آخر الأخبار

مقال البرهان.. السودان يروي قصته للعالم بلسان أحد أبنائه

 

عمرو خان

*في خطوة وُصفت بأنها من أبرز التحركات الإعلامية والسياسية منذ اندلاع الحرب في السودان، نشر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان مقالاً مطوّلاً في صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، تحت عنوان (حقيقة الحرب في السودان).. وقد حمل المقال رسائل متعددة الاتجاهات، وصُمم بعناية ليخاطب صناع القرار في واشنطن والرأي العام الدولي والداخل السوداني في آن واحد.

*خطاب يستند إلى سردية تاريخية وسيادية: جاء المقال ببنية خطابية محكمة تقوم على سرد جذور السودان التاريخية وحضارته الكوشية، في إطار يهدف لتعزيز شرعية الدولة السودانية ومؤسساتها. واعتمد البرهان على تقديم الحرب بوصفها معركة بين دولة تحافظ على وحدتها واستقرارها، وميليشيا مسلحة تمارس انتهاكات واسعة النطاق.. وقد دعم ذلك بالإشارة إلى تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومراكز بحثية دولية، ما منح السردية السودانية عمقًا توثيقيًا يسهّل تسويقها في المحافل الدولية.

*رسائل موجّهة لصانعي القرار الأميركيين: اختار البرهان الظهور في منصة إعلامية تُعد الأكثر تأثيرًا في أوساط الجمهوريين، وجمهور رجال الأعمال، والدوائر الأمنية الأميركية. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وفي لحظة تشهد فيها واشنطن نقاشات واسعة حول ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

*وقد حمل المقال إشادات واضحة بتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن توصيفه الدقيق لطبيعة الحرب، إضافة إلى ترحيب البرهان بالمواقف الأخيرة للرئيس ترامب وحرصه على تحقيق سلام عادل في السودان.

*رسالة للسعودية وللإقليم: إلى جانب واشنطن، حرص المقال على تثبيت دور المملكة العربية السعودية كشريك رئيسي في جهود السلام، مع التأكيد على رغبة الخرطوم في التعاون معها ومع حلفائها في المنطقة. كما لوّح المقال بشكل غير مباشر بما يُعتقد أنه دعم خارجي لقوات الدعم السريع، مع التأكيد على ضرورة إنهاء هذا الدور لتعزيز الأمن الإقليمي.

*تأثير متوقع على الرأي العام الدولي: من المتوقع أن يسهم المقال في تعزيز فهم أعمق للحرب داخل دوائر الإعلام والسياسة الغربية، خصوصًا في الولايات المتحدة. فالإطار الذي وضعه البرهان- والذي يصوّر الحرب كتمرد مسلح يهدد الأمن الإقليمي والدولي- قد يساعد في تغيير المقاربات التقليدية التي طالما وصفت الصراع بأنه حرب جنرالين.

*كما يوفر المقال مادة تُبنى عليها تحركات دبلوماسية سودانية لاحقة، سواء في الأمم المتحدة أو في المؤسسات التشريعية الأميركية.

*تأثير داخلي: تعزيز صورة الدولة: رغم أن المقال موجّه للغرب، إلا أنه يحمل رسائل داخلية غير مباشرة، من أبرزها:

-قدرة القيادة السودانية على مخاطبة العالم من منصات دولية كبرى.

– تأكيد استعداد الجيش لمواصلة الانتقال نحو الحكم المدني.

– تقديم رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، تشمل إعادة الإعمار وبناء شراكات اقتصادية واسعة.

*هذه العناصر تسهم في رفع مستوى الثقة الداخلية وإظهار الدولة السودانية كفاعل قادر على صياغة مستقبل البلاد دوليًا.

*لماذا اتجه البرهان إلى هذه الاستراتيجية؟: تأتي هذه الخطوة في ظل حاجة السودان لإيصال روايته للعالم في وقت تتسارع فيه التحولات السياسية في واشنطن. ومع تزايد نشاط جماعات الضغط المرتبطة بالطرف الآخر في الصراع، يمثّل المقال محاولة مباشرة لعرض وجهة النظر الرسمية من أعلى منصب سيادي في البلاد، وباستخدام آلية إعلامية فعّالة.

*ويُعدّ نشر المقال في صحيفة غربية كبرى جزءًا من تقنيات الدبلوماسية الإعلامية، التي سبق أن استخدمها عدد من قادة العالم، عربًا وغربيين وأفارقة، لتوجيه رسائل دقيقة إلى الجمهور الدولي وصناع السياسات. وتأتي خطوة البرهان ضمن هذا السياق، بما يعكس تحولًا استراتيجيًا في طريقة مخاطبة الخارج.

*كاتب صحفي مصري