آخر الأخبار

أزمة الغذاء وإصلاح المؤسسات.. التحدي العربي في مهب الصدمات العالمية

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*تفرض التحولات الاقتصادية الجيوسياسية المتسارعة على المنطقة العربية واقعاً معقداً يتطلب إعادة تشكيل شاملة لأولويات التنمية والسياسات المالية.. ولم تعد أزمات سلاسل الإمداد، واضطرابات خطوط الملاحة، وارتفاع تكاليف الشحن والمدخلات الزراعية مجرد متغيرة تقنية في معادلات الاقتصاد الكلي، بل تحولت إلى تهديد مباشر لمفهوم الأمن القومي والإنساني، وفي مقدمته الأمن الغذائي. إن التطورات المتلاحقة في المحيط الإقليمي والدولي تحتم الانتقال من المبادرات التقليدية إلى إستراتيجيات تعافٍ مرنة وقادرة علىامتصاص الصدمات الخارجية وتخفيف وطأتها على المجتمعات التي تعاني أصلًا من هشاشة اقتصاداتها.

*تتجلى هذه الأهمية في اللقاءات الدولية والإقليمية المتخصصة رفيعة المستوى التي تُعقد لمناقشة تحديات النمو والتشغيل، حيث ينبغي تسليط الضوء بقوة على أثر الصدمات الخارجية المباشر وغير المباشر على الأوضاع المعيشية.. إن أي اضطراب في أسواق الطاقة أو تكاليف النقل الإقليمية ينعكس فوراً على أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني، مما يرفع كلفة إنتاج الغذاء ويضاعف الضغوط المالية على الأسر والمؤسسات الوطنية. وهنا يظهر الدور المحوري للمؤسسات المالية الدولية والإقليمية في توفير الدعم المتناسب مع حجم الكارثة، وليس فقط تقديم حلول نمطية قاصرة عن الاستجابة لواقع الدول الأكثر تأثراً بالنزاعات والأزمات المركبة.

*يرتبط علاج ملف الأمن الغذائي والنمو الشامل ارتباطاً وثيقاً بتمكين القطاعات الإنتاجية الحيوية، وفي صدارتها المشروعات الصغيرة والمتوسطة والقطاع الزراعي. فهذه القطاعات تشكل شريان الحياة الرئيسي لامتصاص البطالة، وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة في عجلة الإنتاج، وتحسين سبل كسب العيش في المجتمعات النائية والريفية. إن حشد التمويل اللازم ورفع القدرات الإنتاجية المحلية لا يمثلان فحسب خياراً إستراتيجياً لتحقيق الكفاية الذاتية، بل هما الركيزة الأساسية لحماية صغار المنتجين والمزارعين من الانهيار أمام الموجات التضخمية العابرة للحدود.

*وعلى الصعيد المؤسسي، لا يمكن بناء اقتصاد قادر على الصمود في وجه الصدمات دون تحديث وإصلاح المنظومة المالية والنقدية للدولة. إن تبني خارطة طريق واضحة للإصلاح الاقتصادي، بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، يستلزم بناء مؤسسات وطنية قوية تتمتع بالكفاءة والشفافية. ويرتكز هذا المسار على عدة محاور جوهرية تشمل: تطوير إدارة المالية العامة برفع كفاءة تحصيل الموارد وتوجيه الإنفاق العام نحو الأنشطة ذات المردود التنموي والاجتماعي المباشر، وتحسين جودة البيانات والإحصاءات لضمان انتظام وتحديث البيانات الاقتصادية والنقدية لتوفير قاعدة معلومات دقيقة تخدم صانعي السياسات وتسمح بتقييم التقدم المحرز بشفافية.

*وبناء القدرات البشرية والمؤسسية بتصميم برامج مساعدات فنية متخصصة لرفع كفاءة الكوادر الوطنية في مجالات التحليل الاقتصادي، وصياغة السياسات المالية والنقدية، وإدارة المخاطر، وتعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية بإيجاد آليات تواصل وتنسيق دائم ومباشر بين وزارة المالية والبنك المركزي لضمان اتساق القرارات المحفزة للنمو مع متطلبات كبح التضخم واستقرار العملة.

*إن التغلب على التحديات الراهنة يحتاج إلى مقاربة مزدوجة تجمع بين الاستجابة العاجلة لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وبين العمل الهيكلي الممتد لبناء قدرات الاقتصاد الوطني.. إن تضافر الجهود العربية والإقليمية مع المؤسسات الدولية، وتنسيق الأفكار والرؤى بين القطاعات المالية والنقدية، يُعد الشق الأول من المعادلة، بينما يظل الشق الأهم هو تحويل هذه التفاهمات إلى خطوات عمل ميدانية تُترجم إلى استقرار في الأسواق، وحماية للشرائح الأكثر ضعفاً، واستدامة في صمود مجتمعاتنا أمام التقلبات المستقبلية.