
القرن الإفريقي في مرمى النار السودانية
لمياء موسى
تحية طيبة من القلب إلى قرّائي الأعزّاء..
*أفتح معكم في هذا المقال بابًا لموضوع بالغ الأهمية، إذ إنّ الحرب المشتعلة في السودان اليوم لم تعد شأنًا داخليًا محضًا، بل تجاوزت حدودها لتلقي بظلالها الثقيلة على الإقليم بأسره.
*فبعد سقوط حكم البشير عام 2019، تنفّس السودانيون الصعداء، وحلموا بدولة يسودها النظام والقانون بعد أن ذاقوا مرارة الظلم الاجتماعي والفساد والاستبداد لعقود. لكن تلك الآمال ما لبثت أن تهاوت، إذ عجزت القوى السودانية عن إنجاز الانتقال الديمقراطي المنشود نحو دولة مدنية، فانفجرت الحرب بين المكوّنين العسكريين في الخامس عشر من أبريل 2023
*ومع صمت العالم، تصاعدت وتيرة الصراع، وغابت الحكمة، فأصبح السلاح هو السيّد في بلدٍ كان جديرًا أن يكون واحةً للخير والعطاء. فالسودان، بما يملكه من مناجم ذهب، وثروات زراعية وسمكية، ومنافذ بحرية، تجري في قلبه روافد النيل الأبيض والأزرق، كان مرشّحًا أن يكون بلدًا عامرًا بالرخاء، لكنه اليوم يغرق في الفقر، وسوء التغذية، وانهيار اقتصادي غير مسبوق.
*السودان… هذا البلد الممتد على خارطة القارة الأفريقية، يظلّ بما يمتلكه من موقعٍ جيوسياسي ومساحة شاسعة، وبما يتمتع به من ثروات، نقطة جذبٍ ومحورًا أساسيًا في معادلة القارة. لكن هذه المزايا تحوّلت، في ظلّ صراعٍ داخلي، إلى مطامع خارجية تسعى للتدخل في شؤونه، كلٌّ وفق مصالحه، فتمدّ يدها دعمًا لطرف على حساب آخر.
*لقد عرفت جهود السلام نجاحات محدودة حتى الآن، إذ اصطدمت بعقبات كثيرة، أبرزها التدخلات الخارجية، وغياب المشاركة الحقيقية من الفاعلين الوطنيين القادرين على صناعة التغيير. وبينما يتواصل النزاع أو تتصاعد وتيرته، يلوح في الأفق شبح السيناريو الأسوأ: انهيار الدولة الوظيفية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
*إنّ الكارثة السودانية لن تقف عند حدود البلاد، بل ستتجاوزها لتزيد المخاوف الأمنية في بيئة إقليمية مضطربة أصلًا، وتهدّد أمن منطقة القرن الأفريقي بأكملها. فهذه المنطقة، ذات الثقل الاستراتيجي والممرات المائية الحيوية، بما تمثّله من بُعدٍ استراتيجي للتجارة الدولية عبر البحر الأحمر، تُعدّ من أكثر مناطق العالم عرضةً للنزاعات والتجاذبات، وما تحمله من انعكاسات إقليمية ودولية متشابكة.
*لقد كان السودان، على الدوام، طرفًا أساسيًا في معادلة التوازنات الإقليمية: عامل استقرار حين ينعم بالهدوء، ومصدر توترٍ واشتعال حين يختلّ أو ينهار. فهو لاعب رئيسي في استقرار القرن الأفريقي برمّته، وحال اضطرابه تهتزّ معه ركائز الأمن في المنطقة.
*لذلك تتصاعد المخاوف مع تراجع قدرة الحكومة السودانية على ضبط حدودها المترامية، إذ تنشط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفي مقدمتها تهريب الأسلحة إلى دول لا تزال غارقة في نزاعات مسلّحة داخلية، بما يذكي العنف ويقوّض الأمن من الصومال شرقًا حتى أقصى الغرب الأفريقي. وبموازاة ذلك، تنتعش تجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وعمليات غسيل الأموال، لتزيد المشهد قتامة وتعقيدًا.
*كما أنّ النزوح لملايين اللاجئين نحو الدول المجاورة يشكّل ضغطًا هائلًا على هذه البلدان، فيثقل كاهلها ويزعزع استقرارها، وبخاصة إثيوبيا، فموجات النزوح السكاني إليها تغذّي الاضطرابات الاجتماعية والصراعات الإثنية داخلها.
*ومع تصاعد وتيرة النزاع، تغدو منطقة القرن الأفريقي – المثقلة باضطرابات مزمنة في بؤرٍ متفرقة لا تزال نيرانها متقدة حتى اليوم في الصومال وإثيوبيا – على موعدٍ مع مخاوف متنامية من أن تمتد ألسنة اللهب إليها. فالتصعيد داخل السودان قد يحوّل البلاد إلى ساحة صراعٍ بالوكالة، في مشهدٍ لا يزيد الأزمة إلا تشابكًا وتعقيدًا، ويضاعف المخاوف من انتقال شرارة النزاع إلى الجوار، نحو إثيوبيا وإريتريا، مع احتمال اضطراب حركة التجارة الدولية عبر ميناء بورتسودان الحيوي، بما قد ينذر بحرب إقليمية. وهكذا يتعمّق هاجس عدم الاستقرار، وتزداد المنطقة هشاشة على وقع الرياح العاتية.
من ناحية أخرى، لعب السودان في الماضي دور الحاجز، في حال استقراره، بين الجماعات المتطرفة في الصومال داخل القرن الأفريقي، وتلك الناشطة في منطقة الساحل. غير أنّ الحرب الدائرة اليوم تُهيّئ أرضًا خصبة لإنعاش هذه الجماعات، وتمنحها فرصة لتأسيس شبكات مشتركة وتنسيق أعمالها فيما بينها، ما يضاعف من انخراط الشباب في حمل السلاح، ويزيد حضور هذه التيارات المتشددة، فتتعزّز حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
*أما على صعيد السياسات المائية لنهر النيل، فإنّ عدم استقرار السودان يُعدّ عقبة حقيقية أمام التوصل إلى حلول سلمية في إطار الجمود الدبلوماسي القائم بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سدّ النهضة، وهو ما يفتح الباب أمام نتائج سلبية طويلة الأمد، لا تمسّ السودان وحده، بل تُلقي بظلالها الثقيلة على السلم والأمن الدوليين.
*إنّ التصدي لهذه التحديات لم يعد خيارًا، بل ضرورة قصوى، ليس فقط من أجل إنقاذ السودان، وإنما أيضًا لصون أمن واستقرار القرن الأفريقي بأسره.
*إنّ استعادة السلام والنظام في السودان تتطلّب فهمًا عميقًا لطبيعة النزاع المستمر، ولآثاره وتبعاته الخطيرة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى عملية سلام شاملة برعاية الاتحاد الأفريقي، قادرة على جمع جميع الأطراف المعنية حول طاولة واحدة، لمناقشة جذور النزاع وأسبابه العميقة. فالمحاولات الدبلوماسية السابقة لم تتجاوز حدود المعالجات السطحية، وبقيت أشبه بترقيع عاجز لا يسمن ولا يغني من جوع.
إنّ تبنّي مقاربة منسّقة، تجعل من الحوار الجاد أولوية قصوى، وتضع الاستقرار في صميم اهتماماتها، يشكّل الطريق الأجدى للنهوض بمسار السلام في السودان، وضمان أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
*كاتبة مصرية مقيمة في لندن