آخر الأخبار

حين تلتقي المسؤولية العامة بظلال الشبهات: من حق الشهداء والجيش أن نتحرّى

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

ليست المناصب العامة مجرد مواقع إدارية يتنافس الناس على شغلها، وليست التعيينات الحكومية قرارات شكلية تنتهي آثارها بمجرد صدور المراسيم. إنها، في جوهرها، اختبارات حقيقية لمعايير الاختيار، ومدى إدراك أصحاب القرار لحساسية المرحلة التي تمر بها البلاد، ولطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق من يتولون إدارة شؤون المواطنين في أوقات الحرب والمحن الوطنية.

 

 

 

 

وفي بلد يخوض حرباً قاسية دفاعاً عن وجود دولته ومؤسساتها وسيادته، وتُقدَّم فيه التضحيات الجسام، ويسقط الشهداء من القوات المسلحة والقوات المساندة لها، لا يمكن النظر إلى اختيار المسؤولين بمعزل عن مواقفهم الوطنية وسيرتهم العامة وصلتهم بما يجري في البلاد. فالمسألة هنا لا تتعلق بالكفاءة الإدارية وحدها، على أهميتها، وإنما تمتد إلى الثقة العامة، والاتساق بين المسؤولية والموقف الوطني، ومدى الاطمئنان إلى أن من يتولى المنصب يقف على أرضية واضحة في ما يتصل بقضايا الوطن المصيرية.

 

 

 

ومن هذا المنطلق، استوقفني اختيار أحد الوزراء ضمن التشكيل الحكومي بولاية جنوب كردفان، في ظل معلومات وشبهات متداولة بشأن موقفه خلال الحرب، تستدعي التحقق الجاد قبل تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها أمراً لا يستحق الالتفات.

 

 

وتفاصيل ما وصلني، بحسب ما نقله إليّ أشخاص أثق بهم، أن الرجل كان موجوداً في أحد أحياء ولاية الخرطوم خلال فترة من فترات الحرب، وأنه لم يغادرها إلا بعد أن أخبره ابنه، الذي قيل إنه ضابط في مليشيا آل دقلو المتمردة، ويعمل ضمن الحرس الخاص لأحد كبار ضباطها ممن انشقوا عن القوات المسلحة وانضموا إليها، بأن المليشيا قد هُزمت أمام القوات المسلحة والقوات المساندة لها، وأن عليه مغادرة الخرطوم إلى مصر. ووفقاً لهذه الرواية، فقد غادر الرجل بالفعل إلى مصر عن طريق التهريب.

 

 

 

 

أورد هذه المعلومات كما وصلتني، لا باعتبارها حقائق ثبتت لديّ، ولا بقصد إصدار حكم مسبق على الرجل، وإنما لبيان طبيعة التساؤلات التي أثارتها، وأسباب الحاجة إلى استجلاء الحقيقة بشأنها. فثمة فارق جوهري بين أن يسمع المرء معلومة فيتحول بها إلى قاضٍ يصدر الأحكام، وبين أن يتلقاها بوصفها مدخلاً للتحقق، خصوصاً عندما تتصل بمسؤول عام يتولى موقعاً حساساً في ولاية تعيش ظروفاً استثنائية.

 

 

ومن طبعي ألا أصدّق كل ما يُقال عن الناس، كما لا أسارع إلى تكذيبه لمجرد أن الاتهام لا يروق لي أو أن صاحبه يحظى بموقع أو مكانة. فالإنصاف يقتضي التثبت، والعدل يقتضي الاستماع، والمسؤولية الأخلاقية تقتضي ألا تتحول الروايات المتداولة إلى أحكام نهائية قبل التحقق من مصادرها وملابساتها.

 

 

 

وبناءً على ذلك، تواصلت مع أحد الإخوة ممن يعرفون الرجل، وطلبت منه مساعدتي في استجلاء حقيقة ما سمعته. وقد وعدني بالتواصل معي لاحقاً، لكنه لم يفعل حتى الآن، ولا أعلم إن كان قد شغله ظرف ما أو حالت أسباب أخرى دون ذلك. وبذلك تظل المسألة، في حدود ما أعلمه، عند مستوى المعلومات المنقولة التي لم أتمكن بعد من التحقق منها بصورة مستقلة.

 

 

 

وهنا أؤكد بوضوح أنني لا أملك، حتى هذه اللحظة، دليلاً قاطعاً يثبت صحة هذه الرواية، ولا أرى من الإنصاف أن أتعامل معها باعتبارها إدانة للرجل. غير أن عدم ثبوت الاتهام لا يعني أيضاً أن نتجاهل الأسئلة المشروعة التي تثيرها، أو أن نعتبر مجرد تولي المنصب سبباً كافياً لإغلاق باب الاستفسار.
فإذا صحّت هذه المعلومات، وثبت أن للرجل موقفاً أو ارتباطاً يتعارض مع مقتضيات المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة، فإن تعيينه يصبح موضع تساؤل جاد يستوجب المراجعة. أما إذا اتضح أن الرواية غير صحيحة، أو أن الوقائع أُخرجت من سياقها، فإن الإنصاف يقتضي تصحيحها ورد الاعتبار إليه، دون تردد أو انتقائية.

 

 

 

إن احترام الشهداء لا يكون باستثمار تضحياتهم في تصفية الحسابات، كما أن الوفاء للقوات المسلحة والقوات المساندة لها لا يكون بإطلاق الاتهامات جزافاً. وإنما يكون ذلك بالتمسك بالحقيقة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن موقف يستوجب المساءلة، وحماية سمعة الأبرياء من أن تصبح رهينة الشائعات أو الخصومات الشخصية.

 

 

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى التثبت إلى ذريعة لتجاهل المؤشرات الجادة، أو إلى حصانة تمنع مساءلة المسؤولين عن ماضيهم ومواقفهم. فالمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، وإنما أمانات تترتب عليها حقوق للمواطنين وواجبات تجاه الدولة والمجتمع. ومن حق الناس أن يعرفوا المعايير التي اختير بموجبها من يتولى إدارة شؤونهم، ومن حقهم كذلك أن يطمئنوا إلى أن قرارات التعيين تستند إلى الكفاءة والنزاهة والثقة العامة، لا إلى المحاباة أو المجاملة أو الحسابات الضيقة.

 

 

 

والسؤال الذي ينبغي أن يشغل أصحاب القرار في ولاية جنوب كردفان ليس ما إذا كان من الممكن تمرير التعيين أو الدفاع عنه، وإنما ما إذا كانت عملية الاختيار قد استوفت مقتضيات التحقق من السيرة والموقف الوطني والكفاءة، ولا سيما في ظل حرب تركت جراحاً عميقة في نفوس السودانيين، وفرضت على المسؤولين أعباء استثنائية في حفظ الأمن وصيانة مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بها.

 

 

 

إن الولاية، بما تواجهه من تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية، أحوج ما تكون إلى مسؤولين يحظون بثقة مواطنيها، ويملكون من النزاهة والكفاءة والوضوح ما يعينهم على أداء واجباتهم في هذه الظروف. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُفرض بالقرارات الإدارية، وإنما تتأسس على سجل واضح، ومواقف معلومة، واستعداد دائم للمساءلة.

 

 

ولذلك، فإن المطلوب في هذه القضية ليس إصدار الأحكام من وراء المنابر، ولا التستر على ما قد يثبت من وقائع، وإنما إجراء تحقق مسؤول وموضوعي، والاستماع إلى المعني بالأمر، ومراجعة المعلومات المتاحة، ثم اتخاذ الموقف المناسب على أساس ما يثبت، لا ما يُشاع.

 

 

فإذا صحت الرواية، وجب التعامل مع مقتضياتها بما يحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين واعتبار تضحيات الشهداء. وإذا لم تصح، وجب إسقاطها وعدم السماح لها بأن تتحول إلى وصمة تلاحق إنساناً دون بينة. وفي الحالتين، فإن الحقيقة وحدها هي التي ينبغي أن تكون الفيصل.

 

 

إن دماء الشهداء أمانة في أعناق الأحياء، والتضحيات التي تبذلها القوات المسلحة والقوات المساندة لها تفرض على الجميع قدراً أعلى من المسؤولية واليقظة والإنصاف. وليس من الوفاء لهذه التضحيات أن نُدين الناس بالشبهات، كما ليس من الوفاء لها أن نتغاضى عن حقائق تثبتها الأدلة.

 

 

 

وفي تقديري، فإن أول واجبات من يتولون المسؤولية العامة في هذه المرحلة أن يدركوا أن ثقة الناس ليست تفصيلاً ثانوياً، وأن سلامة الاختيار الحكومي لا تُقاس بعدد الأسماء التي تُعلن، وإنما بمدى أهلية أصحابها، ونزاهة سيرتهم، وقدرتهم على الاضطلاع بأعباء المرحلة.

 

 

 

فالوطن الذي يدفع أبناءه أثماناً باهظة دفاعاً عن دولته وكرامته، يستحق أن تُصان مسؤولياته العامة بمعايير لا تقبل المساومة، وأن تُحسم الشبهات الجادة بالتحقق، وأن يُدان المخطئ بالدليل، ويُبرَّأ البريء بالحق. وما بين هذه المبادئ، لا ينبغي أن يكون هناك مكان للمجاملة، ولا للتشهير، ولا للتساهل في حقوق الوطن.