آخر الأخبار

حوار أحمد هارون..التوقيت والدلالات

قبل المغيب

عبدالملك النعيم أحمد

 

*بعد سبع سنوات من الغياب عن الظهور المباشر قضي فيها أربع سنوات في سجن كوبر بتهم لم يقدم بموجبها للمحكمة وعلى إثر إتهامات أمام محكمة الجنايات الدولية لم يتم البت فيها بسبب جرائم حرب أرتكبت في دارفور عندما كان أحمد هارون  يشغل منصب وزير دولة للداخلية..بعد كل تلك السنوات وهذه الخلفية المليئة بالأحداث يطل الأستاذ أحمد هارون عبر بودكاست الإعلامي الشاب ربعي سراج عصر الجمعة الماضية في حوار على درجة عالية من الأهمية توقيتاً وموضوعاً إختلف حوله المحللون واصحاب الأقلام والسياسيون كل من الزاوية التي يرى فيها المتحدث او القضايا التي تناولها أو حتى تاريخ الظهور الآن وجدواه.

*تابع كاتب الزواية خلال اليومين الماضيين ردود الأفعال على هذا الحوار ووجهات النظر المتباينة حول الحوار وانقسمت الآراء حول ثلاث إتجاهات الأول هو الداعم للظهور والذي يرى ان المناخ ملائماً لتبادل الآراء والأفكار في ظل مشروع الحوار السوداني السوداني وأنه لا حجر على أحد من إبداء وجهة نظره وطرحه خاصة عندما يكون المتحدث رئيس حزب وصاحب تجربة أياً كان تقييمها وماقاله في الحوار ليس سرداً لتاريخ مضى وإنما حمل رؤية مستقبلية لحل مشاكل السودان.

*إتجاه ثاني يرى ان التوقيت ربما لم يكن مناسباً لظهور رئيس الحزب المحسوب على التيار الإسلامي والذي بسببه يتم الآن عقوبة السودان دولياً تارة بإتهام الجيش بإعتباره جيش الاسلاميين بإستخدام السلاح الكيماوي المحظور تلك التهمة التي لا تقف على ساقين وعجز حتى من أطلقوها على تقديم دليل واحد يثبت ما ذهبوا إليه وتارة بالمطالبة بتوسيع نطاق قرار حظر الطيران والسلاح ليشمل كل السودان بدلاً عن دارفور وحدها بغرض نصرة التمرد وايقاف زحف الجيش وانتصاراته ..وهذا الاتجاه الذي تحدث عن عدم سلامة التوقيت لم يكن له كبير تحفظ على مضمون الحوار وما جاء فيه وما تم طرحه من أفكار وآراء.

*أما الإتجاه الثالث فهو ذلك التيار الداعم للتمرد ودولة الإمارات من قبيلة قحت وصمود وتأسيس والمعلوم بالضرورة رأيهم في كل من يدعم الجيش ويطالب بتحرير كامل تراب البلاد حيث ذهب متحدثوهم إلى ان الحوار قد كشف (المغتغت) ويقصدون بذلك أن الإسلاميين هم من يديرون المعركة وان الفريق أول البرهان متماهي مع الإسلاميين وأن الهدف من إثارة الحرب هي عودة الإسلاميين وذهب بعض متحدثيهم بعيدا في الإتهامات التي في رأي الكثيرين أنها لم تحمل جديداً وليس هناك من سرٍ كان (مغتغتاً) قد تم كشفه بهذا الحوار ولكنها تظل دوما ضعف الحجة والهروب من النقاش الموضوعي وشخصنة القضايا كدأب جماعة صمود وهم يجوبون دول أوروبا وأمريكا بحثاً عن الدعم الخارجي على حساب الشعب السوداني الذي يدعون أنهم يمثلونه ويتحدثون بإسمه وما هم كذلك.

*لست بحاجة لإعادة كل ماورد في حديث الإستاذ أحمد هارون لأنه أصبح متاحاً للجميع ولكن لعل حديثه عن دعم الجيش والوقوف خلف القائد العام وضرورة إكمال تحرير البلاد بغرض التفاوض ومن منطلق قوة كان ضمن ما أثار أعضاء قحت…وتأكيده على أن من صمدوا أمام العدو وضحوا بأرواحهم هم من يستحقون التحدث باسم الشعب السوداني لا غيرهم ممن إحتموا بالخارج وتأكيده أيضا بان حزبه لا رغبة له البتة في المشاركة في الفترة الإنتقالية وإنما الأولوية عنده الآن هي تحرير البلاد واعادة الأمن والإستقرار للبلاد… وبعدها فاليكن صندوق الإنتخابات هو الفيصل والمعيار.

*فالذين يتحدثون عن حل حزب المؤتمر الوطني وأنه لا يجب أن يشارك حتى بالرأي والأفكار فيما يجري الآن في البلاد يجهلون تماماً أو يتجاهلون عمداً أن الأفكار لا تموت وأن الأحزاب يمكن أن تتجدد دماؤها بالأشخاص والأفكار بل نسوا تجربة الحزب الشيوعي السوداني الذي تم حله وطرد ممثلوه في البرلمان نهاية الستينات فإذا به يقود إنقلاب عام (1971م) ثم يفوز في بعض دوائر إنتخابات عام (1986م) ويظهر بكامل قواه السياسية بعد التغيير عام (2019م) والآن يشارك في الحوار السوداني…ألم تكن هذه التجربة جديرة بأن تجعل من ينادون بإلغاء حزب المؤتمر الوطني من خارطة الأحزاب السياسية أن يعيدون النظر في طريقة وآلية ممارسة الديمقراطية التي ينادون بها.. بل في طريقة التفكير نفسه ..ليس هناك بالطبع من هو فوق القانون حزباً كان أم شخصاً ومن كان منكم بلا خطيئة فاليرمها بحجر…فكل من يخطئ يجب ان يحاسب أمام القضاء أما الإقصاء سياسياً فكل تجارب السودان تؤكد وتبت فشله وعدم جدواه.

*كنت ومازلت أرى أن الحوار والنقاش حول حديث الاستاذ أحمد هارون كان يجب أن ينصب على جوهر الموضوع وما طرحه من أفكار ورؤى ومقترحات لقضايا البلاد يتفق الناس حولها ويختلفوا هذا أمر عادي وطبيعي بل مطلوب بالضرورة أما شخصنة الحوار والإتجاه الى الهجوم الشخصي والإتهامات التي أصبحت معلومة فهو بالقطع لا يقدم شيئاً بقدر ما أنه يجعل الجميع يدورون في حلقة لا نهاية لها…لماذا لا تأخذ لجنة تهيئة الحوار السوداني حديث أحمد هارون جزءاً من مساهمة القوى السياسية في الحوار ويتم النقاش حول ما تراه اللجنة موضوعياً؟ ومتى تتحرر القوى السياسية من عبارة( إلا المؤتمر الوطني) هذه التي تجاوزتها الأحداث وكشفت معركة الكرامة اهداف من ينادون بها ويتبنوها؟.

*ختاما فقد حمل حديث هارون نقداً واضحاً حتي لتجربة الإنقاذ نفسها في كثير من جوانبها بل كان إتهامه لبعض قادتها الذين (خانوها) مباشراً بل لم يصمدوا كثيراً بعد ذهابها وإقصائها بما يحمل الكثير من الدلالات والذي يقتضي بالضرورة المراجعة والتقييم والتصحيح…خاصة وأن الحزب مازال منقسماً على نفسه في تياري الرئاسة مما يستوجب أيضاً إصلاح البيت من الداخل شأنه شأن كل الأحزاب السياسية السودانية التي تملأ السياحة الآن صراخاً وضجيجاً..فإصلاح حال البلاد لا يتم إلا بإصلاح عيوب من يريد أن يصلح أو من ينادي به ويتبناه ففاقد الشيئ لا يعطيه.