آخر الأخبار

الحرب مستمرة.. فمتى يبدأ السودان تصحيح المسار؟

 

عمرو خان

*ثلاث سنوات مرت على اندلاع الحرب في السودان، وما زالت الحرب مستمرة، وكأن الزمن لم ينجح في إقناع ميليشيا الدعم السريع  بأن إطالة أمد المواجهة لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحسم، وأيضا إقناع مجلس السيادة الانتقالي في السودان بإن ما يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية قد لا يكون كافيًا وحده لإعادة بناء الدولة واستعادة استقرار المجتمع.

وبعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال مقتصرًا على من يتقدم ميدانيًا ومن يتراجع، أو من يمتلك أوراق ضغط أكثر على طاولة التفاوض، وإنما أصبح من الضروري التوقف أمام المشهد بأكمله، وقراءة ملامحه السياسية والعسكرية والاجتماعية، والبحث عن الأخطاء التي كشفت عنها تجربة الحرب، ومدى القدرة على تصحيحها قبل أن تتحول تداعيات الحرب إلى أزمات ممتدة يصعب احتواؤها.

*فإذا كان هناك ملمح رئيسي لما يجري في السودان، فهو أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوى متمردة، بل أصبحت معركة على مستقبل الدولة السودانية وهويته ووحدة أراضيه ومؤسساته.. وهذا الملمح يفرض التمييز بين ضرورة استعادة الدولة لسيادتها ومؤسساتها، وبين متطلبات إنهاء الحرب وإدارة مرحلة ما بعدها.. فالأول يمثل أولوية وطنية لا يمكن التنازل عنها، والثاني يمثل مسؤولية سياسية وتاريخية لا يجوز تأجيل التفكير فيها حتى تتوقف العمليات العسكرية بالكامل.

*لكن الخطأ الذي ينبغي الاعتراف به، وربما يكون من أكثر الأخطاء كلفة، هو التعامل مع الحرب باعتبار أن إنهاء المواجهة العسكرية وحده كفيل بإعادة السودان إلى ما كان عليه.. فالحروب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، ولا تُستعاد الدول بمجرد استرداد المدن، وإنما تحتاج إلى مشروع وطني يملأ الفراغ الذي خلّفته سنوات المواجهة، ويعيد بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.. ومن هنا، فإن أحد أهم الدروس التي كشفت عنها السنوات الثلاث هو أن المعركة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الرؤية السياسية.. فكل تقدم ميداني ينبغي أن يقابله استعداد سياسي وإداري واقتصادي لإدارة المناطق واستعادة الخدمات وتهيئة الظروف لعودة المواطنين.. كما أن الحفاظ على وحدة السودان لا يتحقق فقط برفض التقسيم أو مواجهة محاولات إنشاء سلطات موازية، وإنما يحتاج إلى حضور مؤسسات الدولة في حياة المواطنين، وإلى شعور السودانيين بأن هناك مستقبلًا ينتظرهم بعد الحرب.

*ولعل الأرقام وحدها تكشف جانبًا من حجم الاختبار الذي يواجه السودان.. فقد أشارت بيانات المنظمة الدولية للهجرة في أبريل 2026 إلى أن نحو 15 مليون شخص تعرضوا للنزوح داخل السودان وخارجه منذ اندلاع الحرب، وأن قرابة 8.9 مليون نازح ظلوا داخل البلاد، رغم عودة ما يقرب من أربعة ملايين شخص إلى مناطقهم الأصلية.. وهذه العودة، على أهميتها، لا تعني بالضرورة اكتمال التعافي، خصوصًا أن نسبة كبيرة من العائدين وجدت منازلها متضررة أو مدمرة..

أما الخطأ الآخر الذي يجب ألا يمر دون مراجعة، فهو تأخر بناء توافق سياسي وطني واسع يستطيع أن يتجاوز حسابات القوى والمكونات المتنافسة.. فالسودان لا يحتاج إلى توافق شكلي تفرضه الضرورة أو تنتجه تفاهمات النخب، وإنما إلى مشروع يستوعب التنوع السوداني، ويضع مصلحة الدولة فوق المصالح الحزبية والشخصية، ويمنح القوى المدنية والمجتمعية دورًا حقيقيًا في صياغة المستقبل.

*وهنا يجب الانتباه إلى أن الفراغ السياسي لا يظل فراغًا طويلًا؛ فكلما تأخر السودانيون في ملئه برؤية وطنية جامعة، اتسعت مساحة التدخلات الخارجية، وتزايدت فرص توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة أجندات لا تتطابق بالضرورة مع مصالح السودان.. ولذلك فإن رفض التدخلات الخارجية لا ينبغي أن يقتصر على الخطاب السياسي، بل يجب أن يصاحبه تحرك دبلوماسي نشط يوضح ثوابت الدولة السودانية، ويستثمر علاقاتها الإقليمية والدولية، ويمنع اختزال الأزمة في تفاهمات بين أطراف خارجية تتحدث نيابة عن السودانيين.

*وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية القوى السياسية والإعلامية السودانية في تصحيح خطابها، والابتعاد عن تحويل الخلافات السياسية إلى خصومات وطنية، أو التعامل مع كل اختلاف باعتباره خيانة أو اصطفافًا مع طرف من أطراف الحرب.. فالإعلام الذي لا يميز بين المعلومة والشائعة، وبين النقد المسؤول ومحاولات التشكيك، قد يتحول إلى ساحة إضافية من ساحات الصراع، بدلًا من أن يكون أداة لحماية الوعي العام.. ولا يمكن إغفال أن حماية المدنيين وصيانة البنية التحتية والمرافق الأساسية ليست قضايا مؤجلة إلى ما بعد الحرب.. فالتقارير الدولية وثقت تدهور الخدمات الأساسية واتساع الاحتياجات الإنسانية، كما حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن استمرار الانتهاكات وتآكل النسيج الاجتماعي سيجعلان إعادة بناء المجتمع أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

*أما متى يجب تصحيح هذه الأخطاء؟ فالإجابة: الآن، وليس بعد إعلان نهاية الحرب.. فانتظار اكتمال الحسم العسكري قبل التفكير في اليوم التالي قد يضع السودان أمام فراغ جديد، وربما يفتح الباب أمام صراعات سياسية واجتماعية أكثر تعقيدًا.. المطلوب أن تسير مسارات استعادة الدولة بالتوازي مع وضع تصور واضح لإدارة المرحلة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، وإصلاح المؤسسات، ومعالجة آثار الحرب على الاقتصاد والتعليم والصحة.. وهذا لا يعني القفز إلى تسوية سياسية تتجاوز أسباب الحرب أو تساوي بين الدولة ومؤسساتها وبين التمرد المسلح، ولا يعني تقديم تنازلات تمس سيادة السودان ووحدة أراضيه.. بل يعني أن يكون هناك تصور سوداني واضح لما بعد الحرب، لا تترك صياغته للوسطاء أو العواصم الخارجية، ولا تختزله مجموعة محدودة من القوى السياسية.

*كما أن المجتمع الدولي مطالب بمراجعة مقاربته للأزمة؛ إذ لا يمكن أن تستمر الدعوات إلى وقف إطلاق النار بمعزل عن معالجة مصادر استمرار الحرب، أو أن تتحول المبادرات السياسية إلى مجرد جولات تفاوضية لا تملك أدوات تنفيذ حقيقية. وقد أشار إحاطة الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في 16 أكتوبر 2026 إلى استمرار تدهور الأوضاع واتساع القتال في كردفان والنيل الأزرق، مع استمرار تدفق الأسلحة وغياب مؤشرات جدية على التوصل إلى اختراق سياسي.

*إن السنوات الثلاث الماضية أثبتت أن السودان لا يواجه أزمة عسكرية عابرة، بل اختبارًا تاريخيًا لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود وإعادة إنتاج مشروع وطني يحمي وحدته ويصون سيادته.. ولذلك، فإن الملمح الأبرز لما يجري هو أن السودان يقف أمام معركتين متداخلتين: معركة استعادة الدولة، ومعركة منع تكرار الأسباب التي قادت إلى انهيار الاستقرار واندلاع الحرب.

*أما الخطأ الذي يجب تصحيحه، فهو الاعتقاد بأن نهاية الحرب يمكن أن تكون بداية التفكير في الدولة، بينما الحقيقة أن التفكير في الدولة وإعادة بنائها يجب أن يبدأ قبل أن تضع الحرب أوزارها.. فالسؤال لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب في السودان؟ وإنما: أي سودان ينتظر السودانيين عندما تنتهي؟ وهل ستكون السنوات التي دفعوا فيها أثمانًا باهظة كافية لتأسيس دولة أكثر تماسكًا، أم أن أخطاء الماضي ستجد طريقها مجددًا إلى المستقبل؟.

*كاتب صحفي مصري