آخر الأخبار

رجع البلد.. بهجة الانسجام من موارد الأمل في الغناء السوداني 

تلاوين

 

عبد اللطيف مجتبى

بلغة مفعمة بالأمل والفرح ، لغة مشعة متوهجة كتب أبو آمنة حامد، ذلك الشاعر الشفيف قصيدة (بهجة) المعروفة باسم (رجع البلد) و التي ما لبثت طويلا حتى سكنت إحساس الموسيقار محمد الأمين و فاحت كالعبير من اوتاره و صوته الدافئ الفخيم عبر مايكرفون الإذاعة وسرعان ما سكنت وجدان الناس منذ تلك اللحظة؛ و كأنها تتمثل بيت بن الملوح الشهير الذي يقول: ( أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا) فهي كذلك صادفت وجدانا متعطشا للجديد في زمن تعمه طمأنينة وشغف بالجمال ، فما أن أذيعت حتى عمت البهجة و انتشرت مفردات الأغنية من العنوان إلى التفاصيل، و تصدرت كلماتها زجاج السيارات وواجهات فاترينات الأسواق فما التفتَّ يمينا أو يسارا حتى لاحت لناظريك: (رجع البلد ) أو (بهجة) أو (حلاوة العودة) أو غيرها من مفردات هذه الأغنية الساحرة.

لم تكن أغنية (بهجة) مكتوبة لتعبر عن حالة شعورية تخص الشاعر فحسب بل عبرت كلماتها و الأحاسيس التي حملتها عن لسان حال كل الناس، إذ كانت العودة من المغتربات البعيدة والقريبة مصدرا للفرح، بعد فقد دام فترات سهر فيها الأهل و الأحباب و تقلبوا في نيران الفقد والشوق والقلق والتوتر على ذلك الغائب.. لذا مثلت لهم هذه الأغنية جرعة وريدية؛ سقت تلك المشاعر العطشى فكأنما كتبها أبو آمنة بلسان حال كل الناس.

ففي النص أحوال وجدانية مشتركة و لغة تعبر عن لسان حال مجموعة بأس ها و ليس فردا واحدا (جانا الخبر شايلو النسيم) و (سالت مشاعر الناس جداول) كلمات هزت محمد الأمين و جعلته يسكب عليها من سحر ريشته الآسرة حتى انسجمت موسيقاها ذات الإيقاع الراقص و الجمل الموسيقية الرشيقة و التوزيع الذي جعل منها منصة لحوار نغمي حميم عبر صولو متنوع شاركت فيه الأوركسترا الموسيقية إذ بدت الآلات و كأنها تتناقل ، فيما بينها ، فَرِحَةً خبر تلك العودة لذلك الغائب العزيز ، فتبكى حينا إثره فرحا آلة الكمان، و تضحك آلة الأورغ التي تتبادل انغام البهجة متجاوبةً مع البيز جيتار و آلات الإيقاع الأخرى لتشكل مهرجانا للعودة وتصبح جملة (رجع البلد) هي مركز الهتاف الذي يعم هذا المهرجان بين الآلات و المغني والجمهور سواء أكان ذلك في المسرح أو أمام المذياع حتى يبدو المشهد وكأنه مهرجان للصوت والضوء.

إنها لعمري لحظة من لحظات الانسجام الاجتماعي أو الوجداني، بالأحرى. فلم تكن حالة التعاكس هذه بين الفن و المجتمع إلا مؤشرا إلى حالة وعي و تشكُّل وجداني و سلام اجتماعي كبير فهذه الاستجابة لم تكن مرتبطة بمكان محدد بل كان السودان كله يلهج بما يرد إليه من إذاعة ام درمان كوسيط رئيس، آنئذ، بالإضافة إلى الوسائط المساعدة مثل أجهزة السيارات و بعض الأجهزة المنزلية في المدن الكبيرة أو تلك التي جاء بها المغتربون من أبناء القرى و الفرقان البعيدة التي لم تصلها الكهرباء العامة بعد. إضافة إلى أولئك الفنانين المحليين الذين يرددون ما يقدمه الفنانون فهم أيضا وسيط محلي يلهب وجدان المتلقين و يبشر بالأعمال التي تقدمها الإذاعة وغيرها من وسائط.

أغنية بهجة مثلت في تلك الفترة نموذجا يكشف عن مدى ارتفاع حساسية المجتمع بالفن و مدى اندغام روح الفنان في الهم العام لحياة الناس ربما لأنه لم يكن منفصلا أو متعاليا عليه بل على العكس من ذلك، فقد كانت العلاقة سجالا يسعى فيها دائما الفنان لإرضاء الجمهور الذي ليس من السهل تمرير أي أعمال لا تليق بذائقته وتلك الحساسية الجمالية المفرطة.. أبو آمنة حامد كان يدرك و كذلك محمد الأمين هذه المسألة فكانا على درجة من المسؤولية الفنية و الذكاء، فتمكن عبر هذه التجربة وغيرها من تحريك الوجدان عبر نص مثل قصيدة بهجة و موسيقى لحنها الاحتفالية البديعة. لدرجة انه يمكن القول بأنهما تمكنا من فك تلك الشفرة التي مكنتهم من سبر أغوار وجدان شعب بأكمله لا يجامل في إحساسه حتى: هشَّ الزهر و بكت الورود وسالت مشاعر الناس جداول. مما جعل أغنية بهجة تقف جنبا إلى جنب مع رصيفاتها من الأغنيات الكبيرة التي تبثها الإذاعة السودانية في المناسبات السعيدة كالأعياد لتعزيز حالة الفرح و المحبة. فقد لخصت لنا كلماتها بصدق أن 🙁 وصف البهجة بالكلمات محال يتقال)

حقيقة أصدقائي قد حملت إلينا هذه الأغنية بشائر ظلت تنادينا إليها كلما ادلهمت الظروف و حلكت وطالت الليالي لتعيدنا إلى موارد الأمل و المحبة و الرغبة في مواصلة مشوار الحياه فشكرا للذين قدموا لنا هذا الجمال بكل محبة ومضوا إلى حال سبيلهم الميمون تاركين وراءهم إرثا عظيما محفورا في الوجدان و صفحات التاريخ الناصعة.

وانا اختم هذا المقال (جانا الخبر شايلو النسيم) يبشرنا بتحرير القصر الجمهوري ومنطقة وسط الخرطوم فيا لها من فرحة بالنصر فقد كتب جنودنا البواسل بدمائهم الطاهرة تاريخا جديدا للبلاد حق ان يخصص هذا اليوم ويكون عيدا نحتفل فيه بالتحرير..