آخر الأخبار

(الكمرد كيكل) .. الانهيار الدراماتيكي وسقوط الدعم السريع

 

  • كيكل كان مشروع حاضنة للتمرد بقطاع الجزيرة وشرق السودان
  • الخطاب العنصري العروبي كان أحد أدوات دغدغة المشاعر التي تمكن بها كيكل حشد أتباعه
  • بعد استسلام (كيكل) بدأ الدعم السريع مرحلة الإنهيار الدراماتيكي والسقوط

 

بروفيسور- على عيسى عبَد الرحمن:

من الخطأ التقليل من شأن الآخر سيما العدو أوالعدو السابق بدافع النيل منه أو بسبب الجهل عن حقيقته، وهذا ما يمكن قوله عن أولئك الذين قللوا من شأن كيكل وتحركاته وجعلوا منه سارق أغنام النساء وأن القبيلة نبذته ولا اتباع لديه وبذلك أصبحت الصورة الذهنية عن كيكل هو ذاك المتمرد المنبوذ من قبيلته صاحب التاريخ المنحط.
مشروع حاضنة للتمرد:
هذه القراءة عن واقع قائد تمرد الدعم السريع بقطاع الجزيرة خاطئة فالقائد كيكل كان مشروع حاضنة للتمرد بقطاع الجزيرة وشرق السودان وعبره يمكن للدعم السريع أن يتمكن من أحداث خرق على جدار شرق السودان ونقل الحرب إلى جبهة الشرق وتحقيق السيطرة على وسط وشرق السودان والتواصل مع بعض دول جوار شرق السودان ليكتمل حزام الدعم السريع الممتد من تشاد غربا إلى إثيوبيا شرقا.
كيكل لديه ما يقوله لجمهور الجزيرة باعتبار أن الجزيرة إحدى ضحايا مشروع دولة 56 ( كما جاء التفصيل بمنفستو الدعم السريع الدعائي) ، وبذلك يكسب عقول الجميع بالجزيرة وواضح من خلال لقاءاته الجماهيرية الحاشدة بالجزيرة أن لديه أتباع.
دغدغة المشاعر:
الخطاب العنصري العروبي الذي يجمع قبائل الدعم السريع العربية وأتباع كيكل، يمثل هذا الخطاب أحد أدوات دغدغة المشاعر تمكن كيكل من خلاله أن يحشد الأتباع بمناطق نفوذه وبالطبع للقصة بقية بعد أن تضع الحرب أوزارها وطي صفحتها.
انقطاع الشريان:
بيئة كيكل مواتية لحرب العصابات فمسرح عمليات القائد كيكل عرف تاريخيا بهشاشته الأمنية المتوارثة ( الهمبتة) وهي الصفة الرديفة للنهب المسلحة بدارفور
كما عرفت منطقة شرق السودان بالتهريب الذي أصبح مهنة للبعض في الشرق، فجرائم التهريب بالشرق ربطت بين الدعم السريع وهذه القبائل التي تقوم بالتهريب لمصلحة الدعم السريع، تجاوز الأمر لديها الارتباط العنصري العروبي بين قبائل الغرب العربية والشرق إلى الارتباط المصلحي فمنطقة سيطرة كيكل تمثل شريان حياة للدعم السريع ما يعني أن تمرد كيكل على الدعم السريع انقطاع هذا الشريان.
ومن المعروف أن شرق النيل بالخرطوم ظلت الجبهة النشطة في حرب الخرطوم والأكثر عددا وعتادا, وبها قوات النخبة للدعم السريع وذلك لأن خط الإمداد ظل مفتوحا عبر سهول البطانة وشرق السودان عموما، فكما تمثل جبهة أم درمان خط إمداد مفتوح عبر دول الجوار فكذلك جبهة الشرق خط إمدادها مفتوح عبر الجوار, فكما (شنقل كيكل ريكة) الدعم السريع حينما كان حليفا له فاليوم إنقلب الأمر وأصبحت كل عناصرالمعادلة في القوات المسلحة.
خروج قطاع الجزيرة:
بلا شك أن الشرخ الذي تركه الكمرد كيكل على جدار الدعم السريع باستسلامه للقوات المسلحة، هو شرخ هائل، ومن المستحيل رتقه، فانسلاخ كيكل يعني خروج قطاع الجزيرة عن سيطرة الدعم السريع وانحساره عن ولايتي سنار والنيل الأبيض ونهاية تصدير التمرد الى شرق السودان وبالتالي النهاية القصوى لحركة التمرد.

الإنهيار الدراماتيكي:
بناء على مؤشر استسلام كيكل، يحق لنا القول بأن الدعم السريع قد بلغ مرحلة الانهيار الدراماتيكي والسقوط الحر، والذي يعني تلاشي الدعم السريع (قبل أن يرتد إليك طرفك).
في ورقة علمية محكمة، من ثلاث مقال، نشرتها تحت عنوان ( انهيار حركة أكبر تمرد في أفريقيا المعاصرة) تضمنت ثلاث مباحث، ركزت فيها على عوامل انهيار الدعم السريع وخصصت لكل مبحث مجموعة عوامل هي التي عجلت بنهاية الدعم السريع.
جاء المبحث الأول تحت عنوان العوامل الذاتية الخاصة بالدعم السريع ودورها في انهياره وجاء المبحث الثاني تحت عنوان الجهود الوطنية وتناولت فيه العوامل المحلية ودورها في انهيار الدعم السريع وخصصت المبحث الأخير للعوامل الخارجية ودورها في انهيار الدعم السريع والمتمثلة في المنظمة الدولية ومؤسساتها والمجتمع الدولي فقد اشتكى حميدتي في خطابه الأخير من وقع العوامل الخارجية على الدعم السريع, هذه العوامل الثلاثة ونتائجها التراكمية هي التي أوصلت الدعم السريع إلى هذا الواقع,
أما الانهيار الدراماتيكي والسقوط الحر فثمة عوامل أخرى هي التي تتسبب فيه.
وتتمثل هذه العوامل في طبيعة مقاتلي الدعم السريع فمعظمهم فاقد تربوي متفلت لا يخضع لقانون ولا تنظمه لوائح ولا ينصاع لمعاني الضبط والربط العسكري مما يجعل السيطرة والتحكم على فرد الدعم السريع مستحيلة وقد تحدث عن ذلك حميدتي نفسه بعد خروجه من مخبئه مباشرة، ذكر أن هنالك منتمين إلى الدعم السريع ولكن لا سلطان له عليهم وهو بذلك يبرر للانتهاكات التي قاموا بها تجاه المواطنين العزل.
و ظاهرة تفلتات عناصر الدعم السريع بادية للعيان فأهداف الحرب لديهم الحصول على ممتلكات المواطنين وليس لهولاء قيم أخلاقية ولا إرادة قتال، فهؤلاء راية الاستسلام مرفوعة لديهم ومستعدون للاستسلام، بل جاهزون له في أي لحظة وهؤلاء أمر هروبهم من المشهد الميداني لا يكلفهم وقتا وببساطة يمكن أن يكون الهروب ظاهرة تنتظم كل ارتكازات وأماكن وجود الدعم السريع مما يعني الإنهيار الدراماتيكي والسقوط الحر.
من عوامل الإنهيار الدراماتيكي والسقوط الحر، للدعم السريع عدم وجود القيادة الميدانية للدعم السريع ، لقد فقد الدعم السريع عددا لا يحصى من القيادات العليا والوسيطة وقيادات التشكيلات الصغرى، فمع قيام المواجهة ومن أول يوم إنسحب من الدعم السريع أكثر من أربعمائة ضابط كانوا ملحوقين به من القوات المسلحة، كما قال ذلك حميدتي، وحل محل هؤلاء الضباط، قيادات (مسكول) والنتيجة كما قيل:
إذا كان الغراب دليل قوم
فما ربحوا وما ربح الغراب
وفي رواية, يمر بهم على جيف الكلاب
وحتى قيادات (قدر ظروف هذه) لقي منهم عدد كبير مصرعهم أثناء المواجهة.
وهذا الواقع من شأنه أنعداَم التحكم والسيطرة على المقاتلين وتعزيز الفوضى بين المقاتلين وكثرة الهرج والمرج في صفوف الدعم السريع مما يفضي إلى الانهيار الدراماتيكي.
من أسباب الإنهيار السريع للدعم السريع الإنتشار الواسع لقواته مما يفقده القيادة والسيطرة عليهم من ناحية ويسهل اختراقهم استخباراتيا من ناحية أخرى أواصطيادهم ميدانيا من ناحية ثالثة كما أن هذا الإنتشار مدعاة للتساقط والهروب من ناحية رابعة, وهذه الرباعية مما يدعم الانهيار الدراماتيكي والسقوط الحر لقوات الدعم السريع.
من عوامل إنهيار الدعم السريع دراماتيكيا اعتماده على المرتزقة الأفارقة والعرب، وشتان ما بين من يقاتل لهدف يؤمن به وذاك الذي يقاتل بدراهم وقد قيل ( ليست النائحة كالثكلى) فهؤلاء ببساطة يمكن أن يغيروا ولاءهم ويمكن شراؤهم من مصادرهم من قبل أي جهة بقليل من الجهد بالمال، لذلك هؤلاء لا يعتمد عليهم ولكن الدعم السريع يعتمد عليهم فهؤلاء هم الانهيار بعينيه فهم ل (البقيج) أسرع ولدراهم ثمنهم أشهى.
هذا الانهيار تتداخل عناصره لتحقيق هدف واحد هو الإنهيار الدراماتيكي والسقوط الحر للدعم السريع ولا شئ خلاف ذلك.
مطلوبات إدارة الأزمة:
هذا المصير للدعم السريع وبقدر ما يعتبر بشريات للذين يؤمنون بالقضاء والقدر إلا أن ملف الانهيار يحتاج إلى إدارة هي في الأصل إدارة أزمة واستراتيجية خروج للدولة في شقها الحكومي مما يستوجب معه وضع خطة لمواجهة ظاهرة الانهيار الدراماتيكي والسقوط الحر وتلكم من أوجب واجبات مرحلة ما قبل الانتقال للفترة الانتقالية، وآن للسودان أن يتجاوز التعاطي مع (قدر ظروفك) في مواجهة الملفات الاستراتيجية سيما التي يعيشها المشهد السوداني الآن، فالسودان يحتاج إلى أفق وتخطيط يستوعب التداعيات ببعدها الاستراتيجي.
من المعروف أن معنويات الدعم السريع الآن في الحضيض وهو الآن كالأسد الجريح الذي ينتقم على كل من حوله مما يعني ضرورة وضع خطة للتعامل مع هذا الواقع بتحييد ذئاب الدعم السريع المنفردة وتوجيه خطاب عبر كل الوسائل يتضمن التسامح ودعوة أفراد الدعم السريع لوضع أسلحتهم وتسليم أنفسهم إلى أقرب ارتكاز للقوات المسلحة.
كذلك مطلوب تنبيه المواطنين الذين تعايشوا مع الدعم السريع إلى أخذ الحيطة والحذر.
مطلوب أيضا التقليل من حدة الخطاب الذي يوجه إلى الدعم السريع من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي,
استراتيجية أزمة الانهيار الدراماتيكي والسقوط الحر للدعم السريع ملف مكتمل ومكمل لاستراتيجية الخروج من هذه الحرب وهي أعقد من العمليات الحربية وقد قيل إنما العبرة بالخواتيم.
وأي فشل في استراتيجية الخروج من هذه الحرب سوف يورد البلاد مجدد إلى المهالك، فاعتبروا يا أولي الألباب