
رسالة البرهان إلى ترامب.. ترفيع لمستوى التواصل السياسي
عمرو خان
*لم تكن رسالة رئيس مجلس السيادة السوداني، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد مخاطبة دبلوماسية تقليدية، أو إعلان عابر عن الالتزام بجهود السلام؛ بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد مرحلة من التوتر بين الخرطوم وواشنطن، لتفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز مضمون الرسالة إلى دلالات اختيار المخاطَب، وتوقيت التواصل، والرسائل التي أراد السودان إيصالها إلى الإدارة الأمريكية، وانعكاسات ذلك على مسار الحرب.
*فحين ينتقل التواصل من دائرة المبعوث الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، الذي يتولى جانبًا من إدارة الملف السوداني، إلى الرئيس الأمريكي نفسه، فإننا نكون أمام ترفيع لمستوى التواصل السياسي، ومحاولة لفتح نافذة مباشرة مع مركز صناعة القرار في واشنطن، دون أن يعني ذلك بالضرورة تجاوز القنوات الدبلوماسية أو إلغاء دور المبعوث الأمريكي.
*وتكتسب الخطوة أهميتها من السياق الذي سبقها؛ إذ تصاعد التوتر عقب امتناع الإدارة الأمريكية عن منح البرهان تأشيرة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وسط خلافات بشأن مقترح الهدنة الإنسانية لمدة 90 يومًا، الذي تدفع به واشنطن ضمن جهود الآلية الرباعية. ثم جاءت الاتصالات واللقاءات التي شهدتها القاهرة، في مطلع أكتوبر الجاري، لتؤكد أن قنوات التواصل لم تكن مغلقة بالكامل، رغم التباينات الواضحة بين الطرفين. (رويترز، 5 أكتوبر 2026؛ الجزيرة نت، 16 أكتوبر 2026
*الشارع السوداني.. قراءات متعددة للرسالة: في الشارع السياسي السوداني، يمكن قراءة هذه الخطوة من أكثر من زاوية، تبعًا للمواقف من الحرب، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، والتصورات المتعلقة بمستقبل التسوية السياسية.
*القراءة الأولى ترى أن الرسالة تمثل مبادرة سودانية لإعادة ضبط العلاقة مع واشنطن، ومنع الخلاف السياسي من التحول إلى مواجهة دبلوماسية أوسع قد تترتب عليها ضغوط إضافية على الدولة السودانية. ووفق هذا التفسير، فإن مخاطبة ترامب مباشرة لا تعني تراجع الخرطوم عن مواقفها، بقدر ما تعني السعي إلى إيصالها إلى أعلى مستوى في الإدارة الأمريكية، وفتح المجال أمام تفاهمات جديدة بشأن إنهاء الحرب.. وتستند هذه القراءة إلى إعلان البرهان استعداده للعمل مع جميع الأطراف، بنية صادقة، من أجل تحقيق سلام عادل ودائم يحفظ سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وكرامة شعبه.. وهي رسالة تجمع بين إبداء الاستعداد للتعاون والتأكيد على ثوابت لا تريد الخرطوم التفريط فيها.
*أما القراءة الثانية، فترى في الرسالة محاولة لإعادة صياغة النقاش حول الهدنة نفسها؛ فبدلًا من أن ينحصر الحوار في مطالبة الجيش بالموافقة على وقف إطلاق النار، تريد الحكومة السودانية أن يصبح السؤال متعلقًا بشروط الهدنة وضماناتها، وما إذا كانت ستؤدي إلى حماية المدنيين وإنهاء الحرب، أم ستمنح القوات المتمردة فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية.
*وقد عززت تقارير صحفية سودانية هذا التفسير، إذ أشارت إلى أن الرسالة تتضمن تصورًا لوقف الحرب يرتبط بانسحاب القوات من المناطق المدنية، ووقف مصادر الدعم الخارجي، ووجود رقابة فعالة على تنفيذ الترتيبات.. لكن التفاصيل الكاملة للرسالة لم تُنشر رسميًا، ولذلك ينبغي التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها تقارير صحفية، لا نصًا رسميًا مكتملًا ومتاحًا للتحقق المستقل.. (الجزيرة نت، 16 أكتوبر 2026
*وثمة قراءة ثالثة تتعلق بالداخل السوداني؛ إذ يمكن فهم الرسالة بوصفها تأكيدًا أن القيادة السودانية لا ترفض السلام من حيث المبدأ، وإنما تناقش شروطه ومآلاته.. وهذه نقطة مهمة في معركة الروايات السياسية حول الحرب، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم موقفه باعتباره الأكثر تمسكًا بإنهاء المعاناة الإنسانية.. ومن هذه الزاوية، تحمل الرسالة خطابًا إلى الخارج، لكنها تحمل أيضًا دلالة إلى الداخل: أن الانخراط في المسار السياسي لا يعني بالضرورة التخلي عن المواقف المعلنة بشأن وحدة السودان ومؤسساته الوطنية.
*هل تعني الرسالة تحولًا في الموقف الأمريكي؟: هنا ينبغي التمييز بين ترفيع مستوى التواصل وتغيير المواقف السياسية.. فإرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي لا يعني أن واشنطون وافقت على الشروط السودانية، ولا أن إدارة ترامب قررت التخلي عن مقترحها للهدنة أو تعديل رؤيتها بشأن مستقبل العملية السياسية فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية، كما تعمل ضمن الآلية الرباعية التي تضم مصر والسعودية والإمارات، وتسعى إلى وقف الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية.. وفي المقابل، تتمسك الخرطوم بضرورة أن تقترن أي هدنة بترتيبات تمنع استغلالها عسكريًا، وتضمن عدم تكريس الانقسام أو إنشاء سلطات موازية للدولة.. وبالتالي، فإن الرسالة تفتح مجالًا لاختبار إمكان تقريب المسافات بين الطرفين، لكنها لا تحسم الخلافات الجوهرية.. وقد أشارت تقارير إلى أن اتصالات أجرتها عواصم صديقة أسهمت في احتواء التوتر بين الخرطوم وواشنطون، وهو ما يضيف بعدًا إقليميًا إلى الخطوة، ويؤكد أن التواصل المباشر لا يلغي دور الوسطاء، بل يمكن أن يكمله. (الجزيرة نت، 16 أكتوبر 2026
*أثر الرسالة على الحرب.. ما بعد التواصل: أما أثر الرسالة على الحرب في السودان، فيتوقف على ما إذا كانت ستتحول من خطوة سياسية إلى مسار تفاوضي ينتج عنه اتفاق قابل للتنفيذ فإذا استجابت واشنطون لفتح حوار أكثر مباشرة مع الخرطوم، وأُعيد بحث الضمانات الأمنية والإنسانية للهدنة، فقد تتيح الخطوة فرصة لتقريب المواقف، وتخفيف حدة التوتر، وتحسين فرص الوصول إلى تفاهمات توقف القتال وتسمح بوصول المساعدات إلى المتضررين
لكن إذا بقيت الخلافات بشأن شروط وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات من المناطق المدنية، والرقابة على التنفيذ، ومستقبل مؤسسات الدولة، فإن الرسالة ستظل خطوة دبلوماسية مهمة من دون أثر فوري في الميدان.
*فالسلام لا يتحقق بمجرد تبادل الرسائل، وإنما بوجود إرادة سياسية، وتفاهمات واضحة، وآليات مراقبة تضمن التزام الأطراف، ومعالجة العوامل التي تسمح باستمرار الحرب، بما في ذلك تدفق السلاح والتمويل من الخارج.. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي إغفال أن أي اختراق سياسي ستكون له انعكاسات إنسانية مباشرة؛ فالمواطن السوداني الذي أنهكته الحرب والنزوح وفقدان مصادر الرزق لا ينتظر نجاح الاتصالات بوصفها إنجازًا بروتوكوليًا، وإنما يريد أن يرى أثرها في أمنه وحياته وقدرته على العودة إلى منزله.
*ترفيع التواصل لا يعني حسم المعركة السياسية: في المحصلة، يمكن النظر إلى رسالة البرهان إلى ترامب باعتبارها خطوة لإعادة فتح قنوات التواصل على مستوى أعلى، ومحاولة لطرح الموقف السوداني مباشرة أمام الإدارة الأمريكية، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية ..غير أن قيمة هذه الخطوة لن تُقاس بمستوى الشخص الذي تلقى الرسالة وحده، بل بما ستفضي إليه من نتائج: هل تفتح بابًا لتفاهم يحترم سيادة السودان ووحدته ويضع حدًا للحرب؟ أم تظل ضمن سلسلة الاتصالات التي لم تنجح حتى الآن في تجاوز الخلافات بشأن الهدنة وشروط التسوية؟.
*إن ترفيع مستوى التواصل السياسي قد يهيئ الطريق لاختراق دبلوماسي، لكنه لا يصنع السلام بمفرده.. والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الرسالة من مستوى التعبير عن النوايا إلى مستوى الاتفاق على الإجراءات والضمانات، وعندما يصبح وقف الحرب مشروعًا قابلًا للتنفيذ، لا مجرد هدف تتفق الأطراف على إعلانه وتختلف على شروط تحقيقه.
*كاتب صحفي مصري