا لما جاء في بند أحكام خاصة من إتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977م والقانون الدولي العرفي.
ووفقاً للدكتور مصعب برير حاج أحمد رئيس جمعية تعزيز الصحة السودانية الذي تحدث لصحيفة (أصداء سودانية) فإن دليل إدارة الجثث بعد وقوع الكوارث الذي نشرته منظمة الصحة للبلدان الأمريكية يشير إلى أنه ينشأ عقب معظم الكوارث الطبيعية والحروب خوف من أن تتسبب الجثث في إنتشار الأوبئة وذلك إعتقاد عام حسب قوله لا تدعمه الأدلة وغالبا ما تخطئ وسائل الإعلام وعدد من الأطباء وبعض المختصين في نشره ليس ذلك فحسب حيث أن الضغط السياسي الناتج عن الشائعات التي تروج لتضمن الجثث مخاطر كبيرة .
إستراتيجية واضحة:
ويؤكد الدكتور مصعب برير أنه لابد من التعامل مع القضية بإستراتيجية واضحة ودقيقة على أن يتم تطبيقها بعد نهاية الحرب بحيث يتم تطبيقها بعد الحرب مباشرة ومضى ليشير لضرورة إنشاء جسم موحد للتعامل مع القضية بالبدء بتلقي بلاغات المواطنين والإستجابة السريعة لها والتعامل الصحيح مع رفات الجثث المنبوشة أو المجموعة بما يليق وكرامتها الإنسانية.
ومضى دكتور مصعب برير حاج أحمد رئيس جمعية تعزيز الصحة السودانية أنه لابد من التعامل الإنساني الآمن مع الجثث أثناء وبعد الحرب ويزيد أن الإنتباه والإستعداد المبكر لها يشكل أحد الإجراءات المهمة التي لابد من التركيز عليها مع ضرورة تحديد غرفة ورقم للبلاغات مع تيم للإستجابة السريعة بكل محليات الولايات التي شهدت إشتباكات مسلحة خلال فترة الحرب وشدّد دكتور مصعب أنه لابد من الإنتباه لضرورة مراجعة المنازل والأحياء المعنية جيدا والتأكد من عدم وجود مقابر بها قبل عودة الأطفال على الأقل بعد نهاية الحرب.