
رعاية الفوضى
لمياء موسى
*لكلِّ طريقٍ نهاية، ولكلِّ أزمةٍ مهما اشتدّت وتعقّدت بدايةٌ ونهاية.. غير أنّ ملامح النهاية لا ترسمها الظروف وحدها، بل يخطّها موقف الشعوب، ويصنعها فعل أصحاب القرار، سلبًا كان أم إيجابًا
*فقد تُختَم الأزمات بنهايةٍ مشرقة، تتوحّد فيها الأمّة على قلب رجلٍ واحد، ويعلو شأنها، وتستقرّ دولةٌ بكاملها على أرضٍ صلبة من الحكمة والتكاتف. وقد تُختَم، في المقابل، بتشتّتٍ ونزوحٍ ومرضٍ ولجوء، وبانهيار ما كان يومًا كتلةً واحدة من الأرض والهوية.
*فأيَّ نهايةٍ نريد؟ وبأيّ طريقٍ سنسلك؟
على الجواب يتحدّد فعل اليوم؛ فالبدايات تُمنَح لنا أو تُفرَض علينا، أمّا النهايات فدائمًا وأبدًا صنيعة أيدينا.
*منذ سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، بدأ التنسيق الدولي والإقليمي يأخذ موقعه في المشهد السوداني، في محاولة لدعم انتقالٍ سياسيٍّ سلس يفتح بابًا جديدًا أمام البلاد. وقد رعت هذا الحراك الاتفاقيات الأولى بين المجلس العسكري الانتقالي والقوى المدنية، ووقفت خلفها عدّة دول ومنظمات إقليمية ودولية، كلٌّ يحمل رؤيته ومصالحه.
*غير أنّ التوتّرات أخذت في التصاعد خلال عام 2022، حين برز الخلاف حول قضية دمج قوات الدعم السريع في الجيش، وهو الخلاف الذي تفجّر لاحقًا لينقلب حربًا شاملة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في عام 2023
*ومع أنّ الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنبر جدة والإيغاد حاولوا التدخّل، إلّا أنّ فعالية هذه المسارات ظلّت محدودة، ولم تنجح في إيقاف نزيف الحرب أو في فرض هدنةٍ مستدامة، فيما كانت البلاد تغرق في كارثةٍ إنسانية ضربت أطرافها كافة.
*وأمام هذا المشهد المتصدّع، عادت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات إلى الاجتماع من جديد في منتصف عام 2025، ساعين إلى تشكيل آليةٍ رباعيةٍ دبلوماسيةٍ متعدّدة الأطراف، تُعيد جمع القوى السودانية حول طاولةٍ واحدة، وتضع حدًّا لحالة الانقسام التي تُغذّي الصراع.. نُسِجَت خيوطُها بعنايةٍ في لحظةٍ بلغ فيها النزاع حدًّا لا يُحتمل، لتُعلن التزامًا بهدنةٍ إنسانية تمتدّ لثلاثة أشهر، تُفتَح خلالها الممرّات أمام المساعدات لتبلغ المدنيّين والمنكوبين في مناطق يلتهمها الخراب.. هدنةٌ تُراد لها أن تكون الجسر الأول نحو وقفٍ طويل الأمد لإطلاق النار، يمهّد لقدرٍ من الاستقرار، ويُعيد فتح الطريق أمام عمليةٍ سياسيةٍ جادّة تنتهي إلى تسويةٍ شاملة عبر مرحلةٍ انتقاليةٍ تستمرّ تسعة أشهر، تفضي إلى تشكيل حكومةٍ مدنيةٍ مستقلة عن هيمنة السلاح ومراكز القوّة.
*لقد حظيت هذه الآلية بدعمٍ واسع من المنظمات الدولية والإقليمية والاتحاد الأوروبي، إدراكًا بأنّ الحرب التي حصدت نحو مئةٍ وخمسين ألف روح، وشرّدت أكثر من اثني عشر مليون إنسان، لم تُخلّف سوى الخراب والدمار. كما شدّدت الدول الأربع في الرباعية على أنّ الخيار العسكري أثبت عجزه التام، وأنّ الإصرار على استدامة الوضع الراهن ليس إلّا تعميقًا للجراح، وفتحًا لأبواب مخاطر جسيمة تهدّد السلم والأمن الإقليميين.
*وفي هذا السياق، أكّد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، أنّ التزام طرفي النزاع بالهدنة ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورةٌ إنسانيةٌ عاجلة. فهذه الهدنة، كما قال، ليست مجرّد توقّفٍ مؤقّت للقتال، بل شرطٌ أساسي لمعالجة الوضع الإنساني المتردّي، ولإعطاء السياسة فرصةً أخيرة كي تستعيد حضورها في ساحةٍ أتخمتها البنادق.
*وعلى ضوء هذه الجهود، أعلن قائد قوات الدعم السريع هدنةً إنسانيةً من جانبٍ واحد تمتدّ لثلاثة أشهر، مؤكّدًا أنّها تأتي استجابةً لمبادرة الرئيس الأمريكي والرباعية الدولية.
*بهذه الروح، تبدو الآلية الدبلوماسية محاولةً لإعادة نبض الحياة إلى بلدٍ أنهكته الحرب، وإيصال رسالةٍ واضحة: لا سلام بلا إرادةٍ سياسية، ولا مستقبل بلا دولةٍ مدنية تستمدّ شرعيتها من الشعب لا من فوهات البنادق.
*وعلى الصعيد الآخر، رحّبت وزارة الخارجية السودانية بكلّ جهدٍ إقليميٍّ أو دوليٍّ يمكن أن يسهم في إطفاء نار الحرب، لكنها في الوقت ذاته أبدت تحفّظها الواضح على الخطة الرباعية، مؤكّدةً أنّ السودان لا يقبل أيّ مبادرةٍ تتجاوز سيادته أو تنتقص من حقّه في تقرير مصيره.. وفي خضمّ هذا الجدل، خرج قائد القوات المسلحة، الفريق عبد الفتاح البرهان، بتصريحاتٍ حاسمة أعلن فيها عدم وجود أيّ شكلٍ من أشكال التفاوض مع قوات الدعم السريع، موضحًا أنّ الاتصالات الجارية محصورة مع الجانب الأمريكي فقط.
*وقد ذهب البرهان أبعد من ذلك حين وصف الخطة الرباعية بأنّها (أسوأ ورقة) طُرحت منذ اندلاع الحرب، لأنّها- بحسب تعبيره- تُقصي القوات المسلحة من المشهد، وتطالب بحلّ الأجهزة الأمنية جميعها، بينما تُبقي الميليشيات المتمرّدة راسخة في مواقعها. وأكّد عزمه على مواصلة القتال حتى القضاء على ما وصفه بالميليشيات الإرهابية، مشدّدًا: لسنا دعاة حرب، ولا نرفض السلام، ولكن لا يملك أحد أن يهدّدنا أو يفرض علينا شروطًا، أو يمنح شرعية لوجود قواتٍ حملت السلاح في وجه الدولة.
*وفي رؤيته، لا يمكن لأيّ تسويةٍ سياسيةٍ أن تُكتب لها الحياة إذا لم تضمن إضعاف المجموعات المسلحة التي تهدّد أمن البلاد وتماسكها. فالحفاظ على الدولة ووحدتها- كما يرى- أولوية لا مساومة فيها، وأيّ اتفاقٍ لا يراعي هذه الحقيقة لن يكون سوى وصفةٍ جديدة لفوضى تمتدّ لسنواتٍ أخرى.
*وهكذا يقف السودان أمام معادلةٍ معقّدة، تتقاطع فيها السيادة الوطنية مع الضغوط الدولية، وتتنازع فيها مسارات الحرب والسلام، فيما يحاول كلّ طرفٍ تثبيت روايته لما يجب أن يكون عليه مستقبل الدولة المنهكة بالصراع.
*وأنا أكتب هذا المقال، تسلّل إلى ذهني سؤالٌ ظلّ يتردّد بإلحاحٍ عليّ وهو منذ اندلاع الحرب السودانية وحتى لحظتنا هذه: كيف استعصى وقف إطلاق النار رغم كثافة الوساطات الإقليمية والدولية؟ وكيف أمكن لكلّ تلك الجهود أن تتساقط تباعًا دون أن تُثمِر سلامًا ولو مؤقّتًا؟ ومن هذا السؤال انبثق آخر أكثر إرباكًا.. هل ينتظر المجتمع السوداني أن يأتي الحلّ من خارج حدوده؟ أم أنّ السودانيين أنفسهم قادرون- لو أرادوا- على إنهاء هذه المأساة؟..وإن كانوا قادرين، فلماذا عجزوا؟ وإن كانوا عاجزين، فما الذي قيّد إرادتهم؟..ثمّ تتابعت الأسئلة كالسيل: لماذا يُفترض أن يأتي الحلّ من الخارج أصلًا؟ وكيف يمكن لتدخّلٍ دوليٍّ- لا يعرف تضاريس الأرض، ولا تشابكات المجتمع، ولا حساسية المكوّنات المحلية- أن يفرض تسويةً تُرضي الجميع؟ وهل يمكن لسلامٍ يُصاغ في عواصم بعيدة أن ينبت جذوره في أرضٍ أنهكها الصراع؟
وجدت نفسي أقف في نهاية المطاف أمام سؤالٍ واحدٍ يتقدّم الجميع:
لماذا أصبح التدخّل الخارجي شرطًا لحلّ الأزمة؟..سؤالٌ ما زال يبحث عن إجابة، وربّما يحمل في جوفه مفتاح الطريق إلى السلام.
*أصلُ إلى ختام مقالي هذا، ولا يزال سؤالي معلّقًا في فضاء الفكر، يطلب منّي مزيدًا من التأمّل، ومزيدًا من الشجاعة للبحث عن جذوره. فبالفهم الهادئ الذي يمنحنا القدرة على رؤية ما وراء السطح وما تحت الضجيج، يمكننا الاقتراب من حلّ القضايا الكبرى.
*كاتبة مصرية مقيمة في لندن