إرتفاع الأسعار … شبح الجوع
تقرير- إشراقة الحلو
يشهد السودان موجة غلاء غير مسبوقة حيث وصل سعر جوال السكر إلى نحو ٣٢٥ ألف جنيه وجوال الدقيق إلى حوالي ٩١ ألف جنيه في المتوسط وتراوح سعر لتر الزيت بين ١٣ إلى ١٨ ألف جنيه و وصل سعر كيلو الضأن إلى نحو ٨٠ ألف جنبه وتتفاوت هذه الأسعار بصورة حادة حسب المنطقة و الوفرة.
تحذير من المجاعة:
وحذر خبراء من وصول السودان مرحلة المجاعة ..حيث قال الخبير الاقتصادي واستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين بروفسور حسن بشير محمد نور إن ارتفاع الأسعار ناتج عن اقتصاد الحرب مؤكدا أنه لا يوجد حل غير الاستجابة للهدنة الإنسانية أولا لايصال المساعدات ثم العمل على ايقاف الحرب وتشكيل حكومة مدنية حقيقية
مرحلة الكارثة:

وأكد ان السودان وصل مرحلة المجاعة بوجود حوالي 20 مليون انسان فى حاجة ماسة لمساعدات منقذة للحياة أي ما يعادل اكثر من 41% من السكان مبينا إن الوضع تخطى مراحل الضغط والأزمة والطوارئ وأضاف انه وبحسب التصنيف الدولي للجوع فان الوضع وصل مرحلة الكارثة.. ما يعرف بP5
وهي المرحلة الخامسة حسب التصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي مشيرا الى أن الجوع في السودان لا ينتج فقط عن نقص الغذاء بالمعنى المادي، وإنما عن انهيار القدرة على الوصول إلى الغذاء. موضحا ان الأسرة قد تجد الغذاء في السوق، لكنها لا تستطيع شراءه، وان المزارع قد يمتلك الأرض لكنه لا يستطيع الحصول على الوقود أو المدخلات، ووسيلة النقل قد تكون متاحة لكن تكلفة نقل الغذاء أصبحت مرتفعة، واضاف أن المساعدات نفسها تواجه قيوداً أمنية ولوجستية وتمويلية.
وقال بروف محمد نور انه وفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي حوالي 41 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي أو أعلى خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026
مبينا نحو 14 مليوناً في مرحلة الأزمة ، وأكثر من 5 ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألفاً في مرحلة الكارثة..وقال إن منظمتى الفاو و الغذاء العالمي حذرتا من ارتفاع عدد الأشخاص في مرحلة الكارثة إلى نحو 200 ألف شخص في 15 منطقة خلال يونيو إلى سبتمبر 2026، مع وجود خطر للمجاعة في 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان في السيناريو الأسوأ. كما يتوقع استمرار خطر المجاعة في 13 منطقة حتى موسم الحصاد في يناير 2027
تفكيك المنظومة:

وقال إن المنظمات الدولية تتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد خلال عام 2026، بزيادة تقارب 7 في المائة عن 2025 ونحو 25 في المائة عن مستويات ما قبل الحرب.وأبان نور ان المشكلة لا تتعلق بعدم مقدرة السودان على إنتاج الغذاء، قائلا أن منظومة الغذاء بأكملها تعرضت للتفكك.
مشيرا الى أن الحرب أدت إلى نزوح الملايين، وتعطيل الزراعة، وتدمير الأسواق ومخازن الحبوب ووسائل النقل، وفقدان الدخل، وانقسام الأسواق بين مناطق السيطرة المختلفة.
الانقسام الاقتصادي:
وقال إن أزمة الغذاء ليست منفصلة عن الاقتصاد الكلي مبينا أن الأزمة الحالية هي أيضاً أزمة إنتاج وإيرادات عامة.
مشيرا إلى أن السودان فقد جزءاً مهماً من قاعدته الإنتاجية، وانقسمت الموارد والأسواق بين مناطق السيطرة العسكرية.
واضاف أن أحدث تحليلات تشير إلى أن مناطق إنتاج الذهب والصمغ العربي المهمة أصبحت مرتبطة بمناطق سيطرة قوات الدعم السريع، بينما يتم توجيه جزء كبير من الإنتاج في مناطق سيطرة الجيش نحو الاحتياجات العسكرية بدلاً من توجيهه إلى المالية العامة والاستثمار والخدمات.
مبينا إن هذا يؤدي إلى ما يمكن وصفه اقتصادياً بالانقسام الاقتصادي للسودان، مشيرا الى انه لم تعد هناك سوق وطنية متكاملة أو سياسة نقدية ومالية تعمل بكفاءة على كامل البلاد.
دوامة التضخم:
وقال الخبير الاقتصادي الاستاذ كمال كرار إن ما يحدث الآن يفسر اقتصاديا بما يعرف بدوامة التضخم مبينا انها عملية اقتصادية متواصلة تتغذى فيها الزيادات في الأسعار على نفسها، مشيرا الى أن موجة من ارتفاع الأسعارتؤدي إلى موجة أخرى، وتصبح السيطرة على التضخم أكثر صعوبة بمرور الوقت.
موضحا ان هذه الدوامة تنشأ عندما تتفاعل عدة عوامل، أبرزها انخفاض قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، وتراجع القوة الشرائية، وزيادة الأجور أو الإنفاق الرسمي، وارتفاع تكلفة التمويل بالعجز أو التوسع النقدي.
آلية متكررة:
مشيرا إلى انه خطورة هذا الامر تكمن في أن التضخم لا يصبح مجرد ارتفاع عابر في أسعار بعض السلع، بل يتحول إلى آلية متكررة لإعادة إنتاج الغلاء وتآكل الدخول الحقيقية واتساع رقعة الفقر.
واضاف ان هذه العوامل الآن تتفاعل بشدة في هذا الوقت، مع طول أمد الحرب، وتواصل الانفاق عليها من مصادر غير حقيقية كالتوسع النقدي أو ما نسميه طباعة العملة.
وقال إن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 اسهمت في تدمير أجزاء من القاعدة الإنتاجية، وتعطيل التجارة وسلاسل الإمداد، وتراجع الإيرادات العامة والصادرات، فضلاً عن الضغوط على سعر صرف الجنيه السوداني.
إنهاء الحرب:
وقال إن التقديرات الموثوق بها تبين أنه في عام ٢٠٢٣ بلغ متوسط التضخم السنوي نحو 230% ، وفي عام 2024 بلغ 194% وفي عام 2025 قدّر بنك التنمية الأفريقي التضخم بنحو 150.2%، ما يؤدي الى ارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور الحقيقية، ما يزيد الضائقة المعيشية، وتقل قيمة الجنيه مقارنة بالعملات الأجنبية.
وقال إن أي حلول مؤقتة لن تفلح في الخروج من هذه الدوامة، مالم تعد الأوضاع لطبيعتها، وتنتهي الحرب، وتستقر القطاعات الانتاجية، وتنتهي حالة النزوح واللجوء.