آخر الأخبار

تآكل المعاشات ..نصف مليون معاشي يعيشون أوضاعا مؤلمة (1)

  •  معاش الشهر يكفي لوجبتين فقط
  • مسرح يومي على الهواء الطلق بامدرمان يعرض مأساة المعاشيين
  • طبيب نفساني: معاشيون أصيبوا بالإكتئاب لعدم قدرتهم الصرف على أسرهم
  • معلمة: علمناهم يكتبوا وطن.. لكن الوطن نسى يكتب لينا معاش يعيشنا
  • موظف: عملت في خدمة الدولة 25 سنة وخرجت من المولد بدون حُمص

تحقيق ــ التاج عثمان:
معاناة المعاشيين أصبحت لا تطاق اصبحنا لا نستطيع توفير أبسط مستلزمات أسرنا المعيشية ناهيكم عن العلاج والتعليم وغيرها من النفقات الضرورية.. فالمعاش الشهري الذي يتقاضه معظم المعاشيين الان لا يساوي سوى وجبة واحدة في اليوم.. هذا بإختصار نموذج مختصر لمعاناة المعاشيين في ظل موجة الغلاء الحالية والتي تآكلت بسببه المعاشات .. التحقيق الصحفي الإستقصائي الذي أجرته (أصداء سودانية) يكشف معلومات مؤلمة ويزيح الغطاء عن ويلات ومآسي هذه الشريحة المنسية في مقدمتها إنتشار الأمراض النفسية وحالات الإكتئاب وسط المعاشيين الذين يقدر عددهم الان بنحو 200 ألف معاشي على مستوى السودان.
مسرحية المعاناة:


ــ من يريد التأكد من معاناة المعاشيين فليتوجه إلى مركز صرف المعاشات ببنك الأسرة بشارع الوادي امدرمان، والذي تحول إلى مسرح يومي كبيرعلى الهواء الطلق بشارع الوادي بامدرمان تعرض فيه (مسرحية معاناة المعاشيين) أبطالها المعاشيون والمعاشات أنفسهم.. مئات المعاشيين والمعاشيات والأرامل يتكدسون يوميا أمام مركز صرف المعاشات المذكور لصرف معاشاتهم الضئيلة، ويظلون ينتظرون بالساعات الطوال خارج المركز بحجة عدم وصول الكاش، او الكاش قطع فيعودون بخفي حنين رغم ان بعضهم ياتي من أحياء بعيدة، حيث ان المركز المذكور كان عند زيارتي له قبل قرابة الشهرين، هو المركز الوحيد بولاية الخرطوم يصرف منه كل المعاشيين بمحليات الولاية المختلفة.. شاهدتهم يجلسون بمصطبة منزل مواجه لمركز الصرف في إنتظار السيولة والتي قد لا تاتي فيقولون لهم، تعالوا بكرة (والصورة المرفقة توضح ذلك).. بعضهم أفصح انه جاء منذ السادسة صباحا من السلمة والكلاكلة والحاج يوسف وغيرها من الأحياء البعيدة من مركز الصرف الوحيد وقتها بشارع الوادي بامدرمان وظل جالسا في الشارع لأكثر من 5 ساعات بدون إفطار ولا جرعة ماء رغم ان معظمهم يعانون داء السكري، وفي كل مرة يسألون الموظف يقول لهم: الكاش ما وصل.. اوضحوا أنهم من كثرة عبارات موظفي البنك المكررة:(سيولة مافي أمشي وتعال بكرة) ،أنفقوا المعاش الذي ينتظرونة منذ إسبوع في المواصلات.. عموما حالتهم هناك يرثى لها لدرجة أن بعض السكان الذين يقطنون جوار مركز بنك الأسرة بشارع الوادي رقوا لحالهم فقام أحدهم، مشكورا، بتقديم وجبة إفطار، تكية لهم.
تآكل المعاشات:
ــ نماذج المعاناة وحجم المآسي التي يرزح تحتها المعاشيين خاصة بعد الحرب لا تحصى ولا تعد، معاشي قال: (عملت 25 سنة متواصلة موظفا بالدولة لكنني خرجت من المولد بدون حُمص.. فوجئت بالمعاش الضئيل الذي ساتقاضاه بقية عمري رغم أنني أفنيت زهرة شبابي في خدمة الدولة والمواطنين عموما بنزاهه ونكران ذات.. لم افكر في مد يدي للمال العام ، رغم علمي ان الكثيرين مدوا أياديهم وإغترفوا من المال الحرام رغم أنه كان امامي يوميا بالملايين.. قبل الحرب الراتب المعاشي الذي كنت أتقاضاه كان مقبولا نوعا ما على الأقل كنت وأسرتي مستورين رغم أنني حرمت أبنائي وبناتي من أشياء كثيرة حتى أتمكن من تعليمهم ولذلك كنا نعيش في حد الكفاف ونشكر الله على نعمته.. لكن بعد الحرب أصبحنا نعيش تحت خط الفقر، تدهورت أوضاعي وأصبحت غير قادر على إعاشة أسرتي ومواصلة تعليمهم فترك بعضهم الدراسة في الجامعة نهائيا وبعضهم جمد السنة وإنخرطوا في أعمال هامشية لا تدر عليهم سوى القليل لإعاشة الأسرة.. ذلك ان معاشي تآكل بسبب موجة الغلاء الحالية التي إجتاحت السودان بسبب الحرب وإنهيار الجنيه السوداني، حيث أصبح كل معاشي الشهري يكفي لوجبتين فقط في اليوم، اما بقية إحتياجات الأسرة الأخرى فقد أصبحت ترفا بالنسبة لنا.. وحتى المعاش القليل الذي أتقاضاه أحصل عليه بشق الأنفس من مراكز صرف المعاشات بالخرطوم .. أصبحنا نسمع من موظفي المعاشات عبارات مكررة كلما ذهبنا لصرف المعاش، دائما يقولون: التغذية لم تصل.. او سيولة مافي، ومن كثرة التردد عليهم أنفقت معظم المعاش في المواصلات).. ويعد منفذ صرف المعاشات بامدرمان اكبر المنافذ في السودان من ناحية عدد المستفيدين مقارنة بمنافذ الصرف الأخرى التابعة للصندوق القومي للمعاشات. ــ معلمة تلخص مأساة المعلمين والمعلمات بالمعاش بعبارة إشتهرت في السوشيال ميديا بقولها في المعاشات الضئيلة: (علمناهم يكتبوا وطن.. لكن الوطن نسى يكتب لنا معاش يعيشنا).
إنهيار عصبي:
ــ معاشي آخر قال:(قبل 5 سنوات كان معاشي يعادل 200 دولار اليوم ونفس المعاش يعادل أقل من 15 دولار.. وصراحة أصبح المعاشيين لا يستطيعون مجاراة إنهيار الجنيه السوداني والذي تسبب في إصابتة بعضهم بحالة إنهيار عصبي، وأسالوا عن ذلك مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية.
ــ عموما نماذج المعاناة التي سردها على مسامعي المعاشيين والمعاشيات الذين شاركوا في التحقيق الصحفي كثيرة ومؤلمة ومأساوية بحق وحقيقة تفطر القلوب، ولذلك نكتفي بالنماذج السابقة، ولعل القراء يدركون جيدا الكثير من معاناتهم ،ولذلك لا داعي للتفصيل أكثر، فكل منزل به معاشي او معاشية.
إحصائية المعاشيين:


لم اتحصل على إحصائية رسمية بالعدد الرسمي لإجمالي عدد المعاشيين بالسودان لأعزز بها هذا التحقيق الصحفي، لكن تقديرات قديمة إستقيتها من الإتحاد العام للمعاشيين قدرت عددهم بنحو 200 ألف معاشي على مستوى السودان إرتفع العدد الان إلى حوالى 350 ــ 500 ألف معاشي ومعاشية وذلك بعد إحالة دفعات جديدة لهم خلال العامين 2023ــ 2024، وتعد ولاية الخرطوم أكبر تجمع للمعاشيين، حسب بيانات مؤسسة التنمية الإجتماعية، مشيرة ان 45 في المائة من معاشي السودان يتواجدون بولاية الخرطوم، حيث يقدر عددهم بحوالى 90 ــ 128 ألف معاشي، لكن آخر تقديرات تحصلت عليها تشير ان عددهم الان تجاوز 150 الف معاشي ومستحق للمعاش، وذلك بعد غحالة اعداد كبيرة من موظفي الخدمة المدنية للمعاش، أضف غليهم اسر الشهداء والمصابين ،بينما ولاية الجزيرة وحدها بها 20 الف معاشي. وتعود تمركزهم بولاية الخرطوم لوجود الورزارات الغتحادية ورئاسات البنوك والمؤسسات الحكومية الكبرى.
اما المعاشيات من النساء فلم اتحصل على إحصائية موثقة او مؤكدة بعددهن، إلا ان دراسة لصندوق المعاشات عن التمويل الاصغر الخاص بالمعاشيين، اوضحت ان النساء يشكلن نسبة 22 في المائة من المستفيدين من التمويل الاصغرن ونسبة المراة العالملة في سلك الخدمة المدنة السودانية حوالى 30 ــ 35 في المائة من العدد الكلي للمعاشيين، ومعظمهن معلمات، وموظفاتن وممرضات وفراشات، لكن يلاحظ ان نسبة وصولهن لعمر المعاش اقل من الرجال إما بسبب زواجهن المبكر او الغستقالة وعد غكمال 20 سنة الازمة لغستحقاق المعاش الغختياري.. ولذلك فغن التقدير الحالي لعدد المعاشيات قد يصل غلى 45 ــ 60 ألف إمرأة معاشية، اي بنسبة 22 ــ 30 في المائة من غجمالي المعاشيين في السودان، والمعلمات المعاشيات يمثلن الشريحة الاكبر من المعاشيات بنسبة 60 في المائة، ثم الممرضات، والقابلات، وموظفات الوزارات خاصة المالية والتربية والتعليم والصحة والرعاية الغجتماعية.. وهناك أرامل يستلمن معاشات ازواجهن المتوفينومعظمهن غير موظفات او عاملات بل كن ربات بيوت حتى وفاة ازواجهن، لكنهن أصبحن يستلمن معاشات ازواجهن المتوفين، والذي يعتبر ورثة.. ويلاحظ ام معاش المراة اقل من معاش الرجل، وذلك يعود، حسب أحد العاملين بصندوق المعاشات، إلى ان معظمهن كن يعملن في درجات وظيفية اقل من درجات الرجال، وكثيرات منهن ارامل يعولن ابنائهن وبناتهن الايتام بعد وفاة الزوج الاب، معاشهن في حدود 24 ــ 30 الف جنيه شهريان مع ملاحظة أنهم لا يسمح لهن العمل بنظام المشاهرة بعد المعاش مثل الرجال.. والمشاهرة هذه قضية أخرى سوف نفرد لها حلقة خاصة بها.