آخر الأخبار

عودة ترامب… ماذا تعني للسودان؟(2-2)

الدكتور الدرديري محمد أحمد

وزير الخارجية الاسبق يكتب

  • إدارة ترامب الجديدة لن تلقي بالاً لمسألة إحياء الإتفاق الإطاري أو مناصرة حركة (تقدم)
  • الإدارة الجديدة تبدد أحلام (بيريلليو) في إعادة الاتفاق الإطاري للحياة وتذهب مساعيه في تبييض وجه الإمارات
  • لن تعيرإدارة ترامب السودان أدنى التفاتة أو تبعث له بمبعوث جديد يسير في الناس سيرة (توم بيريلليو)

يتساءل البعض عن الأسباب التي تجعل بعض قادة دول الخليج، وخاصة الامارات، يفضلون عودة ترامب وعما إذا كان ذلك يعني ان إدارة ترامب الجديدة ستدعم الموقف الاماراتي تجاه السودان. يعزى ترحيب دول الخليج بترامب لعدة أسباب ترتبط بالسياسة الخارجية والأمنية والاقتصادية التي انتهجتها إدارة ترامب السابقة تجاه المنطقة. ومن ذلك النهج المتشدد تجاه إيران، والتعاون الأمني الوثيق مع دول الخليج، وابرام إدارة ترامب صفقات الأسلحة المشهورة مع تلك الدول. كما عززت إدارة ترامب الأولى الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة وبنت مع دول الخليج شراكات اقتصادية واسعة. كذلك تعاملت تلك الإدارة بمرونة مع الانتقادات التي طالت دول الخليج بشأن حقوق الإنسان وسياساتها الإقليمية, كما دعمت إدارة ترامب التطبيع الخليجي مع إسرائيل والتوسع في ابرام الاتفاقات الإبراهيمية التي كان يرجى منها أن تحدث تحولًا كبيرًا في المناخ الإقليمي يتم في ظله القضاء على حماس وإقصاء الحركات الإسلامية السنية والشيعية, هكذا يتضح ان لدول الخليج أغراضا استراتيجية كبرى تحققها عودة ترامب تتجاوز أهميتها لديها مسألة السودان. لكن هل من المحتمل ان تعمد إدارة ترامب الجديدة، بالرغم مما تقدم، الى مباركة السياسة الإماراتية تجاه السودان؟.
إحياء الاتفاق الإطاري:
لا تميل الإدارات الجمهورية عموما وترامب خصوصا إلى الانغماس في مشاريع البناء الديمقراطي, وهذا يعني أن إدارة ترامب الجديدة لن تلقي بالاً لمسألة إحياء الاتفاق الإطاري أو مناصرة حركة (تقدم) أو تعمل لتمكين قوى مدنية بعينها. هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى فان ما تعرضت له السياسة الإماراتية تجاه السودان من انتقاد داخل الولايات المتحدة الامريكية في صحف مؤثرة مثل النيويورك تايمز يضعف من فرص تبني تلك السياسة بواسطة الادارة الجديدة لترامب, أما الاتفاقات الإبراهيمية التي أدت محاولة فرضها على السودان إلى دخوله ضمن ملفات ذات أولوية عند إدارة ترامب الفائتة، فإنها بعد عملية طوفان الأقصى، لن تعود على الأرجح للواجهة بالقوة التي كانت بها, ذلك أن الأولوية الآن في الأجندة الدولية هي لحل الدولتين وليس لتصفية القضية الفلسطينية من خلال التطبيع مع إسرائيل, وبتراجع خطة إسرائيل للقضاء على حماس ومحاصرة الإسلام السياسي في المنطقة، فان أجندة القضاء على (الكيزان) في السودان لن تكون ذات جاذبية للإدارة الامريكية الجديدة.
وقبل أن نختتم هذا المقال لابد من أن ننوه إلى مسألة منهجية مهمة, فكاتب هذا المقال قد تابع الجدال المحتدم داخل الولايات المتحدة حول الوثيقة المسماة ( Project ) .
وما إذا كانت تلك الوثيقة تمثل الكتاب الأزرق لسياسات إدارة ترامب المقبلة (الداخلية منها بشكل أساسي) أم لا, حيث يزعم ذلك الديمقراطيون وينفيه ترامب, بينما يرى آخرون، ومنهم صحيفة وول استريت جورنال، ان سياسات إدارة ترامب الجديدة ستبنى على مشروع المؤسسة المسماة
America First Agenda، والتي يعتبرها الجمهوريون، حسب تلك المجلة، الجهة التي تقود عملية الظل لتحقيق الانتقال وسواء كان هو هذا الرأي أو ذاك، فان هذا الكاتب لم يجد في الوثيقتين المذكورتين ما يجعله يقتنع أن إدارة ترامب الجديدة ستعدل عن النهج الذي اتبعته إدارته السابقة في السياسة الخارجية, خاصة أن ترامب قد أكد مرارا أثناء حملته الانتخابية على صحة الخيارات الخارجية التي اتخذتها إدارته الأولى, إضافة إلى ذلك فان قراءة آراء وتوجهات الدبلوماسيين الجمهوريين، خاصة الذين كانوا قريبين من الملف السوداني، على النحو الذي تناولناه أعلاه، تعطينا زاوية لاستشراف ما هو مقبل أفضل مما تقدمه وثائق تعدها مراكز أبحاث ليس لها انتماء معلن، ذلك سواء عاد بعض هؤلاء الدبلوماسيين لإدارة ترامب الجديدة او لم يعودوا, وفي النهاية يظل الغيب غيبا وتظل السياسة الخارجية محفوفة بالمزالق وقابلة للتغيرات المفاجئة، خاصة مع شخصية مثل ترامب.
أهون الشرور:
صفوة القول إن إدارة ترامب الجديدة هي أهون الشرور الأمريكية. بل جاز للمتحمس منا ان يقول عنها إنها أفضل هدية تتلقاها القيادة السودانية والجيش السوداني ينتقل من نصر الى نصر, وربما يقال إنها أفضل ترحيب بوزير خارجيتنا الجديد، الدبلوماسي المطبوع، الدكتور علي يوسف وهو في مستهل عهده, فالتغيرات التي تحدثها هذه الإدارة في الساحة الدولية تتيح فرصة نادرة للسودان لإيجاد علاقات خارجية تعين على كسب الحرب بسرعة، ولتكوين شراكات لإعادة الاعمار فور سكوت البنادق. وهي ولا شك أقوى صفعة تتلقاها (تقدم) ويتلقاها معها الدعم السريع, فبقدوم هذه الإدارة تتبدد أحلام توم بيريلليو في إعادة الاتفاق الإطاري للحياة، وتذهب مساعيه في تبييض وجه الامارات – بإشراكها في العملية التفاوضية – ادراج الرياح, فالإدارة الجديدة لترامب المنشغلة بمواجهة الصين، والانسحاب من أوكرانيا، واستعادة كوريا الشمالية من أحضان بوتن، ومحاصرة إيران، ووقف الاقتتال في غزة والشرق الأوسط، لن تعير السودان أدنى التفاتة. ذلك فضلا عن أن تبعث له بمبعوث جديد يسير في الناس سيرة توم بيريلليو. وإذا كان أنتوني بلينكن يتدخل فيما مضى بين الفينة والأخرى مهاتفاً القيادة السياسية في السودان، ضاغطا ومتوعدا، فانه ليس من المتوقع ان يكون ذلك هو ديدن وزير خارجية ترامب. ليس ذلك تأدبا، وانما لأن أمريكا وهمومها المباشرة تأتي أولا. فعند ترامب America First!