كتاب (زوايـا النور) رحلة في قـارب الواقع للكاتبة السودانية تنزيل شريف محمد
إبراهيم دربات:
تقول الكاتبة:
في منطقتي، لا أحد يعترف بالكاتب، ينظرون إليه كغريب عن الواقع. كانت نظراتهم تقول : إنها فتاة مجنونة، لا عمل لها سوى الكتابة. مافائدة القلم؟ لو ذهبت للزراعة لحصدت خيرًا. لكنني كنت أكتب لأثبت لهم ان الحبر أيضًا يحصد، يحصد الوعي والنور،
زوايا النور تجربة أدبية أولى تنطوي على حسّ تأملي عميق، وتسعى إلى ملامسة الواقع الإنساني عبر لغة وجدانية مشبعة بالأمل والوعي، ومنذ العتبة الأولى، تضع الكاتبة القارئ أمام مفتاحها الدلالي حين تقول: «أنـا امرأة أتنفس الأمل كما أتنفس الحياة»؛ وهي عبارة باعتبارها إعلانًا صريحًا عن الرؤية الفكرية التي تحكم النص بأكمله، فالأمل ضرورة وجودية موازية للحياة نفسها، خاصة في عالم تتقاطع فيه الانكسارات مع لحظات الفرح، ويتجاور فيه الألم مع إمكانات التعافي.
يتجلى البعد النقدي للعمل في قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني عام، ففي الفصل الأول المعنون بـ(رحلتي مع الكتابة: براثن الظلام)، تنفتح الكاتبة على سؤال الذات الكاتبة، مستندة إلى مقولة مفادها أن من لا يكتب عن نفسه يعيش ناقص الحكاية، هذه الفكرة، رغم شيوعها، تعيد الكاتبة صياغتها ضمن سياقها الخاص، حيث تصبح الكتابة وسيلة مقاومة للظلام، وأداة لاستعادة المعنى، غير أن هذا الطرح، على قوته، كان يمكن أن يزداد عمقًا لو تجاوز حدود التأمل الذاتي إلى مساءلة فعل الكتابة ذاته من منظور نقدي أوسع.
ينتمي الكتاب إلى النمط السردي التأملي، حيث تتداخل اليوميات بالخواطر، وتتقاطع التجربة الفردية مع قضايا اجتماعية مستمدة من واقع معيش، وقد نجحت الكاتبة في استلهام بيئتها، بدءًا من مدينة الفاشر، وصولًا إلى محطات أخرى، لتبني فضاءً سرديًا يعكس هشاشة الواقع وقسوته، وهو ما يتجسد في استعارة (القارب ذي الشراع المثقوب)؛ صورة موفقة تعكس حالة التحدي والاستمرار رغم الأعطاب.
يتوزع العمل على سبعة فصول، تحمل عناوين ذات طابع رمزي مثل (بدايات الروح)، (ظلال التجربة)، («أجنحة الوعي)، و(أنوار الإيمان).. هذه العناوين تكشف عن مسار تصاعدي من الانكسار إلى الوعي، ومن التجربة إلى الارتقاء.
من أبرز نقاط القوة في الكتاب كثافة الاقتباسات والعبارات التأملية التي تمنح النص طابعًا حكميًا، وتدعو القارئ إلى التوقف والتفكير؛ إلا أن هذه الكثافة نفسها قد تتحول إلى عبء حين تطغى على السرد، فتُضعف تدفقه الطبيعي وتجعله أقرب إلى تجميع خواطر منه إلى بناء نصي متكامل.
على مستوى اللغة، تتسم الكتابة بالبساطة والوضوح، مع ميل واضح إلى التعبير العاطفي المباشر، وقد نجحت الكاتبة في إيصال تجربتها بصدق.
كتاب (زوايـا النور)عملًا واعدًا في مسيرة كاتبته، يعكس وعيًا أوليًا بالذات وبالعالم، ويطرح أسئلة إنسانية صادقة حول الألم والأمل والهوية، فإن الكتاب يظل تجربة جديرة بالقراءة، لأنه لا يكتفي بسرد الواقع، بل يحاول أن يضيئه من زوايا متعددة، مؤكدًا أن معايشة التجربة تظل أصدق من مجرد الحكي عنها.
إقتباسات:
الكتابة مثل جناح الطائر؛ تمنح الطفل حرية التحليق ليعبّر عن أفكاره، أحلامه، ومشاعره بعيدًا عن قيود الواقع.
الحياة مثل سوقٍ مليءٍ بالوجوه والقصص؛ البعض يبيع لك الأوهام، والبعض الآخر يمنحك الحكمة بلا ثمن.
المصاب في الحرب يشبه شجرة اقتلعت جذورها جزئيًا، لكنه ما زال يزهر ويقاوم الرياح.
أجعل الأمل مشروعك الذي لا يُفلس، وعمارتك التي تُرمم كلما سقط جدار، افتح له نوافذ قلبك، ودعه يعيد ترتيب أثاث روحك كما يشاء، فكل زاوية مظلمة تحتاج إلى فكرة تضيئها، لا إلى شمس تشرق عليها.